الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 145، ألقاها
شرح حديث البراء بن عازب حول الوضوء من لحوم الإبل وعدم الصلاة في مبارك الإبل. واستدلال الإمام أحمد بوجوب الوضوء من لحوم الإبل.
استدل الأئمة بعدم وجوب الوضوء من لحم الإبل بحديث جابر الذي يفيد بأن النبي ترك الوضوء مما مست النار. بينما يعتبر حديث الوضوء من لحم الإبل خاصًا.
نهى النبي عن الصلاة في مبارك الإبل لأنها من الشياطين، بينما أجاز الصلاة في مرابض الغنم لأنها بركة. واستدل بذلك على طهارة أرواث الحيوانات التي تؤكل لحومها.
يدخل شرب مرق الإبل في حكم الوضوء بعد أكل لحم الإبل، بينما لا يجب الوضوء بعد شرب مرق الغنم. هذا الحكم مستمد من نفس الحكم الخاص بأكل لحم الإبل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وهو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن المغيرة بن أبي شيبة العبسي الكوفي، حافظ محدث أهل الكوفة، وأخوه أبو بكر أحفظ منه وأعلم منه بالحديث، قال: حدثنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير، صاحب الأعمش، قال: حدثنا الأعمش، وهو سليمان بن مهران الكوفي، أبو محمد الحافظ المقرئ، كانت له قراءة يقرأ على قراءته الكوفة، لكن في بعض أحرفه ما ذكر العلماء أنها شاذة، قال: عن عبد الله بن عبد الله الرازي، وهو ثقة، قد وثقه الإمام أحمد وغيره، كما ذكر الشيخ، قال: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن أبي ليلى صاحب علي بن أبي طالب، وطوفي ثقة، ابنه محمد بن عبد الرحمن الفقيه، وهو ضعيف في الحديث، لكنه فقيه من فقهاء الكوفة، وعما أبوه فهو من علماء الحديث من التابعين، وكان ملازمًا لعلي بن أبي طالب، قال: عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «توضأوا منها»، وسئل عن لحوم الغنم، فقال: «لا توضأوا منها»، وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، فقال: «لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين»، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: «صلوا فيها؛ فإنها بركة». قال الشيخ: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، إلا عبد الله بن عبد الله الرازي، وقد وثقه الإمام أحمد وغيره، كما في تهذيب التهذيب. قالوا: الحديث أخرجه الإمام الترمذي وابن ماجه. فهذا الحديث فيه عدة مسائل، وقد جاء نحوه في مسلم من حديث جابر بن سمرة. فمما في هذا الحديث الوضوء من لحوم الإبل، ففي هذا الحديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ منها «توضأوا منها»، وهذا الأمر يدل على الوجوب، أن من أكل لحم إبل فإنه يجب عليه أن يتوضأ، وهذا قول الإمام أحمد رحمه الله، وهي من مفردات مذهب أحمد، مفردات، ومعنى مفردات التي تفرد بها عن الأئمة الثلاثة، فهناك في كل مذهب يسمى مفردات، ومفردات هذه التي خالف فيها أصحاب المذاهب الأخرى أن انفرد بهذا القول، فالإمام أحمد رحمه الله انفرد بهذا القول عن الأئمة الثلاثة، الأربعة هو رابعهم، انفرد بهذا القول بأن من أكل لحم إبل فإنه يجب عليه أن يتوضأ. وأما الأئمة الآخرون استدلوا بعدم الوضوء من لحم الإبل بحديث جابر الذي أخرجه أبو داود وغيره، أنه قال عليه الصلاة والسلام -أو قال جابر-: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار»، كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، فعمموا هذا الحديث في كل ما مست النار من لحوم وغيرها، ويدخل فيه لحم الإبل، لكن هذا الحديث الصحيح فيه أنه ظاهر أنه قلب على بعض الرواة، أن بعض الرواة رواه بالمعنى، والظاهر أنه شريك النخعي رواه بالمعنى، وهذا الحديث أصله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل لحم غنم، ثم لم يتوضأ، ثم لم يتوضأ، صلى ولم يتوضأ، فهذا أصله هذا الحديث. أما قوله «آخر الأمرين من رسول الله» فهذا إما روي بالمعنى، والمعنى ليس صحيحًا، وإن صح هذا اللفظ أيضًا ليس فيه دليل على عدم الوجوب، أو على القول بعدم وجوب الوضوء من لحوم الإبل، أو من أكل لحم إبل؛ لماذا؟ لأن هذا حديث عام، وهذا حديث خاص، هذا حديث خاص في الوضوء من لحم الإبل، فيحمل ذلك الحديث على لحم الغنم، ولحم البقر، ولحم الدجاج، وغيرها من اللحوم إذا أكلها الإنسان لا يتوضأ، لكن إذا أكل لحم إبل فإنه يتوضأ، يتوضأ إذا أكل لحم إبل وأراد أن يصلي، فيعتبر أكل لحم الإبل من نواقض الوضوء، يعتبر من نواقض الوضوء التي تبطل الوضوء، إذا كان عنده وضوء ثم أكل لحم إبل فإنه يجب عليه أن يتوضأ مرة أخرى. قال: وسئل عن لحم الغنم، فقال: «لا توضأوا منها»، وهذا أيضًا يدل على أن الحديث «توضأ مما مست النار» إما يقال: إنه منسوخ، وإما يقال: إنه أراد الاستحباب، استحباب الوضوء مما مست النار، وإلا فقد جاءت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يتوضأ عندما أكل لحمًا، شاه، في صحيح البخاري في حديث عمر بن أبي سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء له بخبز ولحم، قال: فكان يهز باللحم -يهز اللحم بالسكين- معناه يقطع اللحم بالسكين، قال: فوقت الصلاة، فترك النبي صلى الله عليه وسلم اللحم والسكين والخبز، وقام إلى الصلاة، فهنا لم يذكر أنه توضأ، لم يذكر أنه توضأ، لكن قام إلى الصلاة. وأيضًا حديث جابر الذي ذكرناه، حديث ابن عباس وغيرهم من الصحابة أنهم ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يتوضأ من لحوم الغنم إذا أكل لحم غنم. وأيضًا هذا الحديث فيه «لا توضأوا منها» لا توضأوا منها، أي: من لحوم الغنم، وهذا أيضًا مسألة أخرى. قال: وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل، أو في مبارك الغنم -انتهينا مسألة الوضوء من لحم الإبل- لكن هنا مسألة أخرى، وهي مسألة الصلاة في مبارك الإبل، مبارك الإبل، أي: الأماكن التي تبرك فيها، أن تجلس فيها، يكون حضيرة الإبل التي تبات فيها، أو المكان الذي تبات فيه، أو مكان معروف يكون يجتمع فيه الإبل في ذلك المكان، فيسمى مبارك الإبل، فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة في مبارك الإبل، فقال: «لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين»، وجاء في لفظ آخر: «فإنها خلقت من الشياطين»، أن الظاهر أنها تنفر بسرعة، فلهذا لا ينبغي للإنسان أن يصلي في مبارك الإبل. لكن هل المراد أن الصلاة هنا -صلاة في مبارك الإبل- هل المراد أنه يصلي في مبارك الإبل مع وجودها، أو حتى مع عدم وجودها؟ فظاهر الحديث أنه لا يصلي فيها ولو لم توجد إبل، بمجرد ما يكون هذا مبارك الإبل لا يصلي فيه، فهذا هو المتبادر للمعنى؛ لأن المكان هو الذي يسمى مبارك الإبل، ولا يشترط أن يكون الإبل موجودًا فيه. قال: وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: «صلوا فيها؛ فإنها بركة»، وهنا مرابض، وهناك مبارك؛ لأن الإبل تبرك، بخلاف الشاة، فالشاة تربط، لكن الإبل تبرك ثم تجلس، وعند الغنم فهي تربط، سرعة تجلس، وغالبًا تجلس على شق، فيسمى ربطًا، فلهذا سميت مرابض الغنم. فقال عليه الصلاة والسلام: «صلوا فيها؛ فإنها بركة»، وهل هذا أمر بالصلاة؟ لا، ليس المراد أنه أمر بالصلاة، وإنما فقط جواز الصلاة فيها، جواز الصلاة فيها، وإلا الصلاة تكون في المساجد، لكن إن وجد الإنسان مكانًا، أو لم يجد مكانًا إلا مرابض الغنم، فيصلي فيها، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم -وقبل أن يبنى المسجد- يصلي في مرابض الغنم، قبل أن يبنى المسجد يصلي في مرابض الغنم؛ لأن المدينة أكثرهم أهل مواشي وأهل زروع، فتكثر المواشي وتكثر مرابضهم، فلعل النبي صلى الله عليه وسلم ما وجد مكانًا يصلي فيه إلا مرابض الغنم، فكان يصلي فيها عليه الصلاة والسلام قبل أن يبني المسجد. ففيه جواز أن يصلى في مرابض الغنم، وكذلك يتبع هذا: فيه أن أرواث هذه الحيوانات ليست بنجسة، أرواث ما يؤكل -الأغنام- وما يكون تابعًا لها من الجواميس وغيرها، والبقر تكون ليست نجسة، وكذلك حتى الإبل لم يأت دليل على نجاستها، فلهذا يصلي فيها في تلك المرابض التي غالبها يكون فيها بعر، التي يكون فيها غالبًا البعر، فدل على أنه ليس بنجس. كذلك أيضًا هنا من المسائل التي تذكر تبعًا: أن هنا قال: سئل عن لحوم الإبل، قال: «توضأوا منها»، وهل يدخل في ذلك الشحم؟ نعم، الشحم يدخل في ذلك، وهل يدخل في ذلك المرق؟ أيضًا يدخل في ذلك؛ لأنه من نفس اللحم، نفس اللحم والشحم، فلهذا يدخل المرق أيضًا، إذا شرب الإنسان مرق إبل فإنه يتوضأ، وإذا شرب مرق غنم فإنه لا يجب عليه أن يتوضأ. هذا ما يذكر من هذه المسائل في هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.