الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 17

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 17

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 17، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حادثة شق صدر الرسول وتفاصيلها

يتناول المقطع حادثة شق صدر الرسول عليه الصلاة والسلام حيث أتى جبريل الرسول وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه وصرعه وشق قلبه. تم توضيح دور جبريل والملك الثاني في هذه الحادثة ووضع خاتم النبوة على ظهر النبي.

حكمة إزالة العلقة وتأثيرها

يشرح المقطع حكمة إزالة العلقة من قلب النبي محمد عليه الصلاة والسلام وتأثيرها على حياته، حيث أعد لتلقي الوحي منذ صغره ونشأ على النشأة الصالحة. إزاحة هذه العلقة كانت إشارة لهذه الحكمة العظيمة وبيان لرفيع قدره.

ختام وتأكيد على الصلاة والسلام

المقطع يشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويؤكد على علم الله تعالى. يُنهي النص بالصلاة والسلام على النبي ويعبر عن أن الله تعالى هو الأعلم.

  • 16 جمادى الأولى 1443هـ - 20/12/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فإننا في هذه المباحث من مباحث السيرة في ذكر حادثة شق الصدر التي وقعت لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وكان من المباحث الأولى في ذكر حالي وبياني المشككين في صحة هذه الحادثة، ثم النظر إلى أقوال المثبتين لهذه الحادثة بذكر تعدادهم لوقوعها، وكل فريق أدلى بحجته. وفي هذا المقام، وفي هذا اليوم بإذن الله، نقف إخواني في الله على حادثة شق الصدر التي وقعت في صغره عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي نريده، وهذا الذي نحن بصدده. وهي الحادثة التي تكاد تتفق كلمة العلماء على إثباتها لرسول الله عليه الصلاة والسلام. ونذكر الرواية التي جاءت في صحيح مسلم، إذ أنها جاءت مختصرة لهذه الواقعة. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج منه علقة - والعلقة هي القطعة من الدم - قال: فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه وأعاده في مكانه». ومعنى «ثم لأمه» أي جمعه وضم بعضه على بعض. قال: «ثم لأمه وأعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعني ظئره، والظئر هو بمعنى المرضعة - ظئره، أي مرضعته، يعنون بها حليمة السعدية، قالوا: يسعون إلى أمه - يعني ظئره - فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون». ومعنى منتقع اللون أي متغير تغير لونه عليه الصلاة والسلام على إثر هذه الحادثة. قال أنس: «فكنت أرى المخيط في صدره عليه الصلاة والسلام». فكنت أرى المخيط أي أثر الخيط والخياطة التي وقعت في صدره عليه الصلاة والسلام. هذا الحادث إخواني في الله، كما سمعنا، رواه مسلم، وهو يختصر الحادثة بطولها في هذه الأسطر. وهنا تأتي مسائل ننبّه عليها. أولى هذه المسائل إخواني في الله، هذه الحادثة وهي شق الصدر، هل هي خاصة برسول الله عليه الصلاة والسلام أم وقعت لغيره، على خلاف بين العلماء؟ فمن أهل العلم من يرى أن هذه الحادثة من خصوصياته، فلم يقع لأحد من قبله أن شق عن صدره إلا ما كان من أمر نبينا عليه الصلاة والسلام. ومنهم من قال: لا، هذه ليست من خصوصياته، إلا أن من خصوصياته ما كان من غسل القلب. غسل القلب هذا نعم، هذا لم يقع إلا له. ومن أهل العلم من قال: لا، هذا ليس من خصوصياته، إنما من خصوصياته ما كان من التكرار، ما كان من التكرار أي لم يعهد عن أحد قبله من نبي أو رسول أن غسل المرة الأولى والثانية تكرارًا وميرارًا هذا ما عهد. فهذه أقوال العلماء إخواني في الله في مسألة الخصوصية، هل الخصوصية في الشق أم الخصوصية في الغسل أم الخصوصية في التكرار؟ كذلك مسألة ما ذكره أو ما جاء في الحديث أن جبريل أخذ من قلب نمينة شيئًا، فقال: «فاستخرج منه علقة»، وقال: «هذا حظ الشيطان». ما هذه العلقة؟ قال العلماء: العلقة هذه تكون في قلوب البشر، وهي قابلة لما يلقيه الشيطان. ولهذا إذا أزيلت هذه العلقة من قلبه عليه الصلاة والسلام، إشارة إلى إذهاب حظ الشيطان من نبينا عليه الصلاة والسلام. إذن هذه هي العلقة. قد يقول قائل: إذا كانت العلقة بهذه المثابة وفيها الضرر على نبينا من حيث التدين والتعبد لربه واستقامته، إذن لماذا خلقت أصلا فيه؟ فليس من المستحيل على ربنا أن يخلق نبينا من غير هذه العلقة. قال العلماء: الجواب على ذلك من أقوالهم، الرد الأول والقول الأول، قالوا: لا، إن هذه العلقة هي أصلا من جسد الإنسان ومن خلقة الإنسان. فنبينا حاله كحال باقي البشر، خلقهم الله على أكمل هيئة وعلى أتمها، أي من حيث الخلقة البشرية الجسمانية. فكان وجود هذه العلقة من تتمة الخلقة، فما خلق نبينا ناقص الخلقة، وإنما خلقه على هيئة خلقة البشر. ولهذا وجدت هذه العلقة لأن من تمام الخلقة، ثم أزيلت. هذا الرد الأول. الرد الثاني، قال العلماء: لو افترضنا - على ما تذكرون - أن هذه العلقة أزيلت ولم تخلق أصلا في قلب نبينا عليه الصلاة والسلام، لم يطلع الناس على هذه الحادثة، والتي دلت أي حادثة الإزالة، والتي دلت على رفعة ومقام نبينا عليه الصلاة والسلام عند ربه. ما علمنا بهذا. لكن لما هذه الحادثة وقعت، فأزيلت العلقة، وتناقل الناس ما وقع لنبينا على يد جبريل عليه السلام من أنه أزاح هذه العلقة، صيانة لرسول الله، ظهر للجميع ما كان من عناية الرب ورعايته لنبيه منذ صغره. هذا كيف عرفنا بهذه الحادثة؟ لكن لو أنه خلق من غيرها، لما ظهرت لنا هذه الآية، ولما علمنا هذه الحكمة. فكان إيجاد هذه العلقة في جسده، ثم أنيطت عنه بعد ذلك، إشارة لهذه الحكمة العظيمة، وبيان ما كان من رفيع قدره وعناية ربه به عليه الصلاة والسلام. كذلك من مسائل هذه العلقة التي أزيحت، وهو من أثر شق الصدر لإزاحة هذه العلقة، ما أثرها؟ أي ما أثر هذه العلقة على حياته عليه الصلاة والسلام؟ قالوا العلماء: إن من آثار إزاحة هذه العلقة من جسده عليه الصلاة والسلام أولاً: أن النبي قد أعد لتلقي الوحي منذ صغره. ولهذا يقال عن هذه الحادثة أنها من الإرهاصات المبكرة لنبوته ورسالته. من الإرهاصات أي المقدمات المبكرة لنبوته ورسالته، بأن أنيطت عنه هذه العلقة لكي يستعد لتلقي الوحي، وأن يتلقى ما يأتيه من السماء. فهذه من آثار إزاحة هذه العلقة. والأثر الثاني كما يقول العلماء: أن ينشأ نبينا عليه الصلاة والسلام منذ نعومة أظفاره على النشأة وعلى الهيئة الحسنة. وهذا الذي صار، فإنه عليه الصلاة والسلام منذ صغره قد صانه الله في حياته، فما عرف عنه عليه الصلاة والسلام أنه سجد أو انحنى لصنم، مع كثرتها، هو أين يعيش؟ يعيش مع عباد الأصنام، مع عباد الأوثان، الذي ما من محل من بيت أو في حل أو ترحال أو في أماكن منيفة شريفة كالكعبة إلا وقد أحيطت بالأصنام. ومع ذلك سلمه ربه، فلم يحنِ ولا سجد لصنم، بل ومن عرف عنه أنه أكل ما ذبح على النصب، بل وحكايات كثيرة سيأتي معنا في ذكر حال شبابه عليه الصلاة والسلام، كيف أن الله وقاه من كثير من الأمور التي يقع فيها قومه، بل ومن كان في سنه، صانه الله وحماه. قال علماء: وإنما كان ذلك من إزاحة هذه العلقة، فكان من حكمة إزاحة هذه العلقة أن ينشأ نبينا عليه الصلاة والسلام النشأة الصالحة. ولهذا الكفار لما بعث عليهم نبينا، ما وجدوا عليه مغمزة، ما وجدوا عليه مطعنة أبدًا. لو فتشوا في مذكرات حياته - إن صح التعبير - لما وجدوا عليه خطأ أو قبح. لماذا؟ لأنه قد صون من قبل ربه من أن يقع مما قد ينتقد أو يؤخذ عليه، صلوات ربي وسلامه عليه. مسألة أخيرة إخواني في الله تتعلق بحادثة شق الصدر، ما الذي وقع أيضًا لنبينا في هذه الحادثة؟ الحادثة تدور على مسألة شق الصدر، وعلى استخراج القلب، وعلى الرمي وإزاحة وإزالة هذه العلقة، وعلى تغسيل القلب بماء زمزم بتسطل من ذهب، ثم إرجاع القلب. هذه أشياء متفق عليها في هذه الرواية. هل هناك أشياء كذلك تذكر؟ نعم، ذكر العلماء هناك أشياء، وهذا من خلال الجمع، الجمع لعدة روايات تدور على حادثة شق الصدر، يستفاد منها عدة أمور. من تلك الأمور خياطة الصدر. خياطة الصدر، كما أنه شق عن صدره عليه الصلاة والسلام، فإن صدره قد خيط. ويدل على ذلك ما جاء في رواية أحمد، أنه قال: «ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه، فخاطه». وقد يقول قائل: إذن هنا يدل على وجود شخصين، ورواية مسلم دلت على وجود جبريل عليه السلام لوحده. لا، روايات يدل على وجود شخصين قاما بشق الصدر. لكن في رواية مسلم، عندما قال نبينا: «أتاه جبريل فصرعه»، إنما ذكر جبريل لأنه هو الذي تولى هذه المسألة، هو الذي تولى مسألة الصرع ورميه، ثم شق الصدر واستخراجه. أما الآخر فقد كان وهو الشخص الأخوة، وهو ملك من الملائكة. وإن كان هناك من العلماء من حاول أن يتوصل إلى التعرف على الملك الثاني، لكن هذا ليس ما عندنا، روايات تسعفنا في هذا المقام. لكن الملك الثاني كان دوره الإعانة يعين، أما الدور الأساسي فكان ملقى على جبريل عليه السلام، فهو الذي تولى هذه الحادثة، الحادثة شقًا وهكذا غسلاً، فكان ذكره. وأما الملك الثاني فقد كان حاضرًا كما تدل كثير من روايات على وجوده. وهذا كما عندنا في إمام أحمد، فقال: «أحدهما لصاحبه: خطه، قال: فخاطه». وكذا رواية مسلم، عندما قال أنس: «فكنت أرى المخيط في صدره». فمسألة المخيط قد وقعت في حادثة شق الصدر. كذلك مما وقع لنبينا في حادثة شق الصدر أن وضع عليه خاتم النبوة. خاتم النبوة وهو الذي يكون بين الكتفين، كما جاء ذلك في أحد الروايات، قال: «وجعل الخاتم بين كتفين». وخاتم النبوة هي علامة جعلها الله لأنبيائه ورسله. وسيأتي معنا بإذن الله إذا أطل في الأعمار، إذا وصلنا إلى الشمائل المحمدية، نتعرف على هذه المسألة، ما هو الخاتم؟ وخلاصته عبارة عن لحمة ناتئة تكون في ظهر رسول الله، عليها شعر، عليها شعر. بعض يجعلها أنها تتصل بالقلب أو خلف القلب، خلفًا، يعني من ناحية الشمال خلف القلب مباشرة. ومنهم من يعبر أنها بين الكتفين. ومنهم من يقول: هي للكتف الأيسر أقرب، للكتف الأيسر أقرب، يريد أنها تقرب من القلب لكن من الخلف. وهذه خاتم النبوة. وكان بعض الناس يتعرف على نبوة نبينا من خلال الخاتم، من خلال الخاتم. أشهد أن الروايات تبين على أن هذا الخاتم وضع على ظهره عليه الصلاة والسلام في هذه الحادثة، كما في رواية أحمد، قال: «وجعل الخاتم بين كتفيه». وكما قلنا وسنأتي معنا بإذن الله. كذلك مما وقع لرسول الله في حادثة شق الصدر الوزن. الوزن، ما معنى الوزن؟ أي أنه وزن بأمته. وزن بأمته، فمن ذلك ما جاء في بعض الروايات، وقد ذكره شيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة، قال: «ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، قال: فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمئة من أمته، قال: فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألف من أمته، قال: فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: دعه عنك، فوالله لو وزنته بأمته لو وزنها عليه الصلاة والسلام». قال: «فوالله لو وزنته بأمته لو وزنها عليه الصلاة والسلام». وهذا كما قال يحسن الشيخ الألباني، دلالة على عظمة نبينا بإيمانه وتقواه لربه عليه الصلاة والسلام. وجاء كذلك في حديث عطية بن عبد، فقال أحدهما لصاحبه: «اجعل في كفة واجعل ألفًا من أمته في كفة»، قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا الألف فوق رأسي، أشفقت أن لا يخر علي بعضهم»، أي أن هذا الوزن حقيقي، وأن هذا بقدرة الله، أن الله جمع ألفًا من أمته، ونبي ينظر في حال الوزن، وأنه فوق بعضهم، حتى قال نبينا: إني خشيت أن أحدًا من الألف يسقط علي. وهذا لا شك أن هذا الوزن حقيقي، وهذا من علم الغيب الذي كشف لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث الأخير في مسألة الكفة، قال الألباني: رجاله ثقات، غير أن بقية قد عنعن، ولكن صرح بالتحديث في مستدرك الحاكم. مسألة رابعة أخيرة، وهي مما يذكر مما يذكر أنه وقع لنبينا في حادثة شق الصدر أرحتان، أنه ختن. ومن يقول بهذه المسألة يستدل بحديث أبي بكرة، والذي فيه أن جبريلا ختن النبي صلى الله عليه وسلم حين طهر قلبه، حين طهر قلبه، رواه الطبراني في الأوسط. لكن هذا الحديث، وهو أن النبي ختن في هذه الحادثة، لا يصح ولا يثبت. لهذا قال ابن كثير رحمه الله تعالى: قال: وهذا غريب جدًا. وقال الذهبي عن هذا الخبر: أنه خبر منكر. وقال شيخ الألباني رحمه الله تعالى: وهذا إسناد مظلم. وقد قام الجوزجاني رحمه الله تعالى بوضع هذا الحديث في الموضوعات، أي من الأحاديث المكذوبة على رسول الله. وهكذا أعله ابن عساكر بالجهالة، فكما ترى، ففئان من أئمة العلماء والجرح والتعديل والتحقيق على إعلال هذا الحديث. فما ثبت قط أن نبينا ختن في هذه الحادثة. والصحيح أن ختنه كان كعادة العرب، كعادة العرب في يوم سابعه، كما سنأتي معنا بإذن الله، على ما يذكره جماعة من أهل العلم. فهذه إخواني في الله خلاصة ما يذكر من حادثة شق الصدر وما تفرع عنها من مسائل. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.