الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 213، ألقاها
يبدأ المقطع الأول بتوضيح سند الحديث وشرح رجاله وتقييمهم من قبل علماء الحديث، مع مناقشة روايات مختلفة للحديث. يبين صحة الحديث لتوفر شواهده.
يناقش المقطع الثاني صحة الحديث وتطبيقاته الفقهية في تحريم المسكرات، ويرد على الحنفية في قولهم بأن الإسكار لا يكون إلا من التمر والعنب، مؤكدًا أن كل مسكر حرام.
المقطع الثالث يشرح تحريم النبيذ إذا اشتد وأصبح مسكرًا، ويوسع هذا التحريم ليشمل المخدرات والأدوية المسكرة مع استثناء بعض الحالات الطبية الضرورية، مؤكدًا شمول التحريم لجميع أنواع المسكرات.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادي رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا قتيبة وابن سعيد، ابن طريف، ابن جميل، أبو رجاء، اتفقوا في البغلان المصري، قال: أخبرنا إسماعيل -يعني ابن جعفر وهو ابن أبي كثير، أخو محمد، وكلاهما ثقة-، واسماعيل ابن جعفر هو أنصاري زرقي، قال: عن داود ابن بكر ابن أبي الفرات، وهو مدني ثقة، إلا أن بعض العلماء تكلم في حفظه، فلهذا قال الحافظ إنه صدوق، ولما سئل أحمد قال: لا أعرفه، وإذا كان لا يعرفه فليس هذا بجرح، وقد عرفه جماعة من أهل الحديث كابن معين وغيره، وأبو حاتم كذلك قال: لا بأس به، يعتبر به، وحديثه أقل أحواله أن يكون حسنًا، كما ذكر الشيخ. قال: هذا حديث حسن، رجاله رجال صحيح، إلا داود ابن بكر، وهو حسن الحديث. والحديث أخرجه الترمذي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث جابر، قال: عن داود ابن بكر ابن الفرات عن محمد بن المنكدر، ومحمد بن المنكدر هو إمام من أئمة الحفظ والعلم والتقوى، وهو حافظ يرجع إليه في أهل المدينة، لهذا كان الإمام أحمد يقول: أهل المدينة الضعفاء منهم إذا اضطرب أحدهم، قال: محمد بن المنكدر عن جابر، قال: يريد أنه له لكثرة رواية أهل المدينة عن محمد بن المنكدر، فإذا وهم الواهم فعصبه في محمد بن المنكدر، قال: عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». قال: هذا حديث حسن، رجاله رجال صحيح، إلا داود بن بكر، وهو حسن الحديث. والحديث أخرجه ترمذي، وقال ترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث جابر، وأخرجه ابن ماجه، إلا أن ابن ماجه أسنده آخر إسناد ابن ماجه، الظاهر من طريق دحيم معنا عن داود بن بكر. وقال ابن حبان: أخبرنا حاجب ابن أركين الحافظ بدمشق، قال: حدثنا رزق الله ابن موسى، قال: حدثنا أنس ابن عياط، قال: حدثنا موسى ابن عقبة عن محمد بن المنكدر به، قال: وهذا سند صحيح، فحاجب ابن أركين هو حاجب ابن مالك ابن أركين، ووثقه الخطيب، وقال الدارقطني: لا بأس به، كما في تهذيب التاريخ على تاريخ دمشق. ورزق الله ابن موسى ترجمته في تهذيب التهذيب، قال الخطيب: كان ثقة، فعلى هذا فالحديث صحيح، والحمد لله، إلا أن ابن ماجه رواه عن دحيم ابن رحمان إبراهيم الحافظ الدمشقي، رواه عن أنس ابن عياط، فقال: عن داود ابن بكر ابن الفرات. والظاهر أن رزق الله ابن موسى أخطأ، وأن أنس ابن عياط هو أبو ضمرة المدني، فالظاهر أن موسى ابن عقبة -أو أقصد رزق الله ابن موسى- جعله عن موسى ابن عقبة، وهو صاحب السيرة أو المغازي، وهو ثقة، وأن أنس ابن عياط دائمًا يروي عن موسى ابن عقبة، فالظاهر أنه أخطأ رزق الله ابن موسى فجعله عن موسى ابن عقبة، فلهذا فالحديث هنا الظاهر أنه فيه شيء من النكارة -أي أقصد الإسناد- في ذكر موسى ابن عقبة، وإنما هو داود ابن بكر ابن أبي الفرات، فالظاهر الإسناد الأول كما رواه ابن ماجه كما قلنا من طريق أنس ابن عياط، فلعله حصل خطأ في رواية رزق الله ابن موسى، وكتب المتأخرين غالبًا يحصل فيها الخطأ، يدخل فيها الخطأ؛ لأن الإسناد طويلة، وأيضًا كذلك اعتمادهم على الصحف أكثر من اعتمادهم على السماع. فالظاهر أنه هذا الذي وجد في ابن حبان هو فيه خطأ، إما من قبل رزق الله ابن موسى أو من قبل بعض النقلة، فخلاصة الأمر أن يكون الحديث من طريق داود ابن بكر ابن أبي الفرات، فهو حسن، لكن الحديث له شواهد كثيرة، وقد جاء أيضًا من حديث جابر أيضًا عن غير ابن المنكدر، من طريق ابن زبير، رواه أحمد والنسائي وابن ماجه. كذلك أيضًا جاء عن عائشة، وجاء عن سعد بن أبي وقاص، وعن نبي موسى، وجماعة من الصحابة، فالحديث لا شك في صحته. وهذا الحديث يعتبر قاعدة عند العلماء، قاعدة من قواعد الفقه، إنه قاعدة فقهية: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، إنما يقول العلماء هذا الحديث على أنه قاعدة، فكل ما يسكر كثيره فقليله حرام، وهذا فيه رد على الحنفية في قولهم: إن الشراب لا يكون حرامًا إلا إذا أسكر، وهذا الحديث فيه رد عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فملء الكف منه حرام»، فملء الكف منه حرام، فلهذا فكل مسكر أو كل شراب إذا شرب قليلًا لا يسكر، وإذا شرب كثيرًا منه أسكر، فهذا يعتبر حرامًا، فهذا يعتبر شرابًا مسكرًا. وأيضًا جاء بلفظ آخر: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»، «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»، رواه على عبد الله بن عمر، كذلك على عائشة، وعن غير واحد من الصحابة، وهذا أيضًا يدل أو يرد على الحنفية أيضًا في قولهم: إنه يجوز أن يشرب غير شراب العنب والتمر، إن الحنفية عندهم أن الإسكار ما يكون إلا من التمر والعنب، وهذا قول باطل، بل كل ما أسكر العقل فهو حرام، لا يجوز أن يشرب حتى النبيذ. ولهذا كان الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعملون أنبذة، وكان بعضها يسكر، مثل ما كان عند أهل اليمن من نبيذ البتع، ونبيذ المزر -نبيذ البتع يفعل من العسل-، ونبيذ المزر من الشعير، فأيضًا كان عند أهل مكة أيضًا أنبذة، نبيذ العنب، نبيذ التمر، وغيرها من الأنبذة، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن نبيذ البتع، قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». وجاء أيضًا في صحيح مسلم، قال: لما سئل عن البتع والمزر كما جاء في حديثه بموسى، فقال عليه الصلاة والسلام: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام»، «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». فلهذا النبيذ الذي يفعله كانوا أهل الكوفة يقولون إنه نبيذ مباح، والمراد ليس المحرم النبيذ، إنما المحرم النبيذ إذا اشتد وصار مسكرًا، أما النبيذ فهو شراب الناس، إنه يفعل اليوم واليومين والثلاثة إذا كان في الأماكن الباردة، وأما النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجعل النبيذ فوق ثلاثة، فإذا نبذ الشخص شيئًا في ماء -نبذ معنى وضع، طرحًا تمرًا أو عنبًا أو شعيرًا أو عسلًا أو غيره- وضعه في ماء ثم يتركه يومًا إلى الصباح فيشربه، فهذا النبيذ إذا تعقر فإنه يشتد وتظهر فيه النشوة. وأيضًا إذا شيء من هذه الطبقة التي تبيض هذه فتكثر ويتغير طعمها تغيرًا دائمًا، فهذا كله معنى ذلك أنه أسكر، إنه إذا شرب منه فقد يسكر، وقد يكون القليل منه لا يسكر لكن الكثير منه يسكر، فمدام أن الكثير منه يسكر فما أسكر كثيره فقليله حرام. وهذا الذي وقع فيه بعض أهل الكوفة أنهم كانوا عندهم النبيذ يشربون منه، بل بعضهم يسكر، معنى حتى يأخذونه إلى بيته، معنى كما نقل عن بعض المحدثين، لكن يقولون إن الإسكار إنما يكون بنبيذ العنب أو التمر، هذا مذهبهم. فخالفهم في ذلك بعض أهل الكوفة، كسفيان الثوري، وعبد الله ابن إدريس، وجماعة، وإلا أكثر أهل الكوفة يرون هذا، حتى وكيع، وعبد الله بن سفيان الرؤاسي كان يرى جوازه، فلهذا كما قلنا هذا الحديث فيه رد على أهل الكوفة: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وهذا أيضًا دليل على إسكار أو على تحريم المخدرات بأنواعها وأشكالها، وكذلك على تحريم بعض ما يكون مسكرًا من الأدوية من التي يكون فيها بعض القحول القحولات المسكرة كالإيثانول وغيره، فهذه تسكر، فإذا وضعت في الدواء فالذي يعرف أنه فيها مسكر لا يجوز أن يستخدم هذا الدواء، وخاصة بعض أدوية الصدر يضعون فيها القحول حتى يهدئ الإنسان، وإذا كان هذا من باب المسكر فهو حرام. أما إذا كان يطغى على العقل كله -معناه يطغى على العقل كله- معناه يكون الإنسان في غيبوبة، مثل البنج، فالبنج هو نوع من أنواع التي تخدر، فلكن ما يحصل نشوة منه ولا يحصل إسكار منه، وإنما يحصل أنه يغطي العقل كله، يذهب العقل كله، ولهذا أكثر العلماء على جوازه، على جواز استعماله للحاجة، حتى مثلًا مثل عمليات وغيرها. وأما ما كان يذكر العقل دون أن يغميه، ولا يستعمل للحاجة، فهو يعتبر خمرًا ومسكرًا، وهو حرام. كذلك أيضًا بعض الأشياء مثلًا إذا أكثر منها الإنسان، تذكره، كالقات وغيره، وبعض أنواع القات مسكر بنفسه، إن بعض أنواع القات أيضًا يذكر، وهو أيضًا في حرمته أنه مضيع للمال، وكذلك للوقت، وكذلك أيضًا للضرر الحاصل منه، من يبس البطن وغيره، أيضًا كذلك إذا كان مسكرًا فهو أيضًا أشد حرمة. فخلاصة هذا الحديث كما قلنا فيه رد على كثير من الفقهاء، أهل الكوفة، في مسائل الإسكار، وأيضًا فيه أنه كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، أي شيء يذكر فهو خمر، من أي صنف كان، من أي صنف كان، مدام أنه يذكر فهو خمر، وسواء كان صناعيًا أو طبيعيًا، سواء كان هذا المسكر صناعيًا أو طبيعيًا، مثلًا بعض الكحولات تجد أنها صناعية، يخلطون بعض المواد فيأتي منها هذا المسكر، هذا المسكر فهذا أيضًا يعتبر إسكارًا أو مسكرًا، لا يجوز استخدامه.