الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 146، ألقاها
يعتبر إفشاء السلام من الأخلاق العظيمة في الإسلام، حيث يحقق المحبة والمودة بين المسلمين. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإفشاء السلام بين الناس.
ينبغي للمسلم أن يسلم على من يعرف ومن لم يعرف، مع مراعاة بعض الاستثناءات لمن كان معروفا بالشرك أو البدعة. كما ينبغي السلام على أهل المعاصي لتحقيق مصلحة الدعوة.
يجب على المسلم أن يسلم على الناس جميعا وأن يدعوهم إلى الخير، مع تجنب الكبر والأشرة التي تؤدي إلى احتقار الناس. الدعوة تكون على بصيرة والإخلاص لله.
انتشار الخير والمحبة بين المسلمين يعزز وحدتهم ويقوي شوكتهم، وهو ما أراده الله عز وجل ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم. هذا يعكس أهمية إفشاء السلام والدعوة إلى الخير.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال البخاري رحمه الله في الأدب المفرد: ما كتابه الأدب المفرد؟ كتاب عظيم ألفه الإمام البخاري في الآداب، من بر الوالدين وصلة الأرحام، وما يتبع ذلك من آداب الإسلام، وكان كتابا عظيما شمل أشياء كثيرة من الآداب. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن سلام، يقال: سلام، ويقال: سلام، وانتشر عند الأهل الحديث أنه كان يقول: إن أبي بالتخفيف. كان محمد بن سلام، الميكندي البخاري، كان يقول: إن أبي بالتخفيف. وقيل: إن هذه القصة غير صحيحة، أو الكلام هذا غير صحيح. فلهذا فمن أهل العلم من يشدده، فيقول: محمد بن سلام، مثل الصحابي الجليل عبد الله بن سلام. أقصد مثل، غير معنى سلام. هذه العلة، العلة فيها التشديد في كل اسم يكون هكذا، إلا أبي. الصحابي عبد الله بن سلام، عبد الله بن سلام الذي هو كان حبرا من أحبار يهود، ثم أسلم، وهو من بني قريظة، من بني قينقاع. فعبد الله بن سلام بالتخفيف، وأما بقية ما يكون هذا يكون بالتشديد، مثل: سلام بن سليم، أبو الأحوص. أبو الأحوص سلام، خاصة لأسماء كلها معناه في البخاري كله بالتشديد سلام، إلا أبي الصحابي. وقيل أيضا لمحمد بن سلام: قيل سلام، وقيل سلام. قال: أخبرنا الفزاري، وهو مروان بن معاوية الفزاري، قال: وأبو معاوية، وهو محمد بن خازم الضرير الكوفي، صاحب الأعمش، قال: أخبرنا قنان بن عبد الله النهمي. وقنان واثقه ابن معين، وجماعة من العلماء، وضعفه النسائي وغيره. ولهذا هنا الشيخ قال: إن هذا الحديث حسن، لأن قنان قد ضعفه بعض العلماء، ووثقه بعضهم، فهو حديثه حسن. حديثه حسن. قال: عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أفش السلام تسلم، والأشرة شر». قال أبو معين: والأشر العبد. قال: هذا حديث صحيح. قال: هذا حديث حسن. طيب، هذا الحديث في إفشاء السلام، وإفشاء السلام قد جاءت فيه أحاديث كثيرة، يأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم بإفشاء السلام، وهو من الأخلاق العظيمة التي ينبغي لأهل الإسلام أن تنتشر بينهم. فهذه التحية تحية الإسلام، بل إنها تحية آدم ودريته، كما جاء في صحيح البخاري: لما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله عز وجل لآدم عندما وجد الملائكة جلوسا، قال له: «اذهب فسلم عليهم، فإنها تحيتك وتحية ذريتك من بعدك». فلهذا فإفشاء السلام، والمراد بالإفشاء: أي انتشاره بين الناس، انتشاره بين الناس، وكثرة استعماله، إنه دائما يستعمل الناس السلام، كما كان يفعل الصحابة رضي الله عنهم، حتى إنهم كانوا إذا فصلت بينهم شجرة، ثم التقوا، فسلم بعضهم على بعض. إذا فصلت بينهم شجرة، فالتقوا، فسلم بعضهم على بعض. وهذا لكثرة السلام. قد جاء في الصحيح، صحيح مسلم، بحديث: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». أفشوا السلام بينكم. فلهذا فإفشاء السلام من أعظم ما ينشره الناس بينهم، من أعظم الأخلاق التي تنتشر بين المسلمين. وهو السلام، كذلك من انتشار السلام: أن الإنسان يسلم على من عرفه ومن لم يعرف، على من عرفه ومن لم يعرف. أي: من عرفه يعرفه، يعرف اسمه، يعرف صورته، يعرف كذا، ومن لم يعرفه، لكن عرف أنه مسلم، وخاصة إذا كان في بلاد الإسلام، فيسلم عليه. ولا ينبغي للإنسان أن يشك في الناس، يقول: هذا لعله كذا، لعله كذا. أنا مثل ما يفعل بعضهم، البدع، ما يسلمون على أحد، يقول: لأن الأصل في الناس الإرجاء. وبعضهم يقول: لأن الأصل في الناس الشرك. وهذا كلام باطل، الأصل في الناس الإسلام. فلهذا كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَتَبَيَّنُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، وقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقال: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، هذا إنسان ألقى إليك السلام، لا تقول: لا، أنت لست مؤمنا. ما أسلم عليك. ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا، لماذا؟ لأنه مثلا من قبيلة أنت تبغضها، أو قبيلة بينكم وبينهم عداوة، أو كذا، أو شيء من أغراض الدنيا. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾. فلهذا إذا كان الإنسان في بلاد الإسلام، لا ينبغي له أن يتشكك في الناس، فالأصل في الناس السلامة، يسلم على من عرف ومن لم يعرف. قد جاء في الصحيحين، في حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل: أي الإسلام خير؟ قال: «أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف. وهذا هو إفشاء السلام، إفشاء السلام: أنك تقرأه على من عرفته ومن لم تعرف، من رأيته من المسلمين، تسلم عليه: سلام عليكم، سلام عليكم ورحمة الله، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فتفشي السلام. ولا ينبغي أن يتحقق الإنسان، ولا يسلم إلا على من يعرف، وهذا خطأ، وهو من علامات الساعة، كما جاء في كلام عبد الله بن مسعود: «تسليم الخاصة». فجاء كذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن التسليم الخاصة، أي: كل واحد يسلم على صاحبه الذي يعرفه. وهذا خطأ، بل ينبغي للناس أن يفشوا السلام إلا من عرفته مثلا رجل شرير، ومؤذيه للإسلام، أو رجل عنده الشرك، وعنده بدعة غليظة، ورجل أيضا كذلك عنده علم، ثم يضل بهذا العلم. فهذا ممكن لا تسلم عليه، بل أحيانا يكون واجبا، أو أحيانا يكون مثلا ترك السلام لأجل مصلحة، لأجل مصلحة لإنسان تهجره مثلا بعدم السلام. لكن هذه لا يوسع الإنسان فيها، لأن الأصل: الأصل أن المسلم يسلم على المسلم، والأصل أيضا عدم جواز الهجر، الأصل أنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث. فلهذا يحرص المسلم على أن يسلم على الناس، يسلم على من عرف ومن لم يعرف. «أفش السلام تسلم». وأيضا كذلك يسلم حتى على أهل المعاصي، من عرف عنه بالمعاصي، لأنه كما قال بعض المشايخ المعاصرين، كالشيخ ابن باز وغيره: الناس الآن في جهل، وأهل الشر يصطادون كثيرا. فإذا وجدوا جفوة من أهل الخير، فإنهم يبتعدون أكثر. إذا وجدوا جفوة من أهل الخير، فإنهم يبتعدون أكثر. وهذا هي الحكمة، وهذا هو أيضا يوافق النصوص العامة. لا يقول مثلا إنسان: هذا رجل مثلا معروف بكذا وكذا من المعاصي، فلا أسلم عليه. لا، الآن مثل هذا ما ينبغي أن يفعل، بل سلم عليه، لأجل أن يرى جانبك أخا لصاحب الشر. لكن ليس المراد أنك تسلم عليه وهو في معصية. لا، ليس المراد أنك تسلم عليه وهو يعصي الله. إذا كان رأيت مثلا يعصي الله، لا تسلم عليه، ولا كرام. لكن أيضا إذا كان جالسا مثلا في مكان، أو كذا، فتسلم عليه. فكثير من كان مثلا من كبار أهل المعاصي وأهل الفجور، لكن بسبب سلام بعض الإخوان لهم، فهذا أيضا من الدعوة إلى الله جل وعلا. وكما قال الشيخ ابن باز رحمه الله، وهو رجل خبير في مثل هذه الأمور، لأن هذه الهجر وغيره يكون لمصلحة. فقال: هجر أهل المعاصي في هذه الأحيان لا ينبغي، لأن أهل الشرك قد كثروا. فلما تهجره أنت، إنما تسلمه لأهل الشرك. فلهذا يحرص الإنسان على الناس، وعلى دعوتهم إلى الخير، ليس لأجل نفسه، ولأجل أنه يتكثر مثلا بالناس، لا، وإنما يدعوهم إلى الله، يدعوهم إلى الله، يحب أن الناس يدخلون المساجد، يحب أن الناس يذكرون الله، يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم. فكما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ما يدعو إلى حزب، ولا يدعو إلى شيء، يدعو إلى الله خالصا لله جل وعلا. همه أن الناس يعرفون طريق الله، همه أن الناس يعرفون طريق الله، لا طريقته. ليس المراد أنك تدعو الناس لأجل أن يعرفوا طريقتك فقط، لا، صحيح. وقد يكون مثلا الإنسان على حق، لكن لا يجعل هذا همه، يجعل أنه يدخل الناس في الخير، يدخل عليهم الخير، يأتون إلى المساجد، يصلون، يأتون إلى حلق العلم، يأتون إلى حلق القرآن. فمثل هذا إذا وفقه الله عز وجل، ستأتي بعد ذلك: أنه يعرف الطريق الحق، ويسلك الطريق الحق. وإذا كان في قلبه خير، وفي قلبه الإخلاص والنية، فإن الله عز وجل لا يضيعه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أفش السلام تسلم»، أي: تسلم من أذى، من أذية كثيرة، تسلم من أذية كثيرة. لأن الإنسان إذا لم يفش السلام، يحصل بينه وبين الناس تهاجر، وعدوان، وغيرها من هذه الأمور التي تكون بين المسلمين، لتركهم السلام. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: لما سئل: أي الإسلام خير؟ قال: «أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفته ومن لم تعرف». تقرأ السلام الآن في بعض المجتمعات، كأن السلام غريب، ما يسلم إلا على من عرفه. يأتي يمر على الناس، ولا يسلم عليهم، فإذا عرف إنسانا منهم سلم، وإذا لم يعرف مرة ولم يسلم. هذا خطأ، وهذا من تسليم الخاصة، كما ذكر ابن مسعود، هو تسليم المعرفة. قال: «ولا شَرَّةُ شَرّ». الأشرة هي البطر، البطر وعدم قبول الحق، وكذلك الذي هو شيء من الكبر. المراد هو احتقار الناس. البطر هو احتقار الناس، الأشرة شر، معناه احتقار الناس، فلا يسلم عليهم، ويزدريهم، وينظر إلى نفسه كأنه شيء عظيم، وكأنه له شيء أعلى منهم. فهذا البطر حتى يجعله يرد الحق، ويرد النصيحة. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والأشرة شر»، أو «الأشرة شر»، لماذا؟ لأنها تلقي بصاحبها إلى الكبر، والعياذ بالله، تلقي بصاحبها إلى الكبر. والكبر من أعظم الذنوب، هو الذي جعل إبليس في جهنم، العياذ بالله. الكبر لما لم يسجد لآدم: «أسجد لمن خلقت طينا». وأيضا كذلك هذا الكبر قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل النار يحشرون كأمثال الذر، كأمثال الذر، الشيء الصغير، أو النمل الصغير. وقال أيضا عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، أن الشيء يسير من كبر. لا يدخله الله عز وجل الجنة حتى يصفيه من هذا الكبر. فلهذا كانت الأشرة شر، لأنها تؤدي إلى الكبر، والعياذ بالله. فلهذا يشرح الإنسان صدره للناس، ويسلم عليهم، وأيضا لا بأس أنه يكلمهم، ويسأل عن أحوالهم. فهذا من الخير، ومما أراده الله عز وجل، وأيضا أراده نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، حتى يعم الخير في الناس، وتنتشر المحبة بين المسلمين، والمودة بينهم، فتقوى شوكتهم. فهذا شيء مما يذكر في هذا الحديث. فنكتفي به، والله تعالى أعلم.