الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 252، ألقاها
يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله حديثا عن الخوارج من سنن النسائي الكبرى، ويتطرق إلى إسناده ورجاله وطبعات الكتاب.
يفسر المقطع آية ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين بأنها تتحدث عن تحسر الكفار في الآخرة لرؤية المسلمين يخرجون من النار، بينما يبقون هم فيها.
يستمر الشيخ في تفسير آية ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين، موضحا أنها نزلت فيمن يخرجون من النار بعد عذاب، ويبين معنى عدم عمل خير قط.
يختتم الحديث السابق مع التأكيد على علم الله تعالى بكل شيء، مشددا على أهمية الإيمان به.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. ومن وآلما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام النسائي رحمه الله تعالى في التفسير، هذا تابع للسنن الكبرى. النسائي -أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي- رحمه الله له كتابان: كتاب السنن الكبرى، والسنن الصغرى، وهو الذي يسمى المجتبى. وقد أدخل الإمام ابن طاهر المقدسي في الأطراف المجتبى كذلك، تبعه المزي، لكن المزي أيضا يشير إلى الكبرى، يشير إلى السنن الكبرى كذلك، فكانت عند الناس السنن الصغرى، وهي المجتبى. يقال: إن النسائي اختصرها لبعض الأمراء، طلب اختصار السنن، فاقتصرها، وبقيت الكبرى زمنا لم تطبع. ولهذا كثير من مشايخ الكبار، كالشيخ الألباني، والشيخ أحمد شاكر، وشيخنا مقبل -إلا في آخر حياته- ما كانت عندهم موجودة، وإنما يعتمدون على تحفة الأشراف للمزي في الكبرى. لهذا الظاهر، هذا الإسناد ذكره الشيخ من تحفة الأشراف. وفي آخر حياة الشيخ رحمه الله طبعت السنن الكبرى، طبعت السنن الكبرى واخرجت، وهي مقسمة على كتب، ومنها كتاب التفسير، منها عمل يوم الليلة وغيره. فذكر هنا في التفسير، أي في الكبرى -السنن الكبرى- قال: أخبرني عثمان بن عبد الله، وهو من مشيخة النسائي، قال: حدثني محمد بن عباد المكي، وهو أيضا ثقة، قال: أخبرنا حاتم بن إسماعيل، وهو من رجال الستة، جاء عند البخاري، مسلم، الكتب الستة، قال: أخبرنا أبو الحسن الصيفي، وهو بالسين، عن يزيد بن صهيب الفقير، وهو تابعي ثقة، كان قد رأى رأي الخوارج ثم رجع عن ذلك الرأي، كما جاء في صحيح مسلم. والظاهر من الحديث نفسه، لكن جاء برواية أخرى هنا. يزيد بن صهيب الفقير، يقال: إنه قيل له الفقير ليس لفقره، وإنما لفقرة كانت في ظهره، كانت فقرة هكذا زائدة، فقيل له الفقير -معنى بفتح القاف- يزيد بن صهيب الفقير، وليس بكسرها -معنى ليس الفقير- وإن كان أنا نطقتها "الفقير" خطأ، وإنما بفتح القاف "الفقير" الذي معنى كما قلنا في فقرة زائدة. قال: كنا عند جابر بن عبد الله، فذكر الخوارج، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن ناسا من أمتي يعذبون بذنوبهم، فيكونون في النار ما شاء الله أن يكون، ثم يعيرهم أهل الشرك، فيقولون لهم: ما نرى ما كنتم تخالفون فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم، لما يريد الله أن يرى أهل الشرك أن يري أهل الشرك من الحسرة، فما يبقى موحد إلا أخرجه الله»، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الآية: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾، قال: هذا حديث حسن. فهذا الحديث في تفسير هذه الآية: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾، وهذا المعنى قد ذكره ابن جرير عن جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، ومنهم أنس، ابن عباس، وأسنده -أي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من طريق أبي موسى الأشعري، وفيه ضعف. وكذلك أسنده من حديث أبي سعيد، وهو قابل للتحسين. وأيضا جاء أسنده عن جماعة من السلف، كمجاهد، وإبراهيم النخعي، والضحاك بن مزاحم، وأيضا ضحاك صاحب ابن عباس، وغيرهم من السلف، فسروا هذه الآية بهذا الذي ذكره جابر هنا، وهو أن أهل الشرك عندما يروا بعض المسلمين في النار، فيقولون: ما نفعكم إسلامكم؟ أنا إيش نفعكم؟ لأن إسلامكم هذا الذي خالفتمونا به، أنتم في النار، ونحن في النار، أنتم في النار، ونحن في النار. قال: فيخرجهم الله عز وجل أن يخرج هؤلاء أهل التوحيد وأهل الإسلام الذين عذبوا بذنوبهم حتى امتحشوا، فصاروا حمما، وهم الجهنميون، كما جاء عن ابن مسعود: أن هذا المراد بهم الجهنميون، كما جاء أيضا في حديث جابر الذي في صحيح مسلم: هؤلاء الجهنميون. وناس أدخلوا النار بذنوبهم، بسبب ذنوبهم، ثم يخرجهم الله عز وجل، إما بالشفاعة، وإما بتوحيدهم وإسلامهم. فالمهم أن الله عز وجل لا يجعلهم في النار، يخرجهم من النار. فإذا أخرجهم، يتحسر الكفار، فيتحسرون على ذلك، ويقولوا: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾، أي يتمنون، فيقولون: لو كنا مسلمين؛ لأخرجنا، يقولون: لو كنا من المسلمين؛ لأخرجنا الله. فهذا هو تفسير هذه الآية، وهذا هو ما ذكره هنا جابر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإنهم لما يعذبهم الله عز وجل بذنوبهم، فيكونون في النار ما شاء الله أن يكون، ثم يرونهم أهل الشرك، فيعيروهم، أن يقولون: إيش نفعكم إسلامكم؟ نحن وإياكم في النار الآن، لماذا كنتم تخالفون فيه؟ أهل نفعكم تصديقكم وإيمانكم بالله؟ فلهذا بعد ذلك يخرج الله ليرى أهل الشرك من الحسرة، فيخرجهم الله عز وجل. فيبقى في النار الكفار، وأما من كان موحدا لله فيخرجه الله عز وجل، فيخرج أناس ليس معهم إلا التوحيد، ليس معهم من الأعمال شيء، كما جاء في حديث الشفاعة. فيخرج أناس لم يعملوا خيرا قط، والمراد لم يعملوا خيرا قط: أي لم يعرفوا بالعمل، لم يعرفوا بالخير، إنما عرفوا بين الناس بالشر. وهذا هو التفسير لهذه العبارة على الصحة، فسرها بذلك ابن المبارك وغيره، على أن هؤلاء لم يعرفوا بالخير. فيقال لهم: لم يعملوا خيرا قط، ليس على معناها الأصل، فهو لم يعمل خيرا قط، قد عمل أعمالا، مثل ما جاء في حديث أبي هريرة في الرجل الذي قال لأبنائه لما أدركه الموت وحضره الموت: قال: ما كنت لكم أبا، قالوا: خير أب. مع أنه قد قال في بعض الروايات: حضر الموت الرجل، لم يعمل خيرا قط، لم يعمل خيرا قط، أي لم يذكر بعمل الخير، أعماله. معناها عرف بين الناس بالشر، ومما يدل على هذا أنهم قالوا له: إنك كنت خير أبا لنا، فما يكون خير أب لهم إلا وهو يعمل لهم الخير، أنا حفظ أبنائه ورعاهم حتى قالوا فيه ما قال. قال: فإذا ميت فحرقوني بالنار، ثم ذروا نصفي في اليم ونصفي في الريح، فإن قدر الله عز وجل علي ليعذبني عذابا شديدا، إلى آخر الحديث. فشاهدنا هو قوله: إنه لم يعمل خيرا قط، مع أن له أعمالا. وهكذا جاءت في عدة أحاديث قوله: لم يعمل خيرا قط، والمراد به: أنه لم يعرف بالخير، عرف بين الناس بالشر، بالأعمال الشريرة. وكذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المرأة: «لا خير فيها»، لا خير فيها، أي أن خيرها ليس ظاهر، وشرها ظاهر. فلهذا هؤلاء الذين لم يعملوا خيرا قط، عندهم أعمال، لكن شرهم كان أكثر، حتى أنهم لم يعرفوا إلا بالشر. فهؤلاء يخرجهم الله عز وجل من النار بتوحيدهم لله سبحانه وتعالى. وهؤلاء الذين يسمون بالجهنميين، يسمون بالجهنميين، يخرجون من النار، وقد كانوا حمما، أنصاروا فحما سودا، فيعرفون بذلك، فيدعون الله عز وجل أن يذهب عنهم هذا السواد، فيضعون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يدخلهم الله عز وجل الجنة بعد ما ينبتوا؛ لأنهم قد امتحشوا من شدة حرق النار لهم. فهذا خلاصة ما يذكر في تفسير هذه الآية، فتفسيرها هذا على الصحيح، وهو قول أكثر السلف. ومنهم من قال: أي في الدنيا يتحسرون في الدنيا، لكن الصحيح أن هذه الآية في الآخر، في النار، عندما يخرج هؤلاء الذين قد عذبوا، فيخرجون من النار، فلا يبقى إلا المشرك، فيقول هؤلاء أهل الشرك: لو كنا من المسلمين؛ لو خرجنا، لو كنا من المسلمين؛ لو خرجنا. وهذا معنى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾. طيب، هذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.