الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 259، ألقاها
المقطع الأول يتناول سند حديث في مسند جبير بن مطعم مع ترجمة يزيد بن هارون ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، ويشمل تفاصيل عن شيوخهما وتلاميذهم ومعلومات تاريخية وجغرافية.
المقطع الثاني يشرح حديث النبي حول قوة قريش وذكائهم وحكمة رأيهم، ويبين أن الأئمة من قريش شرط كمال وليس شرط صحة، وأن العدل من قريش أو غيرهم يجب أن يتولى الحكم.
المقطع الثالث يشرح حديث النبي حول الخلافة في قريش، ويوضح أن المراد ليس اقتصار الخلافة على قريش، بل أن من يقيم كتاب الله ويكون عادلا يمكن أن يتولى الحكم، وأن طاعة الولاة واجبة حتى لو كانوا من غير قريش.
المقطع الرابع يذكر أن الحديث صحيح ورجاله من رجال الصحيح، ويوثق عبد الرحمن بن الأزهر كصحابي، ويشير إلى أن البزار أخرج الحديث في كشف الأستار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقل بن هاد الواد رحمه الله: مسند جبير بن مطعم رضي الله عنه، أو قال: في مسند جبير. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يزيد بن هارون. يزيد بن هارون هو أبو خالد الواسطي، إمام وحافظ من حفاظ الحديث من أهل واسط. واسط هذه الظاهر بناها الحجاج، بناها الحجاج بن يوسف، وكانت محلاً أو المكان الذي فيه قصره، وهي بين الكوفة والبصرة. وكان يزيد بن هارون من حفاظ تلك الناحية. كان الإمام أحمد يأتيه، وكان يزيد بن هارون في شيء من الدعابة، وكان يداعب أصحابه أحيانا، أن يمزح أحيانا في درسه، لكنه إذا رأى أحمد بن حنبل في الحلقة فلا يمازح، وهذا من هيبة الشيخ للطالب؛ لأنه يعلم أنه لا يحب مثل هذه الأشياء، وأيضا فيه جد حتى أن مرة كان يزيد بن هارون لا يدري أن أحمد موجود في الحلقة، فمزح، فتنحنح أحمد، تنحنح أحمد بن حنبل، فقال: من هذا المتنحنح؟ فقالوا له: أحمد، فقال: أحمد بن حنبل هنا، فترك المزاح. وكان حافظا كبيرا، يسرد أكثر من عشرة آلاف حديث في مجلس واحد. قال: أخبرنا ابن أبي ذئب، وهو محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب المدني القرشي، قال: عن الزهري. بعضهم العلم يقول: أن ابن أبي ذئب لم يسمع من الزهري سماعا، وإنما أخذه من كتاب، وبعضهم يقول: أنه عرض عليه، أنه عرض عليه أي أخذ أحاديث الزهري وعرضها عليه على الزهري، وهذه طريقته أهل المدينة. قال: أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري، وهو محمد بن مسلم بن عبد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري، من بني زهرة من قريش، قال: عن طلحة بن عبد الله بن عوف، وهو أيضا من زهري، وعمه عبد الرحمن بن عوف، وهو من طلحة الطلحات. أنا أحد من يسمى بطلحة، من كان من أهل السخاء، أنا عرف في زمن التابعين بعض من يسمى بطلحة، كانوا من أهل السخاء جدا، منهم طلحة بن عائشة أو عائشة بن طلحة، هو طلحة الطلحات، هو من قريش من بني زهرة كذلك، فعرفوا بالمكرمة والسخاء. قال: عن عبد الرحمن بن الأزهر، وهو عبد الرحمن بن الأزهر بن عبد عوف، أنا أخو، يقال: أنه أخو عبد الرحمن، ويقال: ابن أخيه، والظاهر أنه ابن أخيه، وهو صحابي صغير، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال: عن جبير بن مطعم، جبير بن مطعم النوفلي القرشي، ومعنى القرشي: نسبة إلى فهر بن مالك على القول المشهور أن فهر بن مالك هو قريش، فنسبت القبيلة إليه. قال: فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن للقرشي مثلي قوة الرجل من غير قريش، إن للقرشي مثلي قوة الرجل من غير قريش». فقيل للزهري: ما يعني بذلك؟ فقال: نبل الرأي. فقال: نبل الرأي، أي: عنده هنا، فسره الزهري بشيء من هذه القوة، عنده قوة ليست قوة بدن فقط، بل قوة أكثر شيء قوة رأي، أنا عندهم أهل قريش غالبا يكونون أذكياء وأهل رأي وأهل خبرة، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قدموا قريشا»، وقال: «قريش مقدمة مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم»، معنى أنها: أن قريش أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: قريش تكون قدوة أو على الناس في الخير في الشر؛ لأنهم عندهم ذكاء وعندهم حنكة ونبل رأي كما قال الإمام الزهري رحمه الله. فلهذا النبي صلى الله عليه وسلم جعل الأئمة من قريش، واعتبر ذلك كثير من أهل العلم شرطا، لكن ليست شرط صحة، وإنما هو شرط كمال، إن وجد فالعولى أن يكون من قريش، أن يكون من قريش، فإن لم يوجد القرشي الذي يحكم بكتاب الله، فإنه لا بأس أن يوضع غيره، وإلا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا الأمر في قريش، إن هذا الأمر في قريش ما أقام كتاب الله، ما أقام كتاب الله». فلهذا ما دام أنه وجد من يحكم الناس بكتاب الله عز وجل، فهذا الذي يقام، وإن كان ظالما وجائرا، فهذا لا يمكن، ولو كان قرشيا، ولو كان قرشيا، فإنه لا يمكن؛ لأنه رجل ظالم وفاسق. وإنما لابد أن يمكن العدل مكان العدل. وقد خطب معاوية رضي الله عنه الناس في أن هذا الأمر في قريش كما أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنكر على عبد الله بن عمر تحديثه بحديث القحطانيين. وقال: ما لي أرى ناسا يحدثون بحديث ليست في كتاب الله وليست في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن هذا الأمر في قريش». أخبر بذلك. قال العلماء: أن حديث عبد الله بن عمر لا يعارض هذا الحديث؛ لأن المراد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم: أن هذا الأمر في قريش ما أقاموا كتاب الله، وأيضا ما كانوا أهل عدل وأهل إسلام، فلا شك أنه مثلا يوجد من غير قبيلة قريش من يقود الناس، إذا لم يوجد من يكون قرشيا، أو يتغلب على الناس تغلبا على الناس بسيفه، فيمسك ذلك الحكم. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة الولاة: «ولو تأمر عليكم عبد حبشي، اسمعوا وأطيعوا، ولو تأمر عليكم عبد حبشي»، كأنه رأس، كأن رأسه زبيب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا ولو عبد حبشي»، أو لو عبد مثلا هو عبد، لكنه غلب بسيفه، مثل دولة المماليك، دولة المماليك هم عبيد أصلا، لكن تغلبوا على الناس وتغلبوا على الحكم، فصار حاكما، وبعضهم كان حاكما عادلا وأقام الدين، وأيضا هزم التتار المغول، كقطز رحمه الله وغيرهم، هزم التتار وهو من المماليك. فهذا قال العلماء: أن المراد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو تغلب إنسان وحكم الناس بسيفه، فلا بأس، فالواجب أنه يسمع ويطاع له، مدام أنه مسلما. فالشرط هذا كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله لما ذكر شروط الإمامة والخلافة، فالشرط هذا يعتبر شرط كمال، إذا وجد فهو أولى، وإذا لم يوجد فليس معنى ذلك أن الإمامة تتعطل، وأن الحكم يتعطل. فلهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا: «إن للقرشي مثلي قوة الرجل من غير قريش»، قال الزهري: نبل الرأي؛ لأنه عنده ذكاء وخبرة، أو عنده ذكاء أقصد، وأيضا عنده رأي، رأيهم غالبا يكون سديدا وأقرب إلى الصواب. وتجد كثير من الناس هكذا، بعض قبائل تمتاز بهذا الشيء، تجد أنهم ذو رأي، ولهم مثلا في الناس آراء في حلول مثلا أو في بعض الأشياء التي يختلف فيها الناس، وكذا فتجد لهم آراء صائبة، وهذا من فضل الله جل وعلا على الناس، أو على من كان أعطاه الله عز وجل هذه الصفة. قال رحمه الله: هذا حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح. وعبد الرحمن بن الأزهر صحابي شهد حنينا كما في الإصابة. والحديث أخرجه البزار كما في كشف الأستار.