الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  175

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 175

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 175، ألقاها

مقدمة في شرح حديث القضاة الثلاثة

يبدأ الشرح بتوضيح حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن القضاة الثلاثة، مع التركيز على رواة الحديث ودرجة صحته. يُبرز المقطع تأثير تولي القضاء على حفظ بعض الرواة مثل شريك بن عبد الله النخعي.

تحذير العلماء من القضاء وبيان شدته

يتناول هذا الجزء تحذير العلماء من تولي القضاء بسبب شدته وخطورة تأثيره على حامل العلم، مشيرًا إلى ضعف حفظ بعض الرواة عند توليهم القضاء. يُظهر أيضًا صحة حديث "القضاء ثلاثة" وأهمية معرفة الحق في إصدار الأحكام.

أهمية الفقه في القضاء وخطورة توليه

يستعرض هذا الفصل قصة سفيان الثوري ومحاولة المهدي القبض عليه، ثم ينتقل إلى مناقشة خطورة القضاء وأهمية أن يكون القاضي عالمًا وفقيهًا. يشير إلى أن العلماء كانوا يفرون من القضاء لخطورته، ولكن إذا تعين أحدهم عليه أصبح فرضًا.

أقسام الناس يوم القيامة بناءً على أحكامهم الدنيوية

يفصل هذا الجزء الحديث النبوي الذي يبين مصير ثلاثة أصناف من الناس يوم القيامة بناءً على قراراتهم القضائية في الدنيا، مشيرًا إلى أهمية العلم والعدل في إصدار الأحكام. يُوضح أن من يقضي بالحق يُثاب، ومن يقضي بغير الحق يُعاقب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله -أبو داود صاحب السنن، واسمه سليمان بن الأشعث السجستاني، وهو حافظ كبير من حفاظ الحديث، من تلاميذ أحمد بن حنبل رحمه الله- على علم عظيم بعلم الحديث والفقه، ورتب كتابه هذا السنن على الأبواب الفقهية. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن حسان السمتي، وهو كوفي واسطي بغدادي، قال: له أبو جعفر البغدادي: أنا مات في الكوفة، أو في بغداد، وكان لباس به، وتكلم فيه بعض العلماء في حفظه. وقال الحافظ: صدوق، لين الحديث، على أن في حفظه شيء، لكن هذا الحديث قد توبع عليه كما سيأتي. قال: أخبرنا خلف بن خليفة -وخلف بن خليفة واسطي، أبو أحمد الأشعري- وخلف ثقة، إلا أنه لما ادعى أنه رأى عمر بن حريث، وعمر بن حريث صحابي، فادعى خليفة أنه رأى، وكثير من العلماء لم يقر بذلك. ولما سئل أحمد، فقال: لعله شبه عليه، أنه ليس هو كذاب، لكنه شبه عليه، ظنه أنه عمر بن حريث الصحابي وليس هو؛ لأن عمر بن حريث مات قديمًا. قال: علي بن هاشم -هو أبو هاشم الرماني، يقال له: يحيى بن دينار، وهو ثقة أو فوق الثقة- عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار». قال أبو داود: هذا شيء صحيح فيه -يعني حديث ابن بريدة: «القضاة ثلاثة»-. قال: هذا حديث حسن. والحديث أخرجه ابن ماجه، وأخرجه الترمذي بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل -محمد بن إسماعيل البخاري الإمام، صاحب كتاب المصنف المسند-. فهو الشيخ الترمذي، قال: حدثني الحسين بن بشر -والحسين يوثقه- قال: حدثنا شريك -وهو ابن عبد الله النخعي القاضي- قال: عن الأعمش -وهو الأعمش، هو أبو محمد سليمان بن مهران الكوفي رحمه الله- قال: عن سهل بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه به. قال: في الحديث بهذا السند يرتقي به الحديث الضعيف؛ لأنه من طريق شريك، وقد ساء حفظه لما ولي القضاء -أي شريك بن عبد الله النخعي- كان حافظًا، لكن لما ولي القضاء اشتغل بالقضاء، ومعلوم أن القضاء ليس بالهين، قضاء الناس يأتي من هنا وهنا، فالإنسان لا يستطيع أن يجمع بين شيئين، وخاصة إذا كان فيه حفظ. فالشريك لما ولي القضاء نسي كثيرًا من الحديث وخلط فيه، فلهذا قال العلماء: إنه ضعف، وساء حفظه لما ولي القضاء. قال الشيخ رحمه الله: ولكنه يشهد للآخر ويقويه، فيصير الحديث جيدًا إن شاء الله. فالحديث صحيح، وقد جاءت أيضًا له شواهد، منها حديث علي بن أبي طالب، من طريق أبي العالية، قتادة، عن أبي العالية -قال شعبة: قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث، وذكر منها حديث علي في القضاء: «القضاء في ثلاثة»-. وجاء كذلك من حديث أنس، والحديث بموسى. فالحديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: «القضاء ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار». وهذا الحديث أشد حديث على القضاء، وبهذا الحديث ترك كثير من العلماء والفقهاء القضاء ولم يتولوه؛ لأنه قال: «واحد في الجنة، واثنان في النار»، الذي في الجنة رجل عرف الحق فقضى به. وأعظم ما فيه هو آخر جملة فيه، وهو قوله: «ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار». فهذه الجملة هي التي تجعل القضاء أشد على الناس، وأيضًا أصعب على الفقهاء؛ لهذا كانوا يبتعدون منه، كانوا يبتعدون من القضاء، حتى أن العلماء كانوا يزهدون في من ولي القضاء -يعني يزهدون في علمه-. حتى قيل: الإمام أحمد سئل: أيهما أفضل عندك: وكيع أو عبد الرحمن بن مهدي؟ فقال: وكيع؛ كان له صاحب ولي القضاء فترك، وعبد الرحمن كان له صاحب ولي القضاء فلم يتركه. فجعل هذا علامة على تفضيل وكيع على عبد الرحمن؛ أنه كان له صاحب ولي القضاء فتركه -هو وكيع- وأما عبد الرحمن لم يتركه. وأيضًا مما يدل على شدة القضاء وأنه ليس بالعمر الهين، ما جاء في حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين»، من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين -وعلى أنه هلاك بغير أن يذبح، لكن يذبح بشيء وهو القضاء-؛ هذا لأنه هلاك للشخص، فلهذا هرب العلماء من القضاء. فهذا الحسن البصري هرب من بعض الملوك -ملوك بني أمية- أراد أن يوليه القضاء فهرب، حتى جلس في بعض الأماكن التي اختبأ فيها ثلاثين سنة، وهو مختبئ ما يريد أن يولى القضاء، رحمه الله عليه. وأيضًا كذلك سفيان الثوري رحمه الله هرب من المهدي -أخو هارون الرشيد- أراد أن يوليه القضاء فلم يوافق، فقال: لا، لا حيلة لك، لابد أن أوليك القضاء. فقال: عفني -ما أراد أن يعفيه- فقال: سأتيك غدًا حتى تهيأ. فلما كان الليل خرج من الكوفة. فلما كان الليل خرج من الكوفة رحمه الله. فكان من المهدي أنه طلبه وأرسل في طلبه، حتى قيل: إنه في مكة، فذهب بنفسه، وقال لأصحابه: ابحثوا عن سفيان الثوري في مكة، فإن لقيتموه فاصلبوه على الكعبة. فبحث وجاء بنفسه، وهذا من شدة حقده على هذا الإمام، فجاء بنفسه حتى أراد أن ينفذ إلى مكة. فكان سفيان وعنده بعض العلماء، فقال له: لا تفتضحنا، أنا إذا رأىك معنا سنتضرر أيضًا. فقام سفيان، وقام إلى الكعبة، وقال رحمه الله: أقسم على الله عز وجل أن لا يدخل مكة. فجاء الخبر قبل أن يدخل مكة: أنه أعلن بموته، مات قبل أن يدخل مكة؛ لأن الله عز وجل استجاب لسفيان، وقد أقسم على الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبر». فأقسم سفيان على الله عز وجل أن لا يدخل المهدي مكة فلم يدخلها. فلهذا كان العلماء يفرون من القضاء أيما فرار؛ لئلا أن يقعوا في مثل هذه المزالق الخطيرة؛ لأن الحكم ليس بالسهل، فقد يحكم الإنسان في أشياء يعرفها، لكن أشياء أحيانًا قد يجهل حكمها، فتجد بعض القضاة يتعجل في الحكم، يجتهد بدون علم بالمسألة، تجده جاهلًا بهذه المسألة فيجتهد فيها، وهذا أمر خطير. وقد تجد فيها حكم لله ولا يصيب حكم الله جل وعلا؛ بسبب أنه يجهله. فلهذا كان القضاء خطيرًا جدًا، لكن من كان فقيهًا وأفرغ وسعه فيه، فإنه يقول: يأتي بحكم الله عز وجل، وما لم يكن فيه حكمًا نظر فيه، وأيضًا كذلك اجتهد فقال به، فهذا ليس عليه شيء؛ إذا اجتهد الحاكم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد». فهذا إذا كان رجلًا عالمًا فقيهًا. وأما إذا كان رجلًا عنده شيء من الفقه ويجهل أشياء كثيرة، فهذا قد يقع فيما حرمه الله، وقد يقع في هذا القاضي الذي يقضي على جهل. فلهذا كما قلنا: القضاء في هذا الحديث اشتد هذا الأمر على العلماء، فلهذا ما كانوا يمكنون أنفسهم من القضاء، لهم أهلًا. لكن قال العلماء: إنه متى ما عين -مثلًا رجل تعين عليه أن يمسك القضاء، وليس هناك من يقوم مقامه- فتعين عليه أن يتعين عليه أخذ هذا القضاء، يكون فرضًا عليه؛ لأنه ليس هناك من يقوم مقامه. فلهذا كثير من العلماء مسكوا القضاء بسبب هذا، ومنهم من ألزم، وهو غالب العلماء يلزمون بالقضاء، فلهذا ما يستطيعون أن يفروا منه. فقال: «القضاء ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار». فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار -ظلم، وهو يعرف أن الحق على خلاف ما قضى به-، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار -ولو أصاب الحكم، فما جاء في بعض الروايات: ولو أصاب، لكنه قضى بجهل، ليس على علم، فهو أيضًا كذلك في النار-. فهذا ما يؤخذ من هذا الحديث، والله تعالى أعلم.

شاركنا على