التبيان في آداب حملة القرآن 18

الدرس في التبيان في آداب حملة القرآن 18، ألقاها

أهمية تعليم القرآن وفضله

تعليم القرآن يعتبر فرض كفاية، وهو عبادة جليلة تحتاج لمن يتأهل لها. يُظهر فضل العلماء والمعلمين على الأمة.

تفاصيل فرض الكفاية في تعليم الناس

فرض الكفاية يسقط بقيام البعض به، لكن يصبح فرض عين على الأفراد إذا كانوا الوحيدين القادرين عليه. يُوضح مسؤولية المعلمين وتبعات الامتناع.

حكم الامتناع عن تعليم الناس وآثاره

الامتناع عن تعليم الناس عند القدرة يُعتبر مكروهًا لتركه بابًا من أبواب الخير، إلا إذا كان هناك عذر شرعي.

ختام الدرس بالصلاة على النبي

الدرس يُختتم بالصلاة والسلام على نبي الله محمد وآله وصحابته، مع التأكيد على علو الله تعالى. يُظهر الأدب الإسلامي في التعامل مع الله ورسوله.

  • 29 جمادى الأولى 1435هـ - 30/03/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن: قال فصل في حكم التعليم. قال: تعليم المتعلمين فرض كفاية. وفرض الكفاية كما يقول العلماء: ينظر فيها الشارع إلى العمل، لذا يعرفه العلماء رحمهم الله تعالى بقولهم: بأنه إذا قام به البعض سقط عن الآخرين. إذا قام بذلك العمل البعض الذي يقومون به وتحصل بهم الكفاية سقط عن الآخرين. ولهذا سمي فرض كفاية، بمعنى أنه إذا قام به البعض الذي تحصل بهم الكفاية سقط ذلك الواجب على الآخرين. بخلاف الواجب العيني، فإن النظر فيه إلى أعيان المكلفين، فمخاطب فيها كل إنسان بأن يعمل ذلك العمل. بخلاف فرض الكفايات، فإن النظر فيها إلى القيام بذلك العمل. فتعليم المسلمين وتعليم أبناء المسلمين من هذا الباب، النظر فيه إلى من يقوم بهذا العمل. فإذا قام به من تحصل بهم الكفاية سقط هذا الواجب عن الآخرين. ومنه يعلم أولًا أن تعليم العلم وإبلاغ العلم عبادة جليلة، وهي من الواجبات الكفائية. وهي من الواجبات الكفائية التي يجب على الأمة أن يقوم بهذا الواجب. فإن تركوا القيام بهذا الواجب أثموا جميعًا. وإن قام به البعض الذين لا تحصل بهم الكفاية سقط الحرج عن أولئك الذين قاموا بما أوجب الله جل وعلا عليهم، وبقي الخطاب وبقي الإثم على من لم يقم بذلك مع قدرته على ذلك. فهو من هذا الباب من فروض الكفايات. ومنه كذلك يُعلم أن تعليم العلم كما أنه عبادة جليلة وعبادة عظيمة يحتاج إلى من يقوم به ممن يتأهل لذلك. لأن المقصود بفرض الكفاية كما تقدم: أن يقوم به أي بذلك العمل من تحصل بهم الكفاية، ومن تحصل بهم الكفاية من يُحسنون ذلك العمل. فإذًا لابد للطالب أولًا أن يجد ويجتهد في التحصيل. فإذا فتح الله جل وعلا عليه من العلم، وصار عنده من العلم قدرة ما به يستطيع أن يعلم وأن يبلغ ذلك العلم الذي تعلمه وأتقنه، فإن هذا يدخل في الخطاب، يدخل في خطاب هذا في فروض الكفاية. ومنه كذلك يُعلم فضل العلماء وفضل المعلمين على سائر الأمة، إذ أنهم يُسقطون عن الأمة واجبًا. لولا أنهم قاموا بهذا الواجب لأثمت الأمة أجمع. فهذا فيه فضيلة لمعلمي الناس الخير، فيه فضل العلماء وفضل من يُعلم الناس، إذ أنهم أسقطوا على الأمة فرضًا من الفرائض الكفائية. قال رحمه الله تعالى: «تعليم المتعلمين فرض كفاية، فإن لم يكن من يصلح له إلا واحدًا تعين عليه». يعني مثلًا كان في القرية، كان في المدينة، كان في البلدة ما هناك معلم إلا واحد، ما كان في البلدة إلا معلم واحد، فإن تبليغ العلم على هذا المعلم يكون من فروض الأعيان، يكون من فروض الأعيان. لماذا؟ لأنه لا يستطيع أحد أن يقوم بهذا الفرض سواه، فيكون الواجب في حق هذا المعلم أي تعليم الناس من فروض الأعيان. فيختص الحكم ويرتقي الحكم من فروض الكفايات إلى فرض الأعيان في حق من تحتم عليه تعليم المسلمين. كذلك لو كان في البلدة جماعة من المعلمين، لكن مثلًا هذا متخصص في الفقه، آخر متخصص في الحديث، آخر متخصص مثلًا في العقيدة والتوحيد. فكل متخصص إذا لم يجد في البلد سواه ممن يحسن ذلك الفن، فإن تعليم ذلك الفن للأمة وللمتعلمين عليه يكون كذلك من فروض الأعيان. لماذا؟ لأنه ليس أحد يحسن ذلك إلا هو. قال: «فإن كان هناك جماعة يحصل التعليم ببعضهم، فامتنع كلهم آثمون». قرية أو بلدة فيها جماعة من المعلمين، لكن كلهم لا يعلمون الناس، لا لأنهم لا يستطيعون، لا لأنهم يمنعون من ذلك التعليم، ولكن رغبة عن التعليم. فمثل هؤلاء كما ذكر رحمه الله تعالى، قال: «فإن امتنعوا كلهم آثمون». لماذا؟ لأن فرض الكفاية لم يقم به أحد، فلم يسقط عليهم فرض الكفاية، فكان في حق هؤلاء الناس يكونون آثمين. لأن الأمر في حقهم يكون ماذا؟ متعينًا، حتى يقوم به من يحسن ذلك. يعني مثال ذلك لو كان في البلدة مثل عشرة ممن عنده القدرة على التعليم والتدريس، امتنع هؤلاء العشرة، هناك غيرهم، لكن ليسوا عندهم لا يستطيعون التدريس. فهؤلاء العشرة إن تركوا هذا الواجب الذي يحسنونه أثموا جميعًا. لماذا؟ لأنهم تركوا ما هو واجب عليهم على سبيل الكفاية، ولم يقم به أحد منهم، لأنه لا أحد يحسن ذلك إلا هم. فإن تركوا العمل أو التعليم كلهم آثموا. قال: «فإن قام به بعضهم سقط الحرج عن الباقين». أي إن قام به بعضهم وحصلت به الكفاية، يعني مثلًا عشرة هؤلاء درس ثلاثة أو أربعة أو خمسة، وحصلت بهم الكفاية، أي أن المتعلمين وجدوا من يعلمهم، من يفقههم، من يبصرهم، وحصل المقصود والمطلوب. فهل يجب على غيرهم أن يعلموا؟ الجواب لا، لا يجب على غيرهم. لماذا؟ لأنهم من فروض الكفاية، إن قام به البعض سقط عن الآخرين ذلك الخطاب. قال رحمه الله تعالى: «فإن قام به بعضهم سقط الحرج عن الباقيين». وإن طلبا وإن طلبا وإن طلبا من أحدهم وامتنع، أي الأنصورة كما ذكرنا مثلًا عشرة عندهم القدرة على التعليم. إن تركوا التعليم كلهم آثموا جميعًا. إن علم بعضهم وحصلت بهم الكفاية سقط الإثم عن الباقين. بقي لو علم بعضهم وحصلت بهم الكفاية، ومع هذا طلبوا من شخص طلبوا من آخرين أن يعلموا الناس من باب زيادة الخير. فهل يجب على هؤلاء الذين طلب منهم التعليم أن يعلموا؟ يقول الإمام النووي رحمه الله: «وإن طلب من أحدهم وامتنع فأظهر الوجهين». أي عند الشافعية أنه لا يأثم. لماذا لا يأثم؟ لأن فرض الكفاية قد سقط بفعله من قبل البعض. قال: «أنه لا يأثم، لكنه يكره له ذلك». لماذا؟ لأنه ترك شيئًا من الخيرات. فتعليم العلم من أعظم أبواب الخيرات، ومن أعظم أبواب الطاعات، ومن أعظم أبواب البر. كيف لا؟ وهو كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: بأنه وظيفة الأنبياء والرسل. فكيف يأنف إنسان أن يقوم بهذه الوظيفة التي هي وظيفة الرسل ووظيفة الأنبياء؟ قال الله جل وعلا في رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. الهدى أي العلم النافع والعمل الصالح ودين الحق. وقال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. فهو أي هذه الوظيفة هي وظيفة الأنبياء. فمن يأنف عنها، من يرغب عنها، من يأنف أن يكون من أهلها، فإنه يكون كما ذكر رحمه الله تعالى أقل أحوال أن يكون وقع في الكراهة. قال: «أنه لا يأثم، لكنه يكره له ذلك». إذا لم يكن له عذر، إذا لم يكن له عذر. أما إذا كان معذورًا، فالله جل وعلا يقول في كتاب الكريم: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. فالله جل وعلا جعل عذرًا لمن كان غير قادر، لمن كان معذورًا، لمن كان غير مستطيع. لكن الكلام ها هنا مع من كان قادرًا على التعليم ولكنه امتنع رغبةً عن العلم أو استحياءً أو ما شابه ذلك. هذا خطأ، هذا خطأ لأنه ترك بابًا من أبواب الخير ومن أبواب البر. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبيه الكريم وعلى آله وصحابة أجمعين.

شاركنا على