الدرس في الاستغناء بالقرآن 17، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع فضل تحسين الصوت بالقرآن وضوابطه الشرعية مؤكداً أنه مطلوب للتدبر والخشوع لا للتكلف، وينقل عن ابن كثير التنزيه عن النغمات الملهية. كما يستعرض حديث أبي هريرة في استماع الله الخاص للمحسن التلاوة تشريفاً لأهل الخشوع.
يستعرض المقطع فضيلة تحسين الصوت والترنم بالقرآن مستدلاً بحديث «زينوا القرآن بأصواتكم» مبيناً أن المراد تجويد القراءة والخشوع. ويقرر العلماء أن هذا الأمر للاستحباب لا للوجوب مميزاً بين أهل الإيمان وأهل الفسوق.
يفسر المقطع حديث تزيين القرآن بأصواتكم بأنه تحسين القراءة بمراعاة التجويد دون تمطيط، ويذكر حب النبي ﷺ سماع القرآن بحسن الصوت. ثم ينتقل لتنبيهات حول ضوابط الاعتكاف كاشتراط سن الخامسة عشرة والتسجيل وحفظ الممتلكات.
يختتم المتحدث الجلسة بالدعاء بالتوفيق فيما يحبه الله ويرضاه وطلب قبول الأعمال الصالحة من الجميع. مختتماً الجلسة بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب "الاستغناء بالقرآن": كان الفصل الثامن خُصّ في ذكر تحسين الصوت بالقرآن، وتأثير القرآن في قلب من أصغى إليه بقلب سليم. فقوله: "تحسين الصوت بالقرآن"، هذا متفق على الترغيب فيه، لكن بدون تكلف، وبدون خروج عن قواعد وأصول القراءة. والمراد بهذا التحسين هو المعونة لنفسه ولمن يسمع منه على التدبر بالقرآن والتأثر بآياته وهداياته، فلا يخرج هذا التحسين بالصوت إلى التكلف الممدود. وهناك كلام في هذا الباب قيم للحافظ ابن كثير عليه رحمة الله، حيث يقول: "والغرض المطلوب شرعاً إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبره وتفهمه، والخشوع والخضوع والانقياد والطاعة. وأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقوانين الموسيقية، فالقرآن ينزه عن هذا، ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب". فإذن المراد بتحسين الصوت بالقرآن، وكذلك ما سيأتي في الأحاديث، هو هذا: أن يكون الغرض من هذا التحسين والتزين للصوت الخشوع والتدبر والتأثر بآيات القرآن. وقد جمع المؤلف رحمه الله في هذا الفصل بين تحسين الصوت بالقرآن وما يترتب من التأثير في الإصغاء إليه، ولذلك قال: "وتأثير القرآن في قلب من أصغى إليه بقلب سليم". وقوله: "بقلب سليم" يعني قلباً طاهراً من المعاصي التي تحول بينه وبين التأثر والانتفاع بالقرآن. فالذي يتأثر بالقرآن هو القلب السليم الخاشع المتدبر لآيات الله سبحانه وتعالى. وهذا فيه تنبيه من المؤلف رحمه الله أن تحسين الصوت بالقرآن يساعد على التأثر به، وهذا أمر مشاهد ومحسوس وملموس؛ فإن الشخص إذا سمع القرآن من صوت حسن وتلاوة طيبة فإنه يتأثر، وينعكس ذلك في خشوعه وكذلك انتباهه وحضور قلبه مع هذه التلاوة. فإذا هذا هو المراد بتحسين الصوت بالقرآن. قال المؤلف رحمه الله: "وفيه عشرة أحاديث". ذكر تحت هذا الباب عشرة أحاديث. قال: الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أذن الله لشيء» أي: استمع «كأذنه لرجل حسن الترنم بالقرآن». رواه أحمد والبخاري ومسلم. ولفظ البخاري: «ما أذن الله لشيء كأذنه لرجل حسن التغني بالقرآن». ليس "الترنم" وإنما "التغني بالقرآن"، هذا هو لفظ البخاري ومسلم. ومعنى هذا الحديث: أي أن النبي عليه الصلاة والسلام يحث على تحسين الصوت بالقرآن، فقال: «ما أذن الله لشيء» أي: ما استمع الله لشيء كاستماعه لرجل حسن التغني بالقرآن. طيب، قد يقول قائل: الله سبحانه وتعالى يسمع أصوات العباد كلهم، يسمع أصوات العباد كلهم، المؤمن والكافر والبر والفاجر، وكما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث المجادلة: «سبحان الذي وسع سمعه الأصوات»، فهو سبحانه وتعالى يسمع أصوات جميع خلقه. فكيف في هذا الحديث ذكر استماعه لمن يتغنى بالقرآن ويحسن صوته به؟ الجواب على هذا: أن هذا الاستماع استماع خاص فيه تشريف وتكريم وتعلية لقدر هؤلاء، وهذا نظيره كثير في القرآن. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]، فالله عز وجل مع جميع خلقه بالإحاطة والمراقبة والعلم، لكن معيته مع عباده المؤمنين معية خاصة فيها من التأييد والنصرة ونحو ذلك. وهكذا غيرها من تلك الآيات. وهكذا في هذا الحديث: قوله عليه الصلاة والسلام: «ما أذن الله لشيء» أي: استمع استماعاً خاصاً لمن يحسن صوته بالقرآن. فالتغني بالقرآن في هذا الحديث يفسر بما سبق، يفسر بما سبق: المراد به تحسين الصوت بالقرآن، تحسين الصوت بالقرآن. هكذا أجاب العلماء رحمهم الله تعالى. طيب، قد يقول قائل: طيب، فلان من الناس صوته ليس بحسن، فكيف يحسن صوته بالقرآن؟ سئل عن ذلك ابن أبي مليكة فقال: إذا لم يكن حسن الصوت بالقرآن يحسن ما استطاع، يحسن ما استطاع. ولو لم يكن صوته حسناً لكن يحاول أن يحسن صوته بالقرآن، ويتلو القرآن بخشوع وتدبر، وأكمل وأجمل ما يملك من صوت. هذا هو المراد، والله تعالى أعلم. ففيه موافقة ومطابقة لترجمة المؤلف، ففيه الحث على تحسين الصوت بالقرآن. قال: الحديث الثاني: عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الله تعالى أشد آذناً» أي: استماعاً «إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته». رواه أحمد. والقينة: المغنية. وهذا الحديث حديث ضعيف لا يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ضعفه العلامة الألباني في "الضعيفة"، ويغني عنه الحديث المتقدم الذي هو في الصحيحين، يغني عن هذا. والزيادة التي في آخره كذلك لم تصح، ولم يرد لها شاهد، وإن كان معناها تدل عليه عمومات. فلا شك أن القرآن هو ما يتغنى به أهل الإيمان، وأما أهل الفسوق وأهل الفجور فهم يؤثرون الألحان الموسيقية والأغاني والطبول ونحو ذلك على التلذذ بقراءة القرآن وبالإقبال على القرآن. وكما قال ابن القيم عليه رحمة الله: «حب الكتاب وحب ألحان الغناء في قلب عبد ليس يجتمعان». فهنيئاً لأهل الإيمان الذين استغنوا بكتاب الله في الترنم والتغنّي بهذا، والتغني بهذا الكتاب، وما فيه من راحة القلب، ومن خشوع الجوارح، ومن كذلك الانتفاع بهدايات هذا الكتاب العظيم. قال: الحديث الثالث: عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زينوا أصواتكم بالقرآن». وفي رواية: «حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً». رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة. وهذا الحديث: نبه العلامة الألباني أن اللفظ الصحيح له: «زينوا القرآن بأصواتكم»، هذا هو اللفظ الصحيح. وأما «زينوا أصواتكم بالقرآن» فقد حكم عليها العلامة الألباني بالقلب والنكارة، أنها لفظة منكرة ومغلوبة، والصواب: «زينوا القرآن بأصواتكم». وصحح هذا في "السلسلة الصحيحة" وكذلك في "الجامع الصحيح" برقم ٤٥٣١. فالحديث صحيح بلفظ: «زينوا القرآن بأصواتكم». والرواية الثانية أيضاً: «حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً». وهذا الحديث كذلك فيه حث بل أمر من النبي عليه الصلاة والسلام بتحسين الصوت بالقراءة، وحمل العلماء هذا الأمر على الاستحباب؛ لأن فيه كمال القراءة، كمال القراءة والانتفاع بالقرآن، وليس هو بأمر واجب بمعنى: من لم يحسن صوته بالقرآن يأثم، لا. وإنما يحمل على الإرشاد والحث، الإرشاد والحث. فقوله عليه الصلاة والسلام: «زينوا القرآن بأصواتكم» أي: حاولوا أن تفعلوا ذلك قدر المستطاع، قدر المستطاع. وتزيين القراءة بالقرآن معناه ما تقدم: هو تحسينها من غير تمطيط، ولا خروج عن قواعد القراءة، عن قواعد القراءة. فلا زيادة في المد، ولا زيادة في غنة، ولا كذلك شيء من ذلك، وإنما هو تحسين مع مراعاة قواعد القراءة، مع مراعاة قواعد القراءة. هذا هو معنى: «حسنوا القرآن بأصواتكم». وأما قوله: «فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً» أي: في آذان سامعيه، في آذان سامعيه. الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً، وذلك بالمتابعة للقارئ والتدبر والتفهم. فهذا هو المراد بقوله: «فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً». ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يحب أن يسمع القرآن من حسن الصوت، كما سيأتي طلبه عليه الصلاة والسلام من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه القرآن. وهكذا استماعه لأبي موسى الأشعري وهو يقرأ في صلاة الليل، فلما أصبح قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي موسى: «لو علمت أنني...» قال له: «إني البارحة استمعت إليك وأنت تقرأ القرآن». فقال له أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: «لو علمت أنك تستمع إلي لحبرته لك تحبيراً»، أي: لزينت لك القراءة تزييناً أكثر مما كنت أقرأ. وهذا يحمل على الحث، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب ذلك، كان يحب تحسين الصوت بالقرآن. فهذا هو معنى هذا الحديث. إن شاء الله نكمل بقية الأحاديث في درس قادم. ونحب هنا أن ننبه بعض التنبيهات فيما يتعلق بالاعتكاف: كل سنة هذا المسجد يفتح أبوابه لكل من أحب أن يتقرب إلى الله عز وجل في هذه العشر ويعتكف بالاعتكاف، والحمد لله الأمور هنا مهيأة من وجود المأكل والمشرب ونحو ذلك. ولكن من أجل أن يضبط هذا الاعتكاف، فقد وضع إخوانكم القائمون على هذا الأمر شروطاً وآداباً حتى لا يخرج الاعتكاف عن مقصوده، حتى لا يخرج الاعتكاف عن مقصوده. فمن ذلك: مسألة السن، حتى لا تحدث فوضى ولعب للأطفال، وأخذ بعض الممتلكات ونحو ذلك، فقد حدد إخوانكم في سن المعتكف أن يكون خمسة عشر سنة فما فوق. وأما أقل من هذا السن فخير له أن يبقى في البيت أو يتردد على هذا المسجد دون المكوث والاستمرار في المسجد. لماذا؟ لأن تحصل خوضاً، وكذلك بعض الأشياء. فرأى إخوانكم أن يتقيد بهذا الشرط، أن يتقيد بهذا الشرط. ثم أيضاً: على المعتكف أن يعرف بنفسه عند القائمين على الاعتكاف، مثل: أقين، أيمن، ونحوهم. يعرف عن نفسه: من أين هو؟ وهل يريد أن يعتكف كل العشر أو بعضها؟ من أجل أن يعرفه الإخوة، من أجل أن يعرفه الإخوة. وكذلك ننبه أيضاً: من عنده أشياء ثمينة أن لا يبقيها في... يعني في معتكفه، وإنما يعطيها أصحاب الأمانات ويحفظونها له، ويسأل عنها إن شاء الله يحفظونها له. وأيضاً: من عنده جوال يحرص أن يلازم جواله، ولا يجعله في مكان ويذهب منه. فإن هذا المسجد في مدينة يدخل فيها من هب ودب، يدخل في هذا المسجد من هب ودب، فوقعت في بعض السنوات مثل هذا: أن تأخذ بعض الجوالات أو نحو ذلك. فينتبه لهذا، الإنسان يحرص على ممتلكاته، وينبه المعتكفون على ذلك. وفقني الله وإياكم بما يحب ويرضى، ونسأل الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. إلى هنا والحمد لله رب العالمين.