الدرس في الاستغناء بالقرآن 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع كيفية الجمع بين حديث النهي عن كتابة غير القرآن وأحاديث الإذن بالكتابة، مبيناً أن النهي كان في أول الإسلام خشية الالتباس ثم نسخ بعد تميز القرآن. وهذا هو قول جمهور العلماء كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية.
يعرض المقطع رأياً بعدم النسخ بل حمل النهي على من وثق بحفظه والإذن لمن خاف النسيان، ثم ينتقل لشرح حديث أبي موسى الأشعري في تشبيه الوحي بالغيث ومدح من فقه الدين. ويبين مفردات الحديث ودلالاته في الترغيب بالعلم.
يشبه النبي ﷺ القرآن بالغيث الذي يحيي القلوب، ويقسم القلوب إلى ثلاثة أقسام: قلب ينتفع وينفع، وقلب يحفظ ويروي، وقلب يرفض الهدى. ويحذر من حال المنافقين الذين يستمعون ولا يفقهون.
يختتم المتحدث الدرس الحالي مؤكداً أن الدرس القادم سيبدأ بالفصل الرابع، ويختم بقوله "إلى هنا والله تعالى أعلم".
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلا زلنا في فصل في ذكر النهي عن التشاغل عن القرآن بغيره من القصص والأخبار وغيرهما، إلا ما كان معيناً على فهمه. وذكر المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الفصل ستة أحاديث، وقد أخذنا منها حديثين. قال: الحديث الثالث: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن، فمن كتب عني شيئاً سوى القرآن فليمحه». رواه أحمد ومسلم. وبما أن الأحاديث الثلاثة متعلقة، أو بعضها متعلقة ببعض، إن شاء الله نأخذها جميعاً ثم نذكر ما تيسر من شرحها ووجه الشاهد منها. قال: الحديث الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب عام الفتح وذكر حرمة مكة، قام رجل يقال له أبو شاه، فقال: اكتبوا لي يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه». رواه البخاري ومسلم. الحديث الخامس: عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كتب الصدقة وما فيها من نصاب، من نصاب المواشي ومقدار الواجب فيها، ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي، فأخرجها أبو بكر رضي الله عنه من بعده. رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وهذا الحديث حديث صحيح، صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. قال العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث: لماذا قال في الجمع بين هذه الأحاديث؟ لأن الحديث الأول فيه النهي عن كتابة الحديث، حديث أبي سعيد الخدري قال: «لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن فقط، فمن كتب عني شيئاً سوى القرآن فليمحه». وأما الحديثان اللذان بعده ففيهما جواز كتابة الحديث، كما في حديث أبي شاه قال عليه الصلاة والسلام: «اكتبوا لأبي شاه»، وكما في حديث ابن عمر: كتب النبي عليه الصلاة والسلام الصدقة. إذن كيف الجمع بين حديث أبي سعيد وبين هذين الحديثين؟ قال المؤلف: قال العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى في أول الإسلام عن كتابة غير القرآن. لماذا؟ لألا يلتبس بغيره، كما دل عليه حديث أبي سعيد. ثم نسخ ذلك، والنسخ هو رفع الحكم المتقدم بحكم متأخر. قال: ثم نسخ ذلك بقوله وفعله، أي بقول النبي عليه الصلاة والسلام وفعله. أما قوله فهو حديث أبي شاه: قال: «اكتبوا لأبي شاه»، هذا من قوله. وأما من فعله فهو حديث ابن عمر، فقد كتب الصدقة عليه الصلاة والسلام وما فيها، وما فيها أي: جعل من كتابه من يكتب ذلك عنه. قال: ثم نسخ ذلك بقوله وفعله صلى الله عليه وسلم لما تميز القرآن عن غيره واشتهر وكثر حفاظه، كما دل عليه حديث أبي هريرة وابن عمر. فلا تعارض بين الأحاديث، فلا تعارض بين الأحاديث. وهذا كما قال شيخ الإسلام: القول بنسخ حديث أبي سعيد هو عند جمهور العلماء، عند جمهور العلماء أن حديث أبي سعيد حديث منسوخ، وهو النهي عن الكتابة في أول الإسلام. لماذا؟ كما علل المؤلف هاهنا: لألا يلتبس بغيره. ولما تميز القرآن عن غيره واشتهر وكثر حفاظه، أجاز عليه الصلاة والسلام ذلك لرفع الالتباس. ما يوجد هنا الآن التباس لأن الحفاظ تكثروا ويستطيعون التمييز بين القرآن والحديث، بين القرآن والحديث. فما هو وجه الشاهد من حديث أبي سعيد في هذا الفصل في ذكر النهي عن الاشتغال بالقرآن، الاشتغال عن القرآن بغيره؟ ما هو وجه الشاهد؟ وجه الشاهد أنه في أول الأمر نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن كتابة الحديث، عن كتابة الحديث، حفظاً للقرآن، حفظاً للقرآن. فلم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه أن يشتغلوا بكتابة الحديث عن القرآن، عن القرآن. وكما ذكرنا أن القول بالنسخ هو قول جمهور العلماء، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. وأما بعض أهل العلم فذهب إلى عدم النسخ، وأن حديث أبي سعيد حديث ثابت، لكنه وجهه. وجه حديث أبي سعيد: فماذا قال من أخذ بحديث أبي سعيد؟ قال: النهي هنا نهي تنزيه وليس نهي تحريم، وهذا في حق من وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة. النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر نهى عن كتابة الحديث، طيب، لمن وثق من حفظه أنه يستطيع أن يحفظ الحديث، يستطيع أن يحفظ الحديث. وإذا كتب الحديث ربما يتكل على الكتابة فلا يعتني بحفظ الحديث. أما من لم يثق بحفظه وربما يلتبس عليه بغير القرآن، فهنا أجاز له كتابة الحديث، أجاز له كتابة الحديث، كما في حديث أبي شاه، لأنه هو الذي طلب الكتابة، كتابة هذه الخطبة، هو الذي أمر بكتابتها لأنه لم يتقن حفظها. وهذا أيضاً فيه شاهد للباب أو للفصل الذي ذكره المؤلف، وهو ماذا؟ أن من يستطيع حفظ الحديث فلا يشتغل عن القرآن بكتابته، لا يشتغل عن القرآن بكتابة الحديث، بل يجعل جل وقته وكتابته في كتابة القرآن، في كتابة القرآن. هذا القول الثاني ممن ذهب إلى عدم النسخ، وهو قول وجيه حتى يعمل بالحديثين جميعاً: بحديث النهي وحديث الجواز، جواز الكتابة. فيحمل حديث النهي كما تقدم أن النهي خاص بمن وثق من حفظه وخيف أن إن كتب أن لا يحفظ الحديث، فيتكل على الحفظ، كما وجه ذلك جماعة من أهل العلم ومنهم الإمام النووي عليه رحمة الله، عليه رحمة الله. وهكذا في الحديث الثاني: جواز الكتابة: «اكتبوا لأبي شاه». وهذا إنما ذكره حتى يبين نسخ الحديث المتقدم، حديث أبي سعيد، وإلا فالشاهد من إيراد هذه الأحاديث الثلاثة هو الحديث الأول، هو الحديث الأول، حديث أبي سعيد. ولكن ما الذي جعل المؤلف يثني ويثلث بالحديثين؟ حتى يبين أن حديث أبي سعيد حديث منسوخ، فلا يقال: كيف نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكتابة وقد وردت أحاديث أخرى فيها جواز الكتابة؟ فيكون الجمع إما أنه منسوخ، أو أنه يوجه بأن النهي نهي تنزيه، نهي تنزيه. هذا هو وجه الشاهد من إيراد هذا الحديث، فلا تعارض بين الأحاديث. وكما سيأتي أن السنة لا تعارض القرآن، وهكذا السنة لا تعارض السنة، وإنما يمكن أن يجمع بينهما بأحد أوجه الجمع. ثم ذكر الحديث الأخير وهو الحديث السادس، فقال: الحديث السادس: عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها ناساً فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». رواه أحمد والبخاري ومسلم. قال المؤلف: والكلأ محركاً مقصوراً، الكلأ بهمزة في آخره وتحريك الكاف واللام، الكلأ: المرعى رطباً ويابساً، يقال له الكلأ. والعشب: الرطب منه فقط، يقال له عشب. وأما الأجادب: بالجيم والدال، فهي الأرض الصلبة. وأما فقه: قال بضم القاف وكسرها وفتحها. ثم قال: يعني قوله بضم الكاف وكسرها وفتحها، يعني ثلاث لغات: فُقها، وفِقها، وفَقها، بالحركات الثلاث على القاف. ثم قال المؤلف بعد ذكره لهذا الحديث: وفي الحديث المدح والثناء لمن فقه في الدين، وذلك بفهم كتاب الله وتدبر معانيه، والذم لمن أعرض عن ذلك. وقد قال الله تعالى فيمن لم يتذكر كلامه وكلام رسوله: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: 16]، أي: قبل الآن، أي: قبل قليل. أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم. ذكر المؤلف رحمه الله حديث أبي موسى الأشعري، وفيه يعني: في هذا الحديث تشبيه العلم بالغيث، تشبيه العلم بالغيث. وأصل العلم ما هو أصل العلم؟ القرآن، أصل العلم القرآن. فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث شبه القرآن، شبه العلم بالغيث. وهذا جاء نحوه في القرآن، أن الله عز وجل شبه الوحي والعلم والقرآن بالغيث. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: 16-17]. فكما أن الله عز وجل يحيي الأرض بعد موتها بالماء، كذلك الله عز وجل يحيي القلوب بعد موتها بالوحي، يحيي القلوب بعد موتها بالوحي. فشبه ربنا عز وجل العلم بالغيث. ثم بين النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث حال الأرض وأقسام الأرض عند نزول الغيث عليها، عند نزول الغيث، وأنها ثلاثة أقسام، وأنها ثلاثة أقسام. القسم الأول: يقبل هذا الغيث، فهي أرض خصبة قابلة للزرع، فتنبت، أو تنبت، أو تنبت الكلأ والعشب الكثير، فينتفع الناس بهذا الكلأ والعشب في مواشيهم ونحو ذلك. وهكذا الأرض الثانية: الأرض التي تمسك الماء، لا يخر منها الماء، ولا كذلك تنبت، لا هي أرض زراعية، ولا هي أرض... ماذا يعني؟ لا تمسك الماء، يخر منها الماء، وإنما هي أرض صلبة فتمسك الماء، فيبقى هذا الماء في هذه الأرض، فيأتي الناس ويأخذون هذا الماء وينتفعون به. وأما القسم الثالث: فهي الأرض التي لا تمسك الماء، التي لا تمسك الماء، يخر منها الماء، وهي ليست بأرض زراعية، لا تنبت كلأ ولا عشب ولا شيء. فالقسمان الأول والثاني سعيدان، وأما القسم الثالث فهو شقي هالك. وهكذا القلوب عند تلقي الوحي، عند تلقي الوحي، فهي على ثلاثة أقسام. فمنها من ينتفع بهذا الوحي وهذا العلم، فيهذب نفسه ويزكي قلبه. وهكذا يمسك هذا العلم، فيأتي غيره ويأخذ هذا العلم منه، ويتلقى هذا العلم منه. فهذان القسمان مما مدح الله عز وجل، مما مدح النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث. وبعض القلوب لا تنتفع بهذا الوحي، ولا تشتغل به، ولا تبحث عن معانيه، ولا كذلك تحفظ منه شيئاً، فهي مثل الأرض التي لا تقبل الماء، ولا تمسك الماء، ولا تنبت الكلأ ولا العشب. هذا هو معنى هذا الحديث، هذا هو معنى هذا الحديث. ووجه الشاهد من إيراد هذا الحديث: أن السعيد من اشتغل بهذا القرآن عن غيره، فحفظه وانتفع به وعلمه غيره، وعلمه غيره، فهذا الذي يمدح، وهذا الذي يسعد في دينه ودنياه. وأما من لم يقبل هدى الله، ويشتغل بغيره من الملاهي، أو من كذلك المشاغل، أو نحو ذلك، فهو المذموم الخاسر، فهو المذموم الخاسر. فهذا الحديث كما ذكر المؤلف هاهنا فيه المدح والثناء لمن فقه في الدين، وأقبل على هذا الكتاب، كتاب الله سبحانه وتعالى، وفيه الذم لمن أعرض عن ذلك. ثم ذكر هذه الآية، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾، وهؤلاء هم المنافقون، هم المنافقون الذين لا ينتفعون بالقرآن، يستمعون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ويحضرون مجلسه، ولا ينتفعون ولا يستفيدون. ولذلك قال عنهم ربنا عز وجل في هذه الآية: ﴿حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ﴾، هؤلاء المنافقون، ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾، ماذا قال قبل قليل؟ ما فقهنا شيئاً، ما علمنا شيئاً، لأن قلوبهم غير قابلة للحق، وغير كذلك مؤمنة بما أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام، فهم لا يفقهون منه شيئاً. ولذلك يقولون للذين أوتوا العلم، لأهل الإيمان، لمن فقه في دين الله، وتعلم هذا القرآن، وتدبر معانيه: ماذا قال آنفاً؟ أي: شيئاً يقول محمد قبل قليل. وهم كانوا مع الذين أوتوا العلم في نفس المجلس، ومع هذا لا ينتفعون بهذا القرآن. فلذلك قال الله عز وجل عنهم: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: 16]. فنتعوذ بالله عز وجل من حال أولئك. فهذا الحديث فيه حث، وفيه ترغيب للاشتغال بالقرآن، أن نشتغل بالقرآن، وأن نقبل عليه، وأن نقرأه ونتدبر معانيه. هذا ما أراده المؤلف في هذا الفصل، ويكون بهذا قد انتهينا من هذا الفصل، وهو الفصل الثالث. وإن شاء الله في الدرس القادم نشرع في الفصل الرابع بإذن الله. إلى هنا والله تعالى أعلم.