الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  178

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 178

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 178، ألقاها

كرم معاوية بن أبي سفيان وإكرامه للصحابة

يروي عبد الله بن بريدة عن زيارة لمعاوية بن أبي سفيان حيث أكرمهم وضيفهم. هذا يدل على كرم معاوية.

توضيح حول شبهة شرب معاوية للخمر وبيان الحقيقة

المقطع يوضح أن معاوية شرب لبنًا وليس خمرًا، ويبين أن بعض الأحاديث قد دخلت عليها زيادات غير صحيحة.

الرد على الطاعنين في معاوية وبيان حكم النبيذ

المقطع يفند ادعاءات الشيعة وأذنابهم ضد معاوية، ويوضح أن الحديث يدل على شربه للبن، كما يبين حكم النبيذ وتحريم المسكر.

حكم شرب الماء المتغير وضوابطه

إذا تغير طعم الماء وانتُن، فلا يجوز شربه، أما إذا لم يتغير فإنه يجوز شربه. الحكم يعتمد على حالة الماء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا زيد بن الحباب، وأتقدم آخر مرة زيد بن الحباب، أبو الحسين العكلي الكوفي الخرساني، قال: حدثني حسين، وهو ابن واقد المروزي، وهو ثقة إلا أنه تكلم في بعض حفظه، قال: حدثنا عبد الله بن بريدة، وهو ابن الحصيب، قاضي مرو. قال عبد الله بن بريدة: دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجلسنا على الفرش، ثم أتينا بالطعام فأكلنا، ثم أتينا بالشراب، فشرب معاوية، ثم ناول أبي، ثم قال: ما شربته منذ حرمه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم قال معاوية: كنت أجمل شباب قريش وأجوده ثغرًا، وما شيء كنت أجد له لذة كما كنت أجده وأنا شاب غير اللبن، أو إنسان حسن الحديث يحدثني. قال: هذا حديث حسن. ومعاوية رضي الله عنه من ملوك الإسلام، وكان من أذكياء العرب، كان ذكيًا جدًا. وهذه الحادثة حصلت لعبد الله بن بريدة، أنهم جاءوا وزاروه، فضيفهم هو وأبوه، عبد الله بن بريدة مع أبيه بريدة بن الحصيب الأسلمي، فضيفهم معاوية رضي الله عنه، أنه جاءوا إليه مع ملكه، ومعاوية ملك بالشام في دمشق. فكان معاوية رضي الله عنه رجلًا كريمًا، ورجلًا أيضًا كان يحب الصحابة رضي الله عنهم، ويكرمهم، على خلاف ما يذكر في كتب الأدب، والتي يذكرون فيها بعض أشياء عن العرب، تجد أشياء يذكرون عن معاوية وعن هارون الرشيد وغيرها، لا تليق، وغالبًا أنها كذب، مثل الأشياء التي في كتب أبي الفرج الأصبهاني، فهذا الرجل معتزلي، وكذلك أيضًا عنده ندالة وخبث، وذكر أشياء لا تليق بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس بمأمون في هذا الباب. وهذا الحديث استغله بعضهم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، في الكلام، استغلوا بعض الأشياء، وبعض أيضًا الذين يطعنون في معاوية رضي الله عنه، وليس في الذي أراده. قال عبد الله بن بريدة: دخلت أنا وأبي على معاوية، فأجلسنا على الفرش، ثم أوتينا بالطعام فأكلنا. ومعاوية رضي الله عنه قد جاءه ناس حاربوا معه، وأكرمهم من الصحابة رضي الله عنهم، كعمار وغيره، وأيضًا كذلك وائل بن حجر، وعبد الله بن عمر وغيرهم. وإن كان عبد الله بن عمر لم يشارك، لكن أقصد أنه ما كان يرد أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان يكرمهم. فجاءه بريدة مع ابنه، فأجلسهم على الفرش، وأتى لهم بطعام، قال: ثم أوتينا بالشراب، فشرب معاوية، ثم ناول أبي. قال: ما شربته منذ حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الذي ما شربه منذ حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو الخمر. وهنا بعضهم أدخل هنا أن معاوية رضي الله عنه كان يشربه خمرًا، وأن بريدة أبى ورفض أن يشرب لأنه خمر، وهذا باطل، وليس في الحديث. بعضهم يقول من هؤلاء الشيعة، وكذلك بعض الذين يطعنون في معاوية رضي الله عنه، أنه يشرب الخمر، وهذا باطل، ما كان له رضي الله عنه وحاشاه أن يشرب خمرًا. وإنما في هذا الحديث بينا أنه بعدما شرب أعطاه لبريدة، ولعل بريدة لم ير ما في الإناء، فظنه شيئًا من الشراب أو الطلاء الذي أو نبيذ يسكر، فقال له: ما شربته منذ حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يشك أنه نبيذًا أو مسكرًا، ما شرب المسكر أبدًا. وإنما كان معه لبنًا. وهذه العبارة موجودة في مسند الإمام أحمد، الله أعلم بصحتها، لأن الحديث نفسه موجود في مصنف ابن أبي شيبة، وليست موجودة هذه العبارة، وإنما فيه: أنه قال عبد الله بن بريدة، فأعطاه أبي فشرب أبي. ثم قال: كنت أجمل شباب قريش، وذكر آخر. فالظاهر أن هذه العبارة كأنها مدخولة في المسند، والله أعلم. وزيد بن الحباب أيضًا ليس بمتقن في الحفظ، يخلط أحيانًا، والله أعلم، إما أن تكون دخلت على زيد أو أنها أدخلت في المسند. لأن المسند طريقه واحدة، مسند الإمام أحمد هذا الكبير طريقه هو إسناد واحد فقط، بخلاف الكتب الأخرى من السنن وغيرها، فأسانيدها متعددة. حتى مصنف ابن أبي شيبة أيضًا أسانيده متعددة، بخلاف مسند الإمام أحمد، له إسناد واحد. أقصد أنه من عبد الله بن أحمد، ورواه عن عبد الله بن أحمد القطيعي، ورواه عن قطيع بن المذهب، ثم بعد ذلك انتشر، ورواه الناس عن ابن المذهب. وابن المذهب رجل صالح، ورجلًا أيضًا حافظ، وكان عنده مسند إمام أحمد، لكن انخرمت منه أشياء، ثم كتبها من حفظه أو استعارها من بعض أصحابه. فالمهم أنه قد يكون هذه العبارة أدخلت في حديث المسند. ومعلوم أن هناك أناس يكتبون معاني، يخطون بعض الأشياء. والدليل على ذلك أن الحديث قد جاء في مصنف ابن أبي شيبة بنفس الإسناد من طريق زيد بن الحباب، وليس فيه هذه الزيادة. ولو أيضًا ثبتت هذه الزيادة في الحديث، فليس فيها أن معاوية شرب خمرًا أو غيره، وإنما شرب لبنًا، لكن ظنه بريدة أنه نبيذ يسكر، فقال له: ما شربتم منذ حرمه رسول الله، أي: إن كنت تظن أنه نبيذًا، لا، إنما هذا لبنًا. ولهذا جاء كما قلنا في رواية ابن أبي شيبة أنهم شربوا لبنًا، وأعطاه لبريدة، وأعطاه أيضًا كذلك لبنًا. وأيضًا يدل عليه آخر الحديث، آخر الحديث يدل عليه، أن معاوية رضي الله عنه ذكر عن نفسه أنه كان يحب اللبن حتى وهو شاب، ولما كان في قريش في مكة كان أيضًا يحب اللبن، واستمر عنده محبة اللبن إلى أن كان ملكًا في الشام، وهو لا يزال يحب شرب اللبن. فلهذا من محبته لشرب اللبن، كان يأتي له بالضيوف، يأتي باللبن للضيوف. فليس فيه طعن في هذا الصحابي الجليل معاوية رضي الله عنه، وهو من كتاب الوحي، أمين النبي صلى الله عليه وسلم على كتابة الوحي، وكذلك كما قال ابن قدامة: وخال المؤمنين، أخته أم حبيبة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من ملوك الإسلام، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا يجوز أن يطعن فيهم. فبهذا كما قلنا أن هذا الكلام غير صحيح، قولهم أن ادعوا أن معاوية شرب من الخمر، والعياذ بالله، وحاشاه، ليس صحيحًا، بل كذب وافتراء. ووجدوا مدخلًا الشيعة لأجل أن يطعنوا في معاوية، وكذلك أذنابهم من الطاعنين في معاوية، وفي عمرو بن العاص، كالثقفي وغيره، يذكرون هذا الحديث طعنًا في معاوية، وهذا ليس فيه شيء أبدًا، وليس فيه طعن، وإنما كان شرب لبنًا. وإلا لم يقل عبد الله بن بريدة: ثم ناول أبي، إذا كان خمرًا ما سيناوله بريدة، كيف سيناوله رجل صحابي ويعرف أنه أمر محرم؟ هذا كلام بعيد جدًا. فقال: لو كان مثلًا فعل ذلك لأنكر عليه بريدة، ولقام من مجلسه. والصحابة رضي الله عنهم من أكثر الناس أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وغالبهم لا يخاف في الله لومة لائم، فلو كان هذا حصل عند بريدة لكان الأمر قد تغير. لكن هؤلاء ما عرفوا منزلة الصحابة رضي الله عنهم، فلهذا فليس في الحديث طعن في معاوية رضي الله عنه، بل الحديث يدل على أنه شربوا لبنًا. ولهذا قال معاوية بعد ذلك: كنت أجمل شباب قريش وأجوده ثغرًا، كأنه مدلل، وما شيء كنت أجد له لذة كما كنت أجده وأنا شاب غير اللبن، أو إنسان حسن الحديث يحدثني. ففي هذا الحديث إكرام معاوية رضي الله عنه للصحابة، وفيه أيضًا تحريم النبي صلى الله عليه وسلم للنبيذ المسكر. النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينبذ مثلًا أشياء معينة كالبسر والتمر وغيرها، وأيضًا نهى أن يترك النبيذ أكثر من ثلاثة أيام، وأيضًا نهى أن يشرب بعد أن يشتد، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرب النبيذ بعد أن يشتد، أن تظهر فيه النشوة، وتنتن وتغير، يتغير طعمه. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. أما إذا كان قائمًا، النبيذ قائم، لا يزال ولم ينتن الطعم ولم يشتد، فهذا يعتبر جائز أن يشربه الإنسان. النبيذ معناه الذي ينبذ، معناه الفواكه التي تطرح في الماء، مثلًا تمر يطرح في الماء أو زبيب أو شعير، مثل هذا الشعير الذي يباع في الأسواق، هذا يعتبر نبيذًا. وكان العرب يحبون النبيذ أكثر من العصير، لأنه أسهل، فكانوا يحبون الانتباذ أكثر مما يحبون العصير. فلهذا كانوا أحيانًا في بلاد حارة، في مكة مثلًا، بسرعة يتغير، بخلاف الأماكن الباردة، فتغيره يكون أبطأ. لكن في البلاد الحارة يتغير بسرعة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنه لا يشربه الإنسان بعد ثلاثة أيام، لأنه غالبًا يتخمر. فالنبيذ جائز، لكن إذا تخمر واشتد فإنه لا يجوز شربه لأنه مسكر. فهذا يعني يقول معاوية: ما شربته منذ حرمه رسول الله، أراد المسكر، أراد المسكر الذي وإن كان حتى ولو كان لبنًا وضع فيه شيء فتغير وصار فيه شيء من الخمرية مثلًا، فهذا أيضًا لا يجوز أن يشرب. لكن إن كان لا يزال طريًا أو ليس فيه شيء من النتن أو تغير الطعم، فهذا جائز. لكن المراد التغير الطعم، يعني يكون طعم متل ليس مثل الروبة، الروبة جائزة لأن طعمها مقبول وليس فيها إسكار، وناس يشربونها منذ زمن، وليس فيها شيء من المسكر. لكن إن تغيرت أحيانًا إذا تأخر الإنسان عن أخذ هذه الروبة، تركها مثلًا يومين أو ثلاثة، ترك اللبن في ماء أو في وعاء، فإنه يتغير ويصير مثل الخمر، يتغير ويصير مثل الخمر، فهذا مثل هذا لا يشرب. لكن إذا لم يتغير ذات التغير الذي معناه يتغير طعمه وينتن، فهذا يجوز أن يشرب. والله تعالى أعلم.

شاركنا على