الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 197، ألقاها
المقطع الأول يشرح حديث جابر بن سمرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي أيوب الأنصاري حيث أهدي للنبي طعام يحتوي على ثوم. المقطع الثاني يبين سبب اختيار النبي بيت أبي أيوب للإقامة لأنه من بني النجار أخواله.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الثوم والبصل قبل الصلاة بسبب رائحتهما الكريهة التي تؤذي الملائكة وبني آدم. يمكن التخلص من هذه الرائحة بالطبخ، وعدم حضور الجماعة بسبب أكل الثوم والبصل يعتبر رخصة حرمان.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم أكل الثوم والبصل، بل امتنع عنهما بسبب رائحتهما الكريهة لأنه كان يناجي الله تعالى. الحديث يبين أن النبي أجاز أكل الثوم والبصل لكنه امتنع عنهما لعدم رغبته في إيذاء الملائكة أو من يصلي معه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادي رحمه الله: مسند جابر بن سمرة رضي الله عنهما، وجابر بن سمرة يعتبر من المهاجرين، فهو يعتبر من بني صعصعة بن عامر، ومن قبائل الحجاز، فهو عامري كوفي. أنا عامري نزل الكوفة، يعتبر أعداده في الكوفيين، هو صحابي يعتبر من صغار الصحابة، أنا سنه مثل سن عبد الله بن عمر، وقد ردهما النبي صلى الله عليه وسلم في بدر أو في أحد، وأبوه صحابي أيضا. قال عبد الله بن أحمد في زوائد المسند -وزوائد المسند هي من المسند على مسند الإمام أحمد- لكن كيف تعرف أنها من الزوائد؟ إذا قال عبد الله أو لم يقل عبد الله: حدثني أبي، فمعنى ذلك أن الحديث ليس من المسند. إذا قال: حدثني أبي، فهو من المسند، وإذا ذكر حديثا عن رجل آخر -أي غير أبيه- فيقال: إنه من زوائد المسند. قال عبد الله بن أحمد في زوائد المسند: حدثنا أحمد بن إبراهيم، وهو كما ذكر الشيخ أبو علي الموصلي، قال ابن معين: لا بأس به، في رواية عن وثقة صدوق. فالشيخ عبد الله بن أحمد، أحمد بن إبراهيم هو أبو علي الموصلي، قال: حدثنا أبو الأحوص، وأبو الأحوص هو سلام بن سليم، سلام بن سليم الكوفي، قال: عن سماك، سماك هو ابن حرب. قد ذكرنا حاله في درس سبق، فسماك لا يعتبر حديثه صحيحا إلا أنه يضطرب في بعض الأحاديث، خاصة في روايته عن عكرمة بن عباس، فإنه اضطرب في أحاديث كثيرة، والظاهر أنه لم يحفظها. لكن خرج الإمام مسلم روايته عن جابر بن سمرة، وعن غيره لم يخرج عن عكرمة، وما البخاري فلم يرو له البخاري، لم يخرج أحاديث سماك بن حرب. قال: عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أهدي له طعام أصاب منه، ثم بعث بفضله إلى أبي أيوب رضي الله عنه، وهو خالد بن زيد، أبو أيوب الأنصاري، وهو نجاري من بني النجار من الخزرج، وهم أخوال النبي صلى الله عليه وسلم، أول ما نزل النبي صلى الله عليه وسلم نزل إليهم. قال: فأهدي له طعام فيه ثوم، فبعث به إلى أبي أيوب رضي الله عنه، ولم ينل منه شيئا، فلم ير أبو أيوب أثر النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام، فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن ذلك، فقال: إني إنما تركته من أجل ريحه. قال: فقال أبو أيوب: وأنا أكره ما تكره. قال: هذا حديث حسن. وأحمد بن إبراهيم شيخ عبد الله بن أحمد هو أحمد بن إبراهيم أبو علي الموصلي، قال ابن معين: لا بأس به، وفي رواية عنه: ثقة صدوق، كما في تهذيب التهذيب. قال: وقال الإمام أحمد، وقال الإمام عبد الله بن أحمد: حدثنا إبراهيم بن الحجاج الناجي، قال الشيخ: والثقة الدارقطني، قال: حدثنا حماد بن سلمة، هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، قال: عن سماك بن حرب به. أنا نفسي في سند أبي الأحوص، قالوا في آخره: أن أبا أيوب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لم تبعثوا إلينا ما لا تعقل؟ فقال: إنه يغنيني الملك. قال إبراهيم بن حجاج الناجي: وثقه الدارقطني، وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، قال: حدثنا حماد به، عن الحديث في المسند من طريق حماد بن زيد، وهنا ذكره الشيخ من طريق عبد الله بن أحمد عن رواية عبد الله في الزوائد؛ لأجل أنه من طريق أبي الأحوص. قال: وقال حدثنا أيضا إمام أحمد، قال: حدثنا بهزيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة به. وأبو كامل هذا الذي يروي عنه الإمام أحمد هو مدرك بن الفضيل، وليس أبو كامل الذي هو شيخ مسلم، أبو كامل الجحدري. قال: هذا حديث حسن؛ لأن حماد تكلم في حفظه، وأيضا كذلك سماك، سماك متكلم في حفظه، فحديثه ينزل عن رتبة الصحة إلى الحسن. قال: عن جابر بن سمرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أهدي له، إذا أهدي له طعام أصاب منه، ثم بعث بفضله إلى أبي أيوب رضي الله عنه. والظاهر أن هذا عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي أيوب؛ لأنه يوافق ما ذكره أبو أيوب كما جاء في صحيح مسلم: لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي أيوب، فكان أبو أيوب جعل النبي صلى الله عليه وسلم في أسفل، ثم حس أنه قد يأثم على ذلك؛ أنه فوق النبي صلى الله عليه وسلم، فأرجعه إلى فوق. لكن لما كان الناس يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أسفل، أسفل بيت أبي أيوب؛ لأن الناس دائما يدخلون عليه يستفتونه، وكذا فسيكون مضايقا على أبي أيوب؛ أنه دائما يمرون من عنده، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب الأنصاري. وإلا فكان الأنصار كل واحد منهم يريد أن يجلس عنده النبي صلى الله عليه وسلم، فاختار بيت أبي أيوب؛ لأنه من بني النجار، وهم أخواله. أن أجعلها النبي صلى الله عليه وسلم كالصلة له، وخرج عندهم؛ لأنهم أخواله، أخواله؛ لأن عبد المطلب أمه نجارية. فأنا هاشم لما ذهب إلى المدينة، هاشم عبد مناف تزوج في المدينة بامرأة من بني النجار، فولدت له عبد المطلب، إنه كان يسمى شيبة الحمد، ثم لما كبر جاءه أخواله، المطلب بعدما مات أبوه هاشم، ذهب المطلب إلى المدينة وجاء بابن أخيه، فلما رآه الناس رأوا معه ابن أخيه شيبة الحمد، فقالوا: هذا عبد المطلب. عبد المطلب ظنه عبدا له، فكان صار اسمه عبد المطلب، وهو لقب ليس اسما، وإنما هو لقب عبد المطلب، عبد للمطلب. ولهذا قال ابن حزم: لما قال إنه يحرم التعبيد لغير الله، حاشا عبد المطلب أخذه من معنى؛ لأنه ما قصد به أنه عبد للمطلب، لكن قصد المعنى أنه كان ظنه عبدا للمطلب، فلقب بذلك. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك عند بني النجار، عند بني النجار، فخرج عند أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، فكان أبو أيوب يخرج للنبي صلى الله عليه وسلم بالطعام أو يعطيه الطعام، قال: ثم يأتي بقية الطعام، فيأكل أبو أيوب من المكان الذي أكل منه النبي صلى الله عليه وسلم. وفي ذات مرة أعطاه طعاما، وكان فيه ثوم، فلم يأكل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فلما جاء لأبي أيوب بالطعام، رآه أنه إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكلم أو لم يأكل شيئا، فخاف أبو أيوب، خاف أن يكون اقترف شيئا. لماذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل؟ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: إن فيه ثوما، وإني أكره ريحا، فلهذا الظاهر أن هذا الطعام ممكن أن يكون مثل ما قال جابر بن سمرة: أهدي له، أهدي له. لكن في حديث أبي أيوب: إنه كان طعاما صنعه أبو أيوب نفسه، فقد يكون هذا، وهذا. أنا صنع طعاما فحصل له مثل هذا، وأهدي له طعام فلم يأكل لعجل هذا لعجل وجود الثوم فيه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يأكل الطعام الذي فيه بصل أو ثوما، وكان يقول: ﴿إِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجُونَ﴾، فلهذا فما كان يأكل الثوم والبصل، وليس من باب التحريم، وإنما لعجل هذه العلة، لعجل أن تكون هذه الريح فيه، فهو يناجي ربه جل وعلا، ويناجي الملائكة. وإن الملائكة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتعذى مما يتعذى منه بن آدم»، وإن الملائكة لتتعذى منه كما يتعذى بن آدم. لهذا «المسجد لا يأتيه إنسان أكل ثوما أو بصلا أو كرات»... وما جاء، فإصحاب المسلم في حديث عمر. وكان أنس أيضا يقول: كنا نطرد عنها طردا، أنا إذا أكل ثوما أو بصلا، فإذا وجد الرجل فيه ثوما أو بصلا أخرج إلى البقيع، أنا طرد من المسجد وأخرج. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الملائكة لتتعذى مما يتعذى منه بن آدم»، فلهذا لا يجوز المسلم أن يأتي إلى الصلاة وفمه فيه ثوم أو بصل، أنا إذا كان نيئا. أما إذا كان مطبوخا أو ناضجا معنا قد أماته في النار، وما قال عمر: «إن هاتين شجرتين خبيثتين»، فمن جاء إلى المسجد فليمتهما طبخا -يعني من أراد أن يأكل منهما وأراد أن يأتي المسجد فليمتهما طبخا- حتى تذهب هذه الرائحة. وأما إذا أكلهما بدون طبخ، فإنه إن بقيت الرائحة لا يأتي للمسجد، ولو قامت الصلاة. بعض الناس يقول لك الآن: ستذهب علي الصلاة، لا، هذه هذا هنا رخصة. لكن هذه الرخصة هل هي رخصة عذر أم رخصة حرمان؟ لأن الإمام الحطاب رحمه الله يقول: إن هذه ليست رخصة عذر، أن أكل البصل والثوم ليست رخصة عذر، وإنما هي رخصة حرمان. والفرق: أنه إذا كانت رخصة عذر سيتحصل على عذر، أنا الآن الإنسان إذا كان مريضا لا يستطيع أن يأتي إلى المسجد، عنده عذر، فهذا يؤجر، ولو لم يأتي إلى المسجد يؤجر، ولو صلى في بيته. لكن الذي يأكل ثوما أو بصلا فإنه على كلام الحطاب لا يؤجر؛ لأنه ليس عذرا، وإنما هو حرمان، رخصة حرمان الأجر، يعني أن يحرم أجر الجماعة، لماذا هذا؟ لأنه ليس بعذر، ليس عذرا شرعيا. ولهذا ممكن أن الإنسان يأكل مثلا بصلا أو ثوما، ولا يأتي الجماعة حتى ولو تعمد ذلك، فهو ليس بآثم، معنا إذا احتاج إلى أن يأكل ثوما أو بصلا في طعامي أو كذا، هو ليس بآثم، لكنه يحرم الجماعة، أنه يحرم أجر الجماعة، تذهب عليه. فلهذا قال العلماء: إن هذا رخصة حرمان؛ لأنه لو كان رخصة عذر لقيل: إنه لا يجوز أن الإنسان يأكل يتعمد الأكل يتعمد أكل البصل والثوم حتى لا يذهب إلى المسجد، فهذا قد يأثم إذا قلنا أن العذر هنا عذر أو أن الرخصة رخصة عذر. لكن كما قلنا كما قال الإمام الحطابي وغيره، واستحسنه أيضا الحافظ بن حجر والشوكاني: على أن هذه الرخصة هي رخصة حرمان، ليست رخصة عذر. فالمهم أن هذا الحديث فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يأكل هذا ليس على سبيل التحريم، وإلا فقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم وأكل على مائدته الثوم والبصل، فأجاز ذلك عليه الصلاة والسلام. وإنما هو الذي كان يمتنع عن الطعام أو عن أكل طعاما فيه ثوما أو بصلا، وقال: «إني أناجي من لا تناجون». وفي هذا أيضا الحديث فيه علة أخرى، قال: «إنما تركته من أجل ريحه»، فهذا ما يذكر الله تعالى أعلم.