الدرس في كتاب الطهارة 20، ألقاها
حديث صفوان بن عسال يبين مدة المسح على الخفين للمسافر والمقيم، وهناك خلاف بين أهل العلم في ابتداء مدة المسح.
يتناول المقطع شرح مدة المسح على الخفين للمسافر والمقيم، ويبين أن المسح يكون في الحدث الأصغر دون الأكبر.
المقطع يتناول مسألة فقهية تتعلق بمشروعية المسح على العمامة أثناء الوضوء، ويشرع مسح الخفاف بينما لا يجوز مسح الخمار أو الغترة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»: في كتاب الطهارة، في باب المسح على الخفين. وعن صفوان بن عسال، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم». أخرجه النسائي والترمذي واللفظ له، وابن خزيمة وصححاه. وهذا الحديث أخرجه النسائي والترمذي وابن خزيمة من طريق عاصم بن أبي النجود، عن زير بن حبيش، عن صفوان بن عسال. وهذا الحديث كما قال البخاري رحمه الله أحسن شيء في الباب. وعاصم بن أبي النجود فيه حفظه ضعف، لكن لا ينزل عن رتبة الحسن. ولهذا حسن الحديث جماعة من أهل العلم، وحكموا عليه بالحسن، ومنهم من صححه كابن خزيمة، ومن حبان، والنووي، ومن حجر، فالحديث ثابت. وفي هذا الحديث بيان المدة التي يمسح فيها المسافر، وهذا أيضا شرط من شروط المسح على الخفين. مرة معنا في الدرس الماضي ذكروا شرطين من شروط المسح، وهما أن يلبس الخفين على طهارة، نعم. والشرط الثاني طهارة الخفين. وهنا في هذا الحديث ذكروا كذلك شرطين، الثالث والرابع. أما الثالث، فهو أن يكون مدة المسح على هذه المدة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، ثلاثة أيام ولياليهن، يعني للمسافر. المسافر له أن يمسح على خفيه ثلاثة أيام بلياليها، يعني يمسح اثنين وسبعين ساعة. وأما المقيم، فيمسح يوما وليلة، كما سيأتي في الأحاديث الأخرى. إذا لابد أن يكون المسح في هذه المدة التي وقتها النبي صلى الله عليه وسلم، المسافر ثلاثة أيام بلياليها، والمقيم يوم وليلة. وعلى هذا، فمتى يبتدأ مدة المسح؟ في هذا خلاف بين أهل العلم في ابتداء مدة المسح. منهم من قال: أن ابتداء مدة المسح من أول حدث بعد لبس الخفين. من أول حدث بعد لبس الخفين، يعني مثلا لو لبس الخفين في الظهر، ثم أحدث في العصر، فيبتدأ مدة المسح من العصر؛ لأن هذا أول حدث بعد لبس الخفين. والقول الثاني: أن ابتداء مدة المسح من أول مدة لبس بها الخفين. أول ما يلبس الخفين يبتدأ حساب المدة من اللبس، يبتدأ من لبس الخفين. والقول الثالث: أن ابتداء مدة المسح من أول مسح على الخفين، من أول مسح على الخفين. وهذا القول الثالث هو القول الراجح، أن ابتداء المسح يكون من أول مسح على الخفين؛ لأن الأحاديث الواردة في المسح على الخفين فيها ذكر مشروعية المسح بذكر المسح، يمسح المقيم يوم وليلة، فجعل الحكم معلقا بالمسح، فيكون إذن ابتداء مدة المسح من أول مسح على الخفين. فهذا القول هو أرجح هذه الأقوال وأقواها، وهو قول الإمام الأوزاعي، وقول أبي ثور، وهو أيضا رواية عن الإمام محمد رحمه الله. ورجح ذلك الإمام النووي رحمه الله، قال: وهو المختار والراجح دليلا. وبه أفتى عمر رضي الله تعالى عنه، أنه يبتدئ مدة المسح من أول مسح على الخفين. وعلى هذا، فلو لبس الإنسان الخفين في الظهر، ولم يمسح عليهما إلا في العشاء، لم يمسح عليهما إلا في العشاء، فإنه يبتدئ مدة المسح من العشاء. يبتدئ مدة المسح من العشاء. فلو أنه يمسح إذا كان مقيما إلى اليوم الثاني في وقت العشاء، واضح. لبس الخف في المساء في الليل بعد صلاة العشاء مثلا، ولم يمسح عليهما إلا عندما استيقظ في الصباح، فإنه يبتدئ مدة المسح من الصباح إلى اليوم الثاني في الصباح. وهكذا يبدأ مدة المسح من أول مسح على الخفين. والشرط الرابع المذكور في هذا الحديث: أن المسح يكون في الحدث الأصغر دون الحدث الأكبر. قال: «إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم»، يعني إذا أصابت أحدنا جنابة، فلابد من نزع الخفين وغسل القدمين؛ لأن الواجب في غسل الجنابة تعميم الجسد بالماء. فدل الحديث على أن المسح على الخفين إنما يكون في الحدث الأصغر كالبول والغائط. وكذلك أيضا استفدنا من هذا الحديث بيان شرطان من شروط المسح على الخفين. أولهما: توقيت المسح بهذه المدة، أن يكون للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يوم وليلة. والشرط الثاني: أن يكون المسح في الحدث الأصغر دون الحدث الأكبر. وهذا الحديث استدل به كذلك أهل العلم على أن النوم ناقض للوضوء، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في الكلام على نواقض الوضوء في الباب الذي بعد هذا الباب. قال رحمه الله: وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «جعل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم»، يعني في المسح على الخفين. أخرجه مسلم. هذا الحديث يخبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام وقت للمسافر في المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يوما وليلة. ففي هذا الحديث كذلك بيان أن المسح على الخفين موقت بهذه المدة التي وقتها النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه كذلك رد على الروافض الذين ينكرون المسح على الخفين. وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، وممن يغلو فيه الروافض، وهو ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم مشروعية المسح على الخفين. وقوله: «يعني في المسح على الخفين»، هذه الجملة مدرجة في الحديث، ليست من قول النبي صلى الله عليه وسلم، إما أنها من قول علي رضي الله عنه، وإما أنها من قول الحافظ، أو من غيره من الرواة. وذكرت هنا من أجل التوضيح، وإلا فليست هي من قول النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وعن ثوبان رضي الله عنه قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب -يعني العمائم- والتساخين -يعني الخفاف-». رواه أحمد وأبو داود، وصححه الحاكم. والحديث رواه الإمام أبو داود رحمه الله في سننه، من طريق الإمام أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد وهو القطان، عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، وهو المقرائي، عن ثوبان. وأعلّ بعض أهل العلم هذا الحديث بالانقطاع بين راشد وثوبان، كالإمام أبي حاتم. إلا أن بعض الحفاظ أثبت سماع راشد لهذا الحديث من ثوبان، كالإمام البخاري رحمه الله. فعلى هذا، فالحديث ثابت. وقوله: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية، والسرية: القطعة من الجيش، تكون من خمسة فما فوق. وخير السرايا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أربعمائة. فأمرهم أن يمسحوا على العصائب -يعني العمائم- والتساخين -يعني الخفاف-. العصائب: ما يعصب على الرأس، فهي عمامة، كما قال إمام اللغة أبو عبيد القاسم بن سلام: أن العصائب هي العمائم. والتساخين: ما تسخن به الأقدام، كالخفاف ونحوها. ففي هذا الحديث مشروعية المسح على العمائم، وكذلك أيضا مشروعية المسح على الخفاف. أما العمائم، فهذا الحديث يدل على مشروعية المسح على العمامة. ومثل هذا حديث المغيرة في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الناصية والعمامة. وهكذا أيضا ثبت في صحيح الإمام مسلم من حديث بلال. وهكذا أيضا ثبت من حديث عمر، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة الثابتة في مشروعية المسح على العمامة. ولهذا فالصحيح: أنه يجوز المسح على العمامة وحدها، يجوز المسح على العمامة وحدها. وهذا القول قول جماعة من الصحابة، كما ذكر الإمام الترمذي رحمه الله، كأبي بكر وعمر وغيرهما. وقول الجماعة أيضا من السلف. بل رواية عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «من لم يكفيه المسح على العمامة فلا طهره الله». قال: قال عمر رضي الله عنه: «من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله». وذهب بعض الأئمة إلى أنه لا يمسح على العمامة وحدها، بل لابد من المسح على الناصية والعمامة؛ لحديث المغيرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الناصية والعمامة. قالوا: فلا يجزئ أن يمسح على العمامة وحدها. وهذا القول نسبه الحافظ رحمه الله إلى الجمهور، إلى جمهور أهل العلم. لكن الصحيح: أنه يجوز أن يمسح على العمامة وحدها؛ فقد ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام. وعلى هذا، فيكون كله سنة. لك أن تمسح على العمامة وحدها، ولك أن تمسح على الناصية والعمامة، ولك أن تمسح على رأسك إذا كان مكشوفا، كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله وغيره من أهل العلم. ومما يدل على ذلك أيضا هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا على العصائب -يعني العمائم-. وهل يشترط في العمامة أن تكون محنكة -أن يكون لها رباط تحت الحنك- هكذا؟ وأن يكون لها ذؤابة من الخلف؟ اشترط هذا بعض الفقهاء. والصحيح: أنه لا يشترط؛ لأن الأحاديث الواردة في مشروعية المسح على العمامة ليس فيها اشتراط ذلك. فما دام أن الشرع أطلق مشروعية المسح على العمامة، ولم يقيده بقيد، فإننا لا نقيد ما أطلقه الشرع، بل نبقى على إطلاقه. فكل ما يلبس على الرأس ويعصب به الرأس، فهو عمامة، فيجوز المسح عليه. وأما الغترة -مثل هذه المفتوحة الآن- غير معصوبة على الرأس، ولا معتمة على الرأس، فمثل هذه لا يمسح عليها؛ لأن العمامة معصوبة على الرأس، وما عصب على الرأس. أما مثل الخمار، أو الغترة هذه، وما كان مثلها، أو الكافية، فهذه لا يمسح عليها؛ لأنها ليست بعمامة، وأيضا لا يشرع مسح الرأس من تحتها. وكذلك أيضا قوله: «والتساخين يعني الخفاف». ومرة معنا أن المسح على الخفاف مشروع. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.