الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 229، ألقاها
شرح حديث فضل الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وتوضيح صحة سنده ودلالته على فضيلة المسجد. الحديث يدل على أن الصلاة في مسجد النبي بألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام.
الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة وفي المسجد الحرام بمئة ألف صلاة. اختلاف العلماء في تفسير المراد بالمسجد الحرام بين كونه الكعبة فقط أو الحرم كله.
تفسير المراد بالمسجد الحرام في الأحاديث وتوضيح حكم الصلاة في مسجد آخر غيره. الأفضل هو الصلاة في المسجد الحرام الذي فيه الكعبة، ولا بأس بالصلاة في مسجد آخر عند الضرورة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال شيخنا مقبل الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه ومحمد بن يزيد بن ماجه القزويني رحمه الله: حدثنا إسماعيل بن أسد، وإسماعيل ثقة كوفي، قال: حدثنا زكريا بن عدي، وزكريا بن عدي يعتبر رقي جزر مولاه. وزكريا بن عدي قد وثقه أكثر الأئمة. وأما كلام أبي نعيم فيه فلا يقبل؛ لأن أبا نعيم كلامه في الجرح والتعديل غير مقبول عند الأئمة، ولهذا قال الذهبي: أما كلام أبي نعيم فهو تعنت. فذكر لما ذكر لابن نعيم زكريا بن عدي قال: وما عند زكريا بن عدي إنما يعرف التوراة. هذا كلام ليس صحيحا؛ أنه كان أبوه يهوديا ثم أسلم، وهو إمام محافظ من حفاظ الحديث، كان شهد له أئمة الإسلام كأحمد وابن معين ويعقوب بن المديني وغيره، فلهذا لا يؤثر عليه كلام أبي نعيم. ولهذا قال علي بن المديني في أبي نعيم وأسمان بن شيبة أو بن أبي شيبة، فقال: أثمان بن محمد بن أبي شيبة أخوه أبو بكر، قال علي بن المديني: فيهما من ذا الذي يرضى عنه؟ على أنهم كانوا ما يرضون عن أحد. فزكريا بن عدي ثقة صاحب سنة. قال: أنبأنا أبو عبد الله بن عمر، وهو الرقي أبو عبد الله بن عمر رقي، وهو أيضا جزر مولاه، كان أيضا في مكة، كان في مكة على عبد الكريم، وهو ابن أمية أو عبد الكريم بن عبيد الله الجزري. عبد الكريم بن عبيد الله الجزري في طبقته عبد الكريم بن عبيد المخاربي وهو ضعيف، وأما هذا فهو ثقة حافظ، هكذا وصفه بعض الحفاظ، فهو حديثه صحيح، ومن ثقات العلماء. وما ذكر فيه أن حديثه عن عطاء فيه شيء، وقد رد عليه الإمام ابن عدي في الكامل. قال: على عبد الكريم عن عطاء وابن أبي رباح إمام أهل مكة عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه». قال: هذا حديث صحيح، وعبد الكريم هو ابن مالك الجزر. ابن مالك الجزر قال: وخرجه الإمام أحمد، قال: حدثنا حسين يعني بن محمد المروزي وعبد الرحمن بن محمد الخطابي، قال: حدثنا عبيد الله يعني بن عمر الرقي عن عبد الكريم عن عطاء عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة». قال حسين: فيما سواه طيب. هذا الحديث فيه فضيلة مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ إذ هو بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. وهذا القدر قد جاء في الصحيحين الحديث بهريرة، رواه أنس بهريرة، عدة من الرواة منهم أبو عبد الله مسلم. العجمي من العجم، كذلك أيضا ضعفه غيره من الأئمة، فالحديث في الصحيحين أصله، لكن الحديث بهريرة، حديث جابر قد جاء أيضا هذا الحديث عن جماعة من الصحابة بمثل هذا، الحديث جاء في صحيح مسلم عن أم سلمة، جاء في صحيح مسلم عن أم سلمة، وفيه اختلاف سنذكره إن شاء الله تعالى. فهذا الحديث به فضيلة الصلاة في المسجد الحرام مكة، وكذلك المسجد النبوي، وأن الصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة فيما سواه، والمسجد الحرام بمئة ألف صلاة فيما سواه من المساجد. وهذه فضيلة عظيمة أن شخص يدرك مئة ألف صلاة بصلاة واحدة، هذا أجره عظيم، وليس هناك في كثير من الفضائل مثل هذه الفضائل التي صحت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أن الفضيلة عظيمة يصلي الرجل صلاة واحدة بألف صلاة في المسجد النبوي وبمئة ألف صلاة في المسجد الحرام، فهذه الفضيلة اقتصرت على هذين المسجدين. وجاء في المسجد الأقصى أنها بمئتين وخمسين صلاة، وصححها الشيخ الباني، وإن كان بعض العلماء يجزمون على أنه لم يصح فضيلة معنى عدد أو تقدير هذه الفضيلة في المسجد النبوي أو في المسجد الأقصى. وأما المسجد النبوي فقد ثبت في هذا الحديث كما قلنا، وقد جاء في الصحيحين، وكذلك المسجد الحرام قد ثبتت على حديث صحيح أنه بمئة ألف صلاة، وهذا كما قلنا فضيلة عظيمة. لكن هناك مسألة تدارسها العلماء وانتشرت كثيرا في هذا الزمن، وهي هل مقصود في المسجد الحرام هنا المسجد الكعبة الذي فيه الكعبة، أم أن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله؟ لأنه قد جاء في النصوص أن الله عز وجل ذكر المسجد الحرام وأراد الحرم كله، مثل قول الله عز وجل: ﴿فَلْيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ إن شاء الله آمنين، الله أراد المسجد الحرام أي مكة. وقال أيضا الله عز وجل: ﴿لَا يَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، لا يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وأراد المسجد الحرام هنا مكة. ولما ذكر الله عز وجل مكة قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا أَوْ قَالَ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لِلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، وهنا قصد المسجد الحرام، وهناك ذكره بمكة، وأراد مكة، وهنا ذكر مكة وذكر فيها هذا الأمن، فلهذا فجاءت النصوص في ذكر المسجد الحرام والمراد به مكة. وهذا الحديث فجاء من طرق كثيرة، ويذكر فيه المسجد الحرام مسجد الحرام، وجاء في صحيح مسلم في حديثه مسلمة الذي رواه عبد الله بن قارب أو إبراهيم بن عبد الله بن قارب عن ابن عباس عن ميمونة، عن ابن عباس عن ميمونة «ليس مسلمة عن ميمونة أنها قالت: لما سألها رجل عرابي عن الصلاة أو سأل رجل عرابي عن الصلاة في أنه نذر أن يعتكف في البيت العتيق، فقالت: سألوا من أم ميمونة، فقالت: قد سمعت رسول الله أو قالت له اعتكف هنا، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: صلاة في مسجد هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة، إلا مسجد الكعبة». فهنا ذكره مسجد الكعبة، فلكن هذا الحديث وإن كان في صحيح مسلم، لكن حصل فيه اختلاف شديد؛ لأن الإمام البخاري يقول أن ذكر ابن عباس خطأ، وإنما رواه إبراهيم بن عبد الله بن قارض عن ميمونة، وهو لم يسمع منها، وذكر بعضهم أنه قد سمع، وذكره بعضهم أيضا بلفظ المسجد الحرام، وكأنه تصرف بعض الرواة. فهذه الأشياء التي جاءت تدلنا على أن الحرام والمسجد الحرام يطلق هذا على هذا، أن يطلق مكة ويراد بها المسجد الحرام، ويقال مسجد مكة، ويقال المسجد الحرام، ويراد به مكة كلها، الحرم يراد الحرم كله. لهذا ذهب جمهور أهل العلم إلى أن خاصة الحنابلة عندهم أن الصلاة في المسجد الحرام أو أن الصلاة في أي مسجد في مكة تعدل الصلاة في المسجد مسجد الذي فيه الكعبة؛ لأن المراد الفضل هو الصلاة في مكة، والمقصود في مسجد الحرام هو مكة كلها. وذهب بعض العلماء إلى أن المراد هو المسجد الذي فيه الكعبة فقط. وتجد أيضا حتى في كلام بعض المعاصرين، فمنهم من رجح هذا كالشيخ الفوزان يفتي على أنه الصلاة في مساجد مكة كالصلاة في المسجد الحرام، والشيخ ابن العثيمين يفتي أنه في المسجد الذي فيه الفضيلة في المسجد الحرام خاصة الذي فيه الكعبة. والأفضل أن الإنسان يحرص إذا كان في مكة يحرص على الصلاة في المسجد الحرام، يحرص على الصلاة في المسجد الحرام الذي فيه الكعبة؛ لأن غالب النصوص المراد بها المسجد الحرام الذي يصلي فيه في الكعبة. أما هذه المساجد هي مساجد جديدة، غالبا نحن بنيت هذه المساجد حديثا. وأيضا مما استدل به أو استدل به بعضهم على أنها مكة كلها، قالوا: أن الحرم لم يكن كبيرا مثل الآن، على ما كان الحرم بهذا الوسع، فهو كان مسجدا صغيرا. ولو كان المراد بالمسجد الصغير فيقال أيضا أن ما زاد منه ليس داخل فيه. هذا استدل بهذا أو من باب الإلزام، من باب الإلزام، لكن ليس كذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر مسجده قال: مسجدي من هنا إلى البقيع، على أنه متى توسع المسجد يصار إلى نفس المسجد، والتوسع هذا يكون داخلا في فضل هذا المسجد. فالآن المسجد النبوي مسجد أيضا ليس مثل المسجد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الآن مسجد كبير جدا، فهل يقال أن الفضيلة في المسجد القديم فقط؟ فهذا ليس بصحيح، بل أكثر العلماء لعل كلهم يقولون أن الفضيلة في المسجد كله، ليس مقتصرة على المسجد القديم. فكذلك أيضا مسجد الكعبة، مسجد الحرام أيضا كلما توسع فهو داخل في المسجد. فالمهم أن هذه المسألة فيها إشكال من ناحية الأدلة، من ناحية الله أعلم ما هو الصحيح في هذه المسألة. لكن المسلم يحرص على الخير، يحرص على أنه يزيل هذا الإشكال عن نفسه؛ لأن بعض الناس مثلا إذا أخذ هذه الفتوى تجده دائما يصلي في المساجد القريبة، لا يذهب إلى الحرم، ويعتمد على هذه الفتوى، ويأتيه الكسل في أن يذهب إلى الحرم، يقول الحرم مثلا فيه زحام، فيه كذا، فيصلي في المسجد الذي بقربه. لكن إذا كان هناك اضطر الإنسان عنده مثلا بعض العجائز عنده مثلا شيء اضطره إلى أن يصلي في ذلك المسجد، أو احتاج إلى أن يصلي في ذلك المسجد لأنه يرجع إلى سكنه، فإن شاء الله على نيته. لكن أن يتعمد ترك المسجد الحرام وهو مسجد الكعبة، فهذا الأفضل أنه لا يفعل، والله أعلم.