الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 203، ألقاها
يُثني الشيخ على الإمام أحمد بن حنبل ويذكر مكانته في حفظ الحديث، حيث كان يحفظ مليون حديث بأسانيدها والموقوفات والمقطوعات. كما يذكر موقفه في فتنة خلق القرآن ويُقارن ثباته بثبات أبي بكر الصديق في حروب الردة.
يُبرز أهمية معرفة الأصول في التحقق من صحة الحديث النبوي، حيث يذكر كيف أن العلماء مثل أحمد بن حنبل وابن معين كانوا يعتمدون على الأصول في كشف الأخطاء والروايات الضعيفة. يُوضح كيف أنهم كانوا يتحققون من الروايات عن طريق مقارنتها بالأصول المحفوظة.
يشرح حديث جابر بن سمرة عن اتكاء النبي صلى الله عليه وسلم على وسادة، ويبين أن الحديث صحيح ويوجد في صحيح مسلم، ويتحدث عن دلالة الاتكاء على الوسادة في أحاديث أخرى. ثم ينهي الحديث عن جابر بن سمرة العامري الكوفي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقل بن هاج الوادي رحمه الله: قال الإمام أبو داود رحمه الله، وهو سليمان بن الأشعث أبو داود السنجستاني، سليمان بن الأشعث بن بشير السنجستاني، وهو في بغداد -معنى جلوسه كان في بغداد- قال: حدثنا أحمد بن حنبل، وهو الإمام إمام أهل السنة أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله. قال علي بن المديني وقتيبة وغيرهم: أحمد في فتنته كأبي بكر الصديق في أهل الردة لما قاتلهم، فالبعض يقول أن موقف أحمد في الفتنة أفضل من موقف الصديق في الردة. فقيل لقتيبة هذا الكلام، فقال: صدق؛ لأن أبا بكر كان له أعوان وأحمد لم يكن له أعوان، أبو بكر كان له أعوان من الصحابة أيدوه على فكرة القتال، لكن أحمد لم يكن له أعوان، بل أكثرهم قد أعجب -معنى الذين عنده وأصحابه والذين معه- كان معهم في مقامه، فإنهم أعجب -كعلي بن المديني أبي الحسن رحمه الله- بزكريا، يحيى بن معين وغيرهم من أئمة الإسلام أجابوا، لكن أحمد لم يجب، هانت عليه نفسه، هان -هانت عليه نفسه- أن تذهب لأجل الإسلام، لأجل السنة، فلهذا تحمل ما جاءه من العذاب وصبر رحمه الله، حتى عوضه الله عز وجل بعد ذلك ورفع ذكره وصار إماما للسنة، إذا ذكر أحمد ذكرت السنة. قال رحمه الله: أخبرنا وكيع وأحمد بن حنبل، تجد أنه ثبت في كل شيء، وكيع في كل المشايخ، حافظ الحفاظ، الحديث لا يماريه أحد في حفظه، حتى قال أبو زرعة: لو حلفت أن أحمد يحفظ ألف ألف حديث لما حنثت. قالوا: كيف عرفت ذلك؟ أنا ألف ألف حديث -معنا مليون حديث- قالوا: كيف عرفت ذلك؟ قال: ذكرته على الأبواب، ذكرته على الأبواب، أنا ما عندك في باب كذا فيسرد ما عنده، ما عندك في باب كذا فيسرد ما عنده. والمراد مليون -ليس هناك مليون حديث لا- وإنما المراد معناه مليون حديث، أي حديث بأسانيدها، وكذلك الموقوفات والمقطوعات، عن من فوقه وغيرها من هذه الشواهد، أنا كان أحمد من أعرف الناس بكلام الصحابة، فضلا عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ما يذكر له شيء إلا وهو يعرفه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو من كلام الصحابة. ولهذا فإذا ذكر له شيء غريب استغربه، فقال: من الذي روى هذا الحديث؟ فيذكرون له مثلا روى فلان وفلان، فيعرف بعد ذلك أن هذا ليس من صحيح الحديث، ليس من صحيح الحديث. وهكذا ذكروا له حديثا -حديث للتعزية- حديث: «من عزى مصابا فله مثل أجره»، فنسبوه إلى سعيد بن أبي عروبة، قال: هذا ليس في كتب سعيد، من الذي روى هذا الحديث؟ فقالوا: رواه شعيب بن سحاق، فقال شعيب: إنما روى عن سعيد أو سمع من سعيد في آخر رمق -في آخر رمق- معنى آخر شيء، معنى سعيد قبل أن يموت سعيد بشيء قليل سمع منه شعيب بن سحاق، فمعنى ذلك أنه روى عنه بعد الاختلاط. فعرف أحمد أن هذا الحديث خطأ؛ لأنه يعرف كتب سعيد. ولهذا قال الإمام الذهبي رحمه الله، وكذلك أيده الحافظ بن حجر: أن أولئك قد شاهدوا الأصول، فلهذا يسلم لهم أولئك الأئمة كأحمد وابن معين وعلي بن المديني والبخاري وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم من أئمة الإسلام، قد شاهدوا أصول المحدثين، رأوا أصول المحدثين، فلهذا فهم أعرف بالحديث من غيرهم. أن تجد أنه ما يأتون إلى محدث إلا ويأخذون كتابه الأصل الذي عنده ويكتبونه، فإذا كتبوه ردوا له الأصل وعرفوا وحفظوا ما كان قد كتبوه، فإذا جاء لهؤلاء تجد أحمد وابن معين وغيرهم ينكرون أشياء تأتي مثلا عن عبد الرزاق، يقولون: هذا ليس في كتاب عبد الرزاق، من أين جاء بها عبد الرزاق؟ ولهذا كان يسأل أيضا الإمام أحمد عن أصحاب عبد الرزاق، يقول: من روى هذا عن عبد الرزاق؟ فقالوا له: ابن شبويه، أحمد بن شبويه، قال أحمد بن شبويه: إنما روى عنه بعدما عمي، أنا يعرف أنه روى عنه بعد ما اختلط أو تغير حفظه. كذلك أيضا ابن معين لما ذكروا له حديث: «عش شهيدا ومت حميدا أو عش حميدا ومت شهيدا وتبعث وحدك أو تبعث شهيدا أو كذا»، فهذا الحديث ذكروه لابن معين، فقال: على مئة من الإبل مقلدة، إن كان معمر حدث بهذا الحديث -كأنه يقول هذا أبدا- ليس في كتاب عبد الرزاق عن معمر، وقد رواه له أن عبد الرزاق حدثه عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أو عن سالم -أقصد عن أبيه- عن سالم عن أبيه. وذكروا ذلك لأحمد، قالوا: الله ما حدث بهذا؟ ليس هذا في كتاب عبد الرزاق، وما حدث به معمر؟ من أين عرفوا ذلك؟ لأنهم عرفوا الأصول. ثم ذكر أحمد أن هذا -قال هذا- حدثنا عبد الرزاق به عن -عن عبيد الله أو عن- عن العمري، عاصم العبيد الله، قال: إنما حدثنا به -يقول أحمد- إنما حدثنا به عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عاصم العبيد الله العمري عن سالم عن أبيه، وعاصم مضطرب الحديث وضعيف في حفظه، حتى كان ضعفه العلماء جدا بسبب فحش غلطه، فعرف العلماء -فعرف هنا أحمد وغيره- أن هذا ليس بصحيح. فلهذا كان أولئك عرفوا الأصول، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل. وقد كان أبو داود يسأل أحمد بن حنبل، وهو من تلاميذه، يسأله عن أسئلة، ولهذا خرج كتابا بعنوان «سؤالات أبي داود لأحمد بن حنبل» أو «للإمام أحمد»، قال: أخبرنا وكيع وابن الجراح -أبو سفيان الرؤاسي- قال: وأخبرنا عبد الله بن الجراح، وهو أخو وكيع، عن وكيع، عن إسرائيل. أنا كلاهما -أحمد بن حنبل وعبد الله بن الجراح- رووه عن وكيع، قال: عن إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سمرة، قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، فرأيته متكئا على وسادة، قد زاد ابن الجراح -عبد الله بن الجراح- زاد عن وكيع: على يساره. وأما أحمد بن حنبل، وكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة وجماعة، فلم يذكروا عن وكيع قوله: على يساره. قال أبو داود: رواه إسحاق بن منصور عن إسرائيل أيضا: على يساره، أنا ذكر: على يساره، أنا كان متكئا في الوسادة على يساره. قال: هذا حديث حسن، ولفظه: على يساره، قد زاد وكيع وإسحاق بن منصور -معنا وكيع- زادها في رواية عبد الله بن الجراح، وإلا أحمد بن حنبل وأبو بكر بن أبي شيبة لم يذكروا عنه زيادة: على يساره. قال شيخنا: وإسحاق -من فلينظر- أخالفهما من هو أرجح منهما وإلا فليقبل. قال: والحديث أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. بل هناك من روى هذا الحديث عن سماك، ولم يذكر أصلا هذا الشيء، أنا لم يذكر دخول جابر بن سمرة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو متكئ، قال: وروى غير واحد هذا الحديث عن إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سمرة: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة»، ولم يذكر: على يساره. ثم ساقه من طريق وكيع، عن إسرائيل به، وليس فيه: على يساره. رواه ظاهر من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، وقال: هذا حديث صحيح. هذا الحديث هو في صحيح مسلم، هذا الحديث أنا أخرجه الإمام مسلم من طريق إسرائيل كذلك، عن سماك، عن جابر بن سمرة، لكن ما ذكر مسألة الاتكاء هذه، وإنما ذكر قصة ماعز، هذه حصلت في قصة ماعز، لما جئ بماعز إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد زنى، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس. قال: فدخلت، قال جابر بن سمرة: فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ورأيته متكئا -أنا على وسادة- ثم قام وخطب الناس، وقال: «كلما غزونا غزوة دنبأ ناس كدبيب النمل خلفنا أو خلف من غزا»، أنا يقول نبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقول: أننا كلما خرجنا إلى غزوة هناك من يتخلف على النساء -وعنى يؤذي النساء بتخلفه- فيحصل مثل هذه الأمور يدب كدبيب النمل. فهذا الحديث كما قلنا أصله في صحيح مسلم، أصله في صحيح مسلم، وقصة ماعز في صحيح مسلم، فظاهر أن الحديث واحد، وإنما بعضهم يختصر اختصره، فقال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة»، من دخل على وسادة. وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيته وسائد، وقد جاء أيضا كذلك في حديث عائشة، في حديث النمرقة -وهو في الصحيحين- قالت: فشققتها وجعلتها وسائد، وجاء في رواية في صحيح مسلم قالت عائشة: فجعلتها وسادتين، اتكأ النبي صلى الله عليه وسلم بأحدهما أو قالت: رأيته النبي صلى الله عليه وسلم يتكئ في إحداهما -في إحداهما- إحداهما يعني إحدى هاتين الوسادتين. ففيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكئ، إذا كان في غير طعام، أيضا جاء في الصحيحين في حديث عمر، قال: لما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم رأيته متكئا على وسادة، أنا في حديث المشربة، أنا لما آل النبي صلى الله عليه وسلم على نسائه، جلس في مشربة -والمشربة غرفة ترفع فوق تجر أو في حضيض- فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا له مشربة وجلس فيها، فاستأذن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم على الباب، قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يكلمني بشيء، ثم قال عمر: فما صبرت، فقلت: أو استأذن من النبي صلى الله عليه وسلم حتى أجلس له النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل، قال: فرأيته على حصير، وفي جنبه وسادة أو قال: متكئا على وسادة، قد أثر الحصير على جنبه الشريف عليه الصلاة والسلام، قد أثر الحصير على جنبه عليه الصلاة والسلام. فلهذا فاتكاء النبي صلى الله عليه وسلم على الوسادة قد جاء عند في حديث كثيرة، حديث عدي بن حاتم كذلك ذكر أنه اتكأ على وسادة، فاتكاء النبي صلى الله عليه وسلم على الوسادة ثابت، لكن لم يكن يتكئ وهو يأكل، فقال: فصحيح مسلم: «أما أنا فلا آكل متكئا»، أنا في العاقل ما يأكل متكئا، لكن في الجلوس فإنه يجلس متكئا عليه الصلاة والسلام، ففيه أن الجلسة الاتكاء ليس فيها شيء من التكبر ولا شيء، ولو كانت كذلك لما فعلها رسول الله عليه الصلاة والسلام. فهذا خلاصة ما يذكر، وهو آخر حديث ذكره شيخنا في حديث جابر بن سمرة العامري الكوفي رضي الله عنه، من عامر من بني عامر بن صعصعة، فهذا آخر حديث ذكره رحمه الله، ثم سيذكر حديث جابر بن طارق بن عوف رضي الله عنه، فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.