الاستغناء بالقرآن  18

الاستغناء بالقرآن 18

الدرس في الاستغناء بالقرآن 18، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تحسين الصوت بالقرآن وتفسير معنى التغني به

يتناول الدرس الفصل الثامن عن الاستغناء بالقرآن مبيناً تحسين الصوت، مستعرضاً حديث البراء عن حسن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سورة التين، وحديث سعد بن أبي وقاص في الأمر بالتغني، مع توضيح معنى التغني عند الجمهور بأنه الترنم وتحسين الصوت دون إفراط، والرد على تأويل سفيان بن عيينة.

معنى التغني بالقرآن وضوابطه وتأثر النبي بقراءة ابن مسعود

يشرح المقطع أن التغني يعني تحسين الصوت وتزيينه دون تكلف أو إفراط يخرج عن التجويد، مستدلاً بحديث «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، ويورد قصة قراءة ابن مسعود على النبي صلى الله عليه وسلم وبكائه تأثراً، مما يدل على أثر القراءة الحسنة في القلوب.

مشروعية طلب قراءة القرآن في المجالس وأثره في القلوب الطاهرة

يبين جواز طلب قراءة القرآن في المجالس العلمية أو المساجد اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم مع التنبيه على عدم الاستمرار فيه كي لا يُظن سنة راتبة، ويوضح أن القرآن يؤثر في القلوب النقية فتخشع وتدمع مستشهداً بآيات وأقوال السلف.

تأثر النبي وأصحابه بالقرآن وخشوعهم له

يسرد كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتأثر بالقرآن حتى تدمع عينه وتخشع قلبه، وكذلك حال أصحابه كأبي بكر وابن عمر رضي الله عنهم، مع الإشارة إلى تكملة الحديث في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد بدأنا في الدرس الماضي في الفصل الثامن والأخير من فصول هذا المؤلف المبارك: الاستغناء بالقرآن. وكان هذا الفصل في ذكر تحسين الصوت بالقرآن، وتأثير القرآن في قلب من أصغى إليه بقلب سليم، وذكر فيه عشرة أحاديث، وقد أخذنا منها ثلاثة. قال: الحديث الرابع: عن البراء رضي الله عنه أيضاً، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء والتين والزيتون، فلم أسمع أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه. متفق عليه. وهذا الحديث فيه كذلك الحث على حسن الصوت بالقرآن، فقد جاء هذا الحث من قوله عليه الصلاة والسلام، وكذلك نقله الصحابة رضي الله تعالى عنهم من فعله. فهذا الحديث يخبر فيه البراء بن عازب رضي الله عنه أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يصلي بالناس صلاة العشاء، وقد قرأ في هذه الصلاة بسورة التين: ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ ﴾. قال البراء: فلم أسمع أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه عليه الصلاة والسلام. وقد جمع الله عز وجل له ولإخوانه الأنبياء بين حسن الصوت وحسن الصورة والهيئة، كما سيأتي في أثر عن قتادة رضي الله تعالى عنه، وأنه قال: ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه، حسن الصوت. ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه، حسن الصوت. ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه، حسن الصوت. فهذا فيه هذا المعنى الذي بوب له المؤلف، وهو تحسين الصوت بالقراءة في قراءة القرآن. قال: الحديث الخامس: عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن». رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجة. قال المؤلف: ومعنى يتغن بالقرآن: يترنم به من غير إفراط في المد وإشباع الحركات حتى يتولد منه حروف، فذلك حرام. بهذا فسره جمهور العلماء. هذا معنى التغني عند جمهور العلماء: أي عدم الخروج عن قواعد القراءة، فيترنم به ويحسن صوته به من غير إفراط في المد، فلا يمد ما يمد حركتين أكثر من حركتين، أو ما يمد خمس حركات أو ست حركات أكثر من هذا الحد. هذا هو المراد بإفراط في المد، يعني زيادة. أو إشباع الحركات، فيشبع الضمة بسبب تغنيه حتى تكون واواً، فيقول: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ ﴾، الدال مضمومة يشبعها حتى يتولد منها حرف، حتى يتولد منها حرف. فهذا هو معنى قوله: وإشباع الحركات حتى يتولد منه حروف. قال: فذلك حرام، لأنه زاد في لفظ القرآن، زاد في لفظ القرآن. بهذا فسره جمهور العلماء: أي معنى التغني بالقرآن، أي الترنم به وتحسين الصوت ونحو ذلك. ثم قال المؤلف: وأما تأويل سفيان بن عيينة أن المراد من لم يستغن بالقرآن عن غيره، فقد رده الشافعي وغيره من جهة اللغة ومن جهة المعنى. يعني أن سفيان الثوري فسر: من لم يتغن، أي من لم يستغن بالقرآن، بمعنى أنه نظر إلى غير القرآن، وأخذ علمه وهديه وكذلك سلوكه من غير القرآن، من غير القرآن. هكذا فسره سفيان بن عيينة. ولكن العلماء ردوا هذا المعنى وهذا التفسير، ردوه بأمرين اثنين: من جهة اللغة، ومن جهة المعنى. وممن رد هذا القول الإمام الشافعي عليه رحمة الله. يقول الإمام الشافعي رداً على سفيان بن عيينة في قوله هذا: «لو أراد الاستغناء لقال: من لم يستغن بالقرآن، لم يقل: من لم يتغن». وفرق بين الفعلين. فإذا أراد الاستغناء لكان الفعل: يستغن، وليس يتغن، وليس يتغن. هذا معنى قوله: لو أراد الاستغناء لقال: من لم يستغن بالقرآن، لم يقل: من لم يتغن. ولكن لما قال: يتغن، علمنا أنه أراد به التزيين للصوت، علمنا أنه أراد به التزيين للصوت. وهذا يشهد له، هذا المعنى يشهد له الأحاديث المتقدمة في حث النبي عليه الصلاة والسلام على الحث بالتزيين والتحسين للصوت بالقرآن. فإذا هذا معنى قول المؤلف رحمه الله تعالى: فالتغني بالقرآن هو تحسين الصوت وتزيينه، تحسين الصوت وتزيينه، حتى يكون واضحاً مؤثراً في من يستمع، وفي من ينصت إليه، من غير إفراط، يعني من غير تكلف، من غير تكلف بإفراط في مد، أو إشباع في الحركات، أو مبالغة في الغنة. بعضهم ربما يبالغ الغنة، مقدار مدها كم حركتين، بعضهم يقول: ثم، يعني يبالغ جداً في الغنة في الميم أو النون، أو الإخفاء، أو الإقلاب، أو الإدغام، أو نحو ذلك. وهذا لا ينبغي. ينبغي للقارئ ألا يدفعه التغني إلى الخروج عن قواعد التجويد والقراءة، قواعد التجويد والقراءة. فالتمطيط والزيادة في الحروف ونحو ذلك، هذا مما ينهى عنه. ولذلك قال: من غير إفراط، يعني من غير تكلف. زين صوتك، زين صوتك، لكن من غير تكلف، ومن غير كذلك تشدد ونحو ذلك. وهذا الحديث يفسر عند أهل السنة كغيره من الأحاديث: «ليس منا»، يعني ليس هذا من هدينا، ولا من طريقتنا، عدم التغني بالقرآن. فطريقة النبي عليه الصلاة والسلام من قوله وفعله: تحسين الصوت وتزيينه عند قراءة القرآن. هذا معنى قوله: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن». قال: الحديث السادس: عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأ علي من سورة النساء». فقلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». قال: فقرأت، أي من سورة النساء، فقرأت عليه حتى انتهيت، يعني حتى وصلت إلى قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾. ف سالت عيناه. وفي رواية قال: «حسبك»، أي يكفيك. لما وصل عند هذه الآية، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «حسبك»، يعني يكفيك قراءة. قال ابن مسعود: فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان من الدمع، عليه الصلاة والسلام، تأثراً بهذا القرآن الكريم. والحديث قال: رواه أحمد والبخاري ومسلم، فهو في الصحيحين، فهو في الصحيحين. وهذا فيه أن قراءة المرء للقرآن، سواء كان بنفسه أو استماعه لغيره، لها أثر، لها أثر، لا سيما إذا كان الذي يستمع إليه حسن الصوت، حسن القراءة، يزين صوته بالقراءة ويحسن الأداء. فهذا لا شك أنه يكون له أثر في السامع، كما في هذا الحديث. النبي عليه الصلاة والسلام يطلب من ابن مسعود، وهو من القراء رضي الله تعالى عنه، وممن عرف بحسن التلاوة وحسن الصوت، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فطلب منه النبي عليه الصلاة والسلام أن يقرأ عليه من القرآن. استدل العلماء بهذا أن المرء له أن يطلب ممن يرى أنه يتأثر بقراءته، ممن هو حسن الصوت، أن يقرأ عليه القرآن، ولو في غير صلاة، ولو في غير صلاة. كنت في مكان، وعندك قارئ للقرآن في مسجد، أو في دورة علمية، أو في بيت، أو نحو ذلك، قل له: يا أخي، اقرأ علينا ما تيسر من القرآن. فهذا لا شيء فيه. واستدل العلماء بهذا الحديث حتى في مثلاً قبل المحاضرة، أو مثلاً قبل الندوة العلمية، أو نحو ذلك، يقرأ قارئ للقرآن ويسمع الحاضرين، فلا بأس بهذا. وقيد بعض العلماء: إذا لم يكن على وجه الاستمرار، حتى لا يظن أنه سنة، وأنه أمر قد فعله النبي عليه الصلاة والسلام على وجه الديمومة والاستمرار. فهذا فيه هذا المقصد: أن المرء له أن يطلب من غيره ممن هو حسن الصوت أن يقرأ عليه القرآن. وهذا فيه كذلك الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام إذ طلب من ابن مسعود أن يقرأ عليه. والآية هذه التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود، آية مؤثرة، يقول الله عز وجل لنبيه: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾، كل أمة يشهد عليهم أنبياؤهم يوم القيامة، فالله عز وجل يقول لنبيه: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾، يعني على أمتك. والآية التي بعدها: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾. آيات مؤثرة، وفيها من الوعيد ونحو ذلك. وهكذا، هذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا أصحابه، وكل من سلم قلبه وطهر، يتأثرون بالقرآن. فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾. القرآن مؤثر، إذا سلم قلب العبد وطهر من المعاصي والذنوب والران، فإنه يتأثر بالقرآن. قال الله عز وجل وهو واصفاً عباده المؤمنين الذين قد سلمت قلوبهم من المعاصي وطهرت من الذنوب: ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ﴾. يتأثرون بالقرآن، وتدمع عيونهم، وتوجل قلوبهم، وتقشعر جلودهم. قال الله عز وجل: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾. إذا قست القلوب وغشيها الران، فإنها لا تتأثر بالقرآن. ولذلك يقول عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: «لو طهرت قلوبكم لما شبعتم من كلام ربكم». ويقول العلامة ابن القيم عليه رحمة الله: «فالقلب الطاهر، لكمال نوره وحياته وتخلصه من الأدران والمعاصي، لا يشبع من القرآن، لا يشبع من القرآن، بل نعم، بل يتغذى بحقائقه ويتداوى بأدويته». هذا هو المؤمن الذي يستفيد من القرآن ويتأثر بالقرآن. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يتأثر بالقرآن، وتدمع عينه، ويخشع قلبه، وهكذا أصحابه، كما سيأتي في هذا الفصل مما ذكره المؤلف عن أبي بكر، وعن غيرهم، ابن عمر، وغيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله، في درس قادم إلى هنا، والله تعالى.