الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 191، ألقاها
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال الناس إذا كان السائل غنيا، ويترتب على ذلك علامة في وجهه يوم القيامة. هذا الفعل حرام وقد جاء فيه وعيد شديد.
حدد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة حالات يجوز فيها سؤال الناس، كما يجب على الساعي على الأرامل والأيتام ألا يأخذ نصيبا من المال إلا إذا كان وكيلا عليه. هناك استثناءات محددة لسؤال الناس.
يُحذر من أخذ أموال الناس أو اليتامى بدون تفويض، ويعتبر ذلك من أكل أموال اليتامى ظلماً، مستشهداً بالآية الكريمة التي تنذر هؤلاء بالنار والسعير. يُنهي بالتحميد والسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الدارمي رحمه الله -أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي الحافظ الكبير-: قال أكبرنا محمد بن عبد الله الرقاشي، ومحمد بن عبد الله الرقاشي هو حافظ الحفاظ الحديث، قال أبو حاتم: ثقة رضا، قال أبو زرعة: ثقة ثبت، وهو من حفاظ الحديث الثقات. قال: حدثنا يزيد، وهو ابن زريع أبو معاوية البصري، يزيد بن زريع قد روى له أهل الكتب الستة، كذلك المسانيد، وهو من ثقات البصريين. قال: حدثنا سعيد، سعيد هو ابن أبي عروبة، أيضا البصري، وسعيد حافظ من حفاظ الحديث، وهو من حفاظ أصحاب قتادة. قلنا: كما قال العلماء أصحاب قتادة الحفاظ ثلاثة: شعبة، وهشام بن أبي عبد الله دستوائي، وسعيد بن أبي عروبة. أنا أحفظ من روى عن قتادة، ومنهم من يدخل همام بن يحيى، العودة. فسعيد من هؤلاء الحفاظ الذين رووا عن قتادة، بل كما قال الإمام أحمد: سعيد ثبت في كل المشايخ، وهو ثقة، إلا أنه حصل له اختلاط. قلنا: ما معنى الاختلاط؟ قلنا: إيش معنى الاختلاط؟ ها، التخريف، معنى خرف، حصل له اختلاط في سنة 145، وهو الذي يسميه للتاريخ عام الهزيمة، عام الهزيمة لما هزم إبراهيم بن محمد بن حسن بن علي بن أبي طالب، فسمي عام الهزيمة. ففي هذه السنة سعيد كان اختلط، فقال الإمام أحمد: كل من روى عن سعيد قبل عام الهزيمة فروايته صحيحة، ومن روى عنه بعد عام الهزيمة فروايته غير صحيحة. فغالب أهل البصرة روايتهم عن سعيد صحيحة، ومن أعظم من روى عن سعيد يزيد بن زريع، يزيد بن زريع قد روى عن سعيد قبل أن يختلط، فلهذا فالرواية هنا صحيحة، وقد رواه أيضا عن سعيد غير واحد. قال: حدثنا سعيد عن قتادة، قتادة ابن دعامة أبو الخطاب السدوسي الحافظ الكبير، ولد أعمى، لكن أعطاه الله عز وجل حافظة قوية جدا. قال عن سالم بن أبي الجعد، أنا يقال أن قتادة إذا حفظ شيئا لا ينساه. قال عن سالم بن أبي الجعد، وسالم كالنبي أبي أسماء، وهو الثقة، لكنه يرسل كثيرا، يرسل عن الصحابة. فبعض العلماء يقول: أنه لم يسمع من أحد من الصحابة، وبعضهم يقول: أنه سمع من صغار الصحابة كابن عمر، ومن تأخر أيضا عقبة بن عامر، وغيره، كذلك من بعض أهل الشام كأبي أمامة، وعمر بن عبسة، لكن بعضهم ينفي سماعه من عمر بن عبسة. قال عن معدان بن أبي طلحة، ومعدان شامي، سالم أيضا شامي، معدان بن أبي طلحة الشامي عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وثوبان أيضا نزل الشام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من سأل الناس مسألة وهو عنها غني كانت شيئا في وجهه». آه، شيئا عندي شيئا، لكن في المسند رواية المسند لمام أحمد: «شيئا كانت في وجهه». وكلاهما صحيح، سواء كانت شيئا أو شيئا، أن المراد أنها تكون كالحلمة في وجهه يوم القيامة. قد جاء في حديث أيضا عبد الله بن مسعود الذي أخرجه الإمام مسلم: «من سأل الناس مسألة كانت أو أتى يوم القيامة ومسألته خدوش أو كدوش في وجهه»، على كأنها شيئا، علامة في وجهه بسبب أنه سأل الناس وعنده ما يغنيه. من سأل الناس وعنده ما يغنيه، من سأل الناس وعنده ما يغنيه، كان مسألته كدوحا أو خدوشا. وجاء في صحيح مسلم كذلك: «لا تزال المسألة بالرجل حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم»، لا تزال المسألة بالرجل حتى يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم، لأنه قد ذهب بحياء وجهه بسؤاله الناس وهو عنده ما يغنيه، عنده ما يغنيه فيسأل الناس. وقد جاء في الصحيحين: «من سأل الناس تكثرا إنما يسألهم من فيح جهنم»، من سأل الناس تكثرا لأجل أن يتكثر بالمال، أنا عنده مال يغنيه ويكفيه، لكن جعل ذلك الأمر عملا له، مثل ما يحصل كثير من الناس الآن، فتجد يجعل هذه الشحاذة عملا له، يظن أنه عمل صحيح، وهو ليس بعمل لأنه حرام، لا يجوز أن يسأل الناس وعنده ما يكفيه. من سأل الناس تكثرا مالا يتكثر بالمال، إنما يسألهم من فيح جهنم، من جمر جهنم والعياذ بالله، فليستقل أو ليستكثر، هكذا قال: أن الله صلى الله عليه وسلم، هذا السؤال هو جمر من جمر جهنم يأخذه. فلهذا فالمسألة إذا كانت عن غنى فهي حرام، وقد جاء فيها الوعيد، بل هي كبيرة من كبار الذنوب. وقد ألف شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله رسالة سماها «دم المسألة»، وألفها رحمه الله لأجل الرد على كثير ممن ابتلي من الدعاة بهذا المرض، لأنه وجد في زمن من الأزمان قديما عندما أنشئت بعض الجمعيات، جمعية الإحسان، جمعية الحكمة، فكانوا يسألون الناس يسألون الناس الأموال، وكأن الله عز وجل وكلهم بذلك، فهم غنيون عن ذلك. فيأتي الرجل ويخطب في الناس خطبة رنانة، بل بعضهم يبكيهم، وفي آخر الخطبة يقول: نريد تبرعا لكذا وكذا أو لأيتام أو لمقابر وكذا، يأتي بشيء من هذا. هذا شيء طيب، لكن أنك تقوم وتسأل الناس فهذا خطأ، تقوم وتسأل الناس، وجعلوا الدعوة كلها مسألة، من قام من الدعاة ما يقوم إلا هو يسأل، فشوهوا دعوة أهل السنة بذلك. فلهذا الشيخ رحمه الله ألف هذه الرسالة ليبين أن هذا لا يجوز. وهؤلاء أصلا اتخذوا هذا عملا معنى هم صحيح يعطون يعطون الأيتام يعطون كذا، لكن أيضا لهم قسم يعطون العشر أو يأخذون أكثر من العشر، أن هذا لا يحل لهم لأن الدولة لم توكلهم بهذا، إذا كان عمل وكلتهم الدولة بمثل هذه الأشياء ممكن يأخذون نسبة تعطيهم الدولة رواتبهم. أما أنهم يأخذون من أموال الناس يوكلهم الرجل يقول لهم: أوصي هذه الزكاة أو الصدقة للفقراء أو لكذا وكذا للأيتام، يأخذون منها عشرا أولا للجمعية، فهذا لا يجوز لأنهم موكلون ليسوا عمالا من العاملين عليها، إنما هم موكلون يوكلهم التاجر، والوكيل لا يجوز له أن يأخذ شيئا بدون إذن الموكل، بدون إذن الموكل. وقد أشار إلى هذه المسألة جماعة من أهل العلم، ومنهم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، على أن هذا ما يجوز لهم لأنهم يأخذون أموال الناس وهم كلام عليها، فيقومون يأخذون من هذه الأموال. فلما رأى رحمه الله شيخنا مقبل رحمه الله هذا التفشي في هؤلاء ألف هذه الرسالة، الرسالة «دم المسألة»، فصاروا يتأكلون بأموال الناس وبنوا العمارات وأيضا اشتروا السيارات وكذا بأموال الناس، هم جعلوه عملا، أنا واحد عمل جمعية يقول: هذه جمعية لأيتام أو جمعية لكذا، وهو يجمع الأموال ويأخذ منها أنا كأنه أراد عملا فوجد هذه الطريقة سهلة للعمل. فكانوا قبل ذلك يقومون في المساجد، لكن بعد ذلك لما جاءتهم الأموال من هنا وهناك فكفوا عن القيام في المساجد. فلهذا فالذي يسأل الناس وهو غني عن السؤال فإن هذا الذنب فيه. ومن سأل وعنده ما يكفي أيضا يذنب، من سأل الناس وعنده ما يكفي أيضا يذنب. وأما من سأل الناس وعنده ما لا يكفي، فهم مباح أن يسألهم إذا سألهم وهو عنده ما لا يكفي، معنى اضطر إلى السؤال، فهذا جاءت فيه أحاديث. جاء في حديث قبيصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة»، قال النبي صلى الله عليه وسلم لقبيصة: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة أن تحمل دينا، أصلح بين شخصين أو بين قبيلتين وتحمل المال الذي يختلفون فيه»، فقال: رجل تحمل حمالة فيعطى أو يسأل الناس حتى يؤدي ما عليه. «ورجل اجتاحت ما له جائحة اجتاحت ما له»، جائحة رجل مثلا احترقت مزرعته كلها، وهذه المزرعة هو يعتمد عليها، أو احترق بيته وفيه أمواله، أو مثلا عنده شيء سيارة أو كذا احترقت أو قلبت، فالمهم أصابته جائحة أخذت ماله، فهذا لا بأس أنه يسأل الناس فيسأل حتى يغنيه الله ويكفيه الله عز وجل. «وأيضا كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم الثالث: أنه قال رجل كانت به فاقة فقر وشهد على ذلك ثلاثة من قومه من ذوي الحجى»، شهد عليه أنه رجل فقير معدم أصابته فاقة فقر، معنى ما عنده شيء، فيشهد على ذلك ثلاثة من ذوي الحجى، ذوي الحجى إلى ذوي العقول، معنى مقدمة الناس، يشهدون على أن هذا الرجل ما عنده شيء، فله أن يسأل بعد ذلك. فهؤلاء الثلاثة جائز لهم أن يسأل الناس هذه المسألة، وإلا من كان دونهم فقد يجوز له إذا اضطر في بعض الأحيان، وقد أيضا أو الأفضل أنه يترك، الأفضل أنه يترك. أما إن كان مثلا يسأل لأيتام لكذا فيجوز، لكن لا يجوز له أن يأخذ أن يجوز له أن يسأل لأيتام مثلا يدل الناس عليهم أو ناس فقراء يدل الناس عليهم ما في شيء، لكن لا يقول مثلا أخذ نصيبي من هذا المال، أنت الآن لست عاملا على هذا المال، أنت موكل وتسأل لهؤلاء الناس، لا تجعل هؤلاء الناس معنى كأنهم وقاية لأجل أن تتكسب من أموالهم. أنا بعضهم يقول: أنا عندي أيتام، عندي مثلا بعضهم صحيح يسعى لأيتام يسعى لأرامل، وهذا عمل طيب. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله»، وأحسبه قال: «كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفطر أو الذي لا يفتر»، فهذا عمل طيب، لكن لا ينبغي له أن يأخذ نصيبا من هذا المال، ولا يجوز له أن يجعل هذا مهنة له، كلما جاء لهؤلاء بمال أخذ من هذا المال نصيبا، فهذا لا يجوز أن يأخذ من أموال الناس إذا كان يسأل لهم يعطيهم إياه، ما دام أنه يسأل لهم فيعطيهم إياه لا يأخذ منها هذا أو منها، إلا إن كان هو وكيلا عليه، إذا كان هو وكيلا على الأيتام ليس ساعيا فقط هو وكيل. فإن كان فقيرا قال الله عز وجل: «فليأخذ بالمعروف»، إن كان فقيرا قال: فليأكل بالمعروف. وعن من كان غنيا فلا يجوز له أن يأخذ من أموال هؤلاء. فالله عز وجل قال هذا في الوكيل الذي يتوكل مال الأولياء، فكيف بمن لم يوكله أحد وإنما وكل نفسه، فيقوم ويأخذ من أموال الناس أو من أموال هؤلاء الأيتام، فهذا قد يدخل في قول الله عز وجل: «إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا سيصلون سعيرا». بسم الله عز وجل العافية. السلام. والحمد لله رب العالمين.