التعليق على العقيدة الطحاوية 98

الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 98، ألقاها

مفهوم أفعال العباد وكسبهم

يشرح مفهوم أفعال العباد وكسبهم وفقًا لمذهب أهل السنة، ويرد على المعتزلة والجهمية والأشاعرة. يُبين أن العبد له مشيئة وفاعلية حقيقية تابعة لمشيئة الله.

تفسير آية محاسب الله للنفس وحديث النفس

يشرح معنى آية محاسب الله للنفس ويبين أن الله لا يعذب على حديث النفس ما لم يعمل أو يتكلم به العبد. يُذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم في تجاوز الله عن حديث النفس.

الفرق بين الهم بالفعل وما في النفس وتفسير لا حول ولا قوة إلا بالله

يُوضح الفرق بين الهم بالفعل وما في النفس، ويشرح تفسير "لا حول ولا قوة إلا بالله". الأحاديث النبوية توضح أن الهم بالحسنة أو السيئة مع العمل يحاسب عليه العبد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام أبو جعفر طحاوي رحمه الله: "وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد". خلق الله وكسب من العباد، وهذا الكسب ليس كسبًا ككسب الأشعري كما قلناه. فأفعال العباد خلق الله، كما قال الله عز وجل: ﴿ والله خلقكم وما تعملون ﴾. والله عز وجل خلق الناس وخلق أعمالهم بنص كتاب الله جل وعلا، فأفعال العباد مخلوقة. وقد ألف الإمام الكبير الإمام البخاري رحمه الله كتابًا سماه "خلق أفعال العباد"، وذكر رحمه الله فيه أحاديث وآثارًا عن السلف في إثبات هذه المسألة والرد على المعتزلة والجهمية الذين قالوا بأن العبد يخلق فعل نفسه. ورد أيضًا على الجهمية الذين قالوا بالجبر، قالوا: "أفعال العباد خلق الله وكسب من العباد"، أي العباد هم عاملون حقيقة. كما قال شيخ الإسلام في الواسطية: "والعبد له مشيئة وفعل حقيقة، له فعل وله مشيئة حقيقة، لكن تابعة لمشيئة الله جل وعلا النافذة في كل شيء". كما تقدم معنا في مسألة الاستطاعة، وهنا كما قلنا: "كسب من العباد"، ليس المراد به كسب الأشعري، كسب الأشعري شيء آخر. معنا كسب العباد، أي ما كسبه وما عمله العباد، ما عملوه فهو كسب لهم، من كسبهم، فهو راجع لهم، وهم عملوه حقيقة. كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «يا عباد، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». فلهذا "كسب من العباد" أي الذي كسبوه والذي عملوه. وأما كسب الأشعري، فهم يريدون أن العبد العاصي أنه مجبور، وظاهر الاختيار. يقولون أن العبد العاصي أنه مجبور، وظاهر الاختيار. وهذا كما تقدم معنا قول باطل. قال رحمه الله: "لم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون"، وهذا هو مذهب أهل السنة، بخلاف الأشعري والمتزلة، يقولون أن الله عز وجل كلف العباد ما لا يطيقون، وهذا باطل. بل الله عز وجل يقول: ﴿ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، لها ما كسبت من الأعمال التي عملتها، وعليها ما اكتسبت من المخالفات أيضًا. وكل ذلك على النفس، وما كتبه الله عز وجل عليها، إلا لأن لها حقيقة في العمل. قال: "ولم يكلفهم تعالى إلا ما يطيقون"، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وقال: ﴿ لا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها ﴾. فالله عز وجل إنما لم يكلف العباد ما لا يطيقون، وإنما كلفهم ما يطيقونه. ولما نزلت، كما جاء في صحيح مسلم، نزل قول الله جل وعلا: ﴿ قل إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾. قال الصحابة: "يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، صلاة وصيام، أما هذه فإننا لا نستطيعها". هذه الآية أن يكتب علينا ما في أنفسنا، لا نستطيعها. قال: "تريدون أن تقولوا مثل ما قالت اليهود والنصارى: سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". فقال الصحابة رضي الله عنهم: "ربنا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير". فأنزل الله عز وجل: ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ﴾. فالأصل أن الله عز وجل لم يرد أن يكلف العباد ما لا يطيقون، لكن لعل هذه الآية أنزلت حكمة من الله، حكمة منه سبحانه وتعالى، ليرى واختبر قلوب أصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه رضي الله عنهم. فلهذا أنزل هذه الآية، وإلا فالله عز وجل لا يعذب على كلام النفس، وإنما سبحانه وتعالى يعذب على ما عملت أو تكلمت. كما جاء في الحديث الصالحين، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». حديث النفس غفره الله عز وجل للناس، لم يواخذهم على حديث النفس. لكن ربنا سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. فقد يبدي العبد ما في نفسه، فإذا أبداه فإنه يحاسب عليه. وأما إذا كتمه فإنه لا يحاسب عليه. لا يحاسبه الله عز وجل على ما يكون في نفسه، لكن إذا أبداه. ولهذا قال: ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾، أن الأعين ما تخون إلا وهي أبدت ما في نفسها. فالمراد بخائنة الأعين أن ينظر ويغمز بعينه أو يشير بعينه، مثل ما جاء في الصحيحين. كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة وأمر بقتل ثمانية، ومنهم عبد الله بن صرح، وكان أخو عثمان لأمه، فلم يلقَه عثمان، وقال له: "أي عثمان، تعالى أذهب بك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعله يتجاوز عنك". فذهب به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان بعض الرجال أراد أن يقتله، لكن سكت. وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يعفو عنه سكت أولًا، ثم بعد ذلك عفا عنه وذهب. فقال الرجل: "يا رسول الله، إنك قد أمرت بقتلهم". فقال: "نعم". لم يقتله أحد، أنا ما قام أحد وقتله. فقال: "لو أمط يا رسول الله، أنا غمزت بعينك". قال: "ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين". فلهذا إذا بدأ العبد ما في نفسه بحركة أو بكلام فإنه يحاسب على ما في نفسه. وإلا فالأصل أنه لا يحاسب على ما في نفسه. ولهذا في حديث الهم، حديث ابن عباس في الصحيحين: "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات. ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، أنه هو هم بسيئة لكن لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له سيئة واحدة". هنا الهم ليس المراد ما في النفس، ليس المراد أنه ما يهمه في نفسه. وإنما هنا هم مع عزم مع حركة، إما بمشي وإما بكلام. فالمهم أنه هم يكون مع حركة، لذلك العمل. فهذا الهم الذي يكون مع حركة يكون عزيمة أو عزمة، فهو الذي يؤخذ عليه. ولهذا قال: "من هم بحسنة فلم يعملها"، أي هو يريد أن يعملها، وعمل ما أراد، مثلا على سبيل المثال، أراد أن يتصدق، فذهب إلى بيته فلم يجد ما يتصدق به. فهنا تكتب له حسنة. فإن وجد ما يتصدق به فتصدق، كتبت له عشر حسنات. وهكذا إذا كان أراد أن يخرج ماله في حرام، أراد أن يخرج ماله في حرام، مثلا في نشر رذيلة، نشر قنوات فاسدة، وقنوات من الدش وغيره. أراد أن يساهم في هذا المشروع، مشروع نشر دش ونشر قنوات. فذهب إلى بيته وأراد أن يخرج مالًا، ووجد أن المال قليل لا يكفي الخرج، فعزم أن لا يفعل. فهذا تكتب له حسنة، وأنه هم بسيئة. فلهذا فالهم المراد به في الحديث هو هم مع عمل، هم مع عمل ومع إرادة وحركة. وأما إذا كان بدون حركة، إنما هو في النفس، فإن العبد لا يحاسب عليه كما جاءت الأحاديث بذلك. فقال: "ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون"، ولا يطيقون إلا ما كلفهم. وهو تفسير "لا حول ولا قوة إلا بالله"، سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على تفسير هذه الكلمة العظيمة "لا حول ولا قوة إلا بالله"، التي هي كنز من كنوز الجنة، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي موسى. فنكتفي بهذا.

شاركنا على