الدرس في كتاب الصيام 9، ألقاها
يتناول هذا الفصل حكم التقبيل واللمس والمباشرة للصائم، موضحًا أن صحة الصوم تتوقف على قدرة الصائم على التحكم في نفسه. نزول المني يفسد الصوم بينما نزول المذي لا يفسده على الراجح.
يبحث هذا الفصل في حكم الحجامة للصائم، حيث اختلف العلماء بين من يرى أنها تفطر ومن يرى أنها لا تفطر مستدلين بأحاديث نبوية. الجمهور يرى أنها لا تفطر بينما ذهب الإمام محمد وشيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنها تفطر.
يناقش هذا الفصل حكم من أفطر في رمضان ناسيًا أو مكرهًا، حيث لا يفسد صومه لما جاء في القرآن والسنة من إعذار المسلم في حالة الخطأ أو النسيان أو الإكراه. الإكراه على فعل ما يفسد الصوم لا يفسده.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقفنا عند قول المؤلف -رحمه الله- «أو قبل أو لمس أو أمذى» في ذكره لمفسدات الصوم. قوله: «أو قبل أو لمس أو أمذى»، مراده بذلك: إذا قبل الصائم أو لمس امرأته فأنزل، فسد صومه. هذه المسألة مسألة التقبيل في حال الصيام، إذا قبل الصائم، فله في ذلك ثلاثة أحوال. الحالة الأولى: أن يحصل منه التقبيل فينزل منه المني، أن يقبل فينزل منه المني، ففي هذه الحالة يفسد صومه في قول جمهور أهل العلم، وبعض العلماء نقل الإجماع والاتفاق على فساد صومه. وفي الحقيقة أن في المسألة خلاف، فابن حزم -رحمه الله- يذهب إلى عدم فساد صومه، يذهب إلى عدم فساد صومه إن لم يتعمده ذلك. وهكذا أيضًا العلامة الباني -رحمه الله- يرجح ذلك. لكن الجمهور -كما قلنا- على أن صومه باطل إن أنزل مع التقبيل. والدليل على ذلك حديث أبي هريرة، بقول النبي -عليه الصلاة والسلام- بقول الله جل وعلا: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي»، وإذا أنزل لم يدع شهوته، إذا أنزل لم يدع شهوته. الحالة الثانية: أن يقبل ولا ينزل منه المني، فهذا صومه صحيح باتفاق، صومه صحيح باتفاق. الحالة الثالثة: إذا قبل فنزل منه المذي -المذي ما يعني لزج يخرج عند المداعبة أو عند التفكير بالجماع ومقدماته- فإذا نزل منه المذي، ففي المذهب، في مذهب الإمام أحمد: أن صومه يفسد، أن صومه يفسد. وذهب جماعة من أهل العلم إلى صحة صومه، وأن صومه لا يفسد بنزول المذي، وهذا هو الصحيح، هذا هو الصحيح: أن الصائم إذا قبل فنزل منه المذي فصومه صحيح؛ لأن المذي ليس كالمني، فهو يختلف في كثير من أحكامه عن أحكام المني. إذن، يفسد الصوم إذا نزل المني مع التقبيل، وأما إذا نزل المذي فصومه صحيح على الصحيح، وإذا لم ينزل منه شيء فصومه صحيح باتفاق. وأما حكم القبلة للصائم، فهي جائزة لمن كان يملك نفسه، لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه». كان أملككم لإربه -إربه: رواية بالتحريك، ورواية بالسكون، ومعناهما كما قال الخطابي -رحمه الله-: هو حاجة النفس ووطرها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أملك لحاجة نفسه، وكذلك قضاء الوطر. فإذا كان الصائم على هذا الحال، يعلم من نفسه أنه يملك ماذا حاجته، ويملك نفسه عن الوقوع في المحظور إذا قبل أو باشر، فيجوز له المباشرة والتقبيل وهو صائم. وإن كان يعلم من نفسه أنه ما يملك نفسه، أنه ما يملك نفسه، فهذا التقبيل والمباشرة في حقه ممنوع سدًا لذريعة الوقوع في المحظور أو في إفساد صومه. قال: «أو لمس»، كذلك اللمس حكمه حكم التقبيل، التقبيل واللمس والضم وغيرها من ماذا أنواع المباشرة، كلها حكم حكم التقبيل. قال: «أو أمذى»، علمنا أن نزول المذي الصحيح أنه لا يحصل به الفطر، لا يحصل به الفطر. والقول بالفطر به هو مذهب الإمام محمد والإمام مالك، وعند أبي حنيفة والشافعي لا يفطر، وهو الصحيح. قال: «أو حجم أو احتجم عامدًا ذاكرًا لصومه فسد، وإن فعله ناسيًا أو مكرهًا لم يفسد صومه». الحجامة القول بالفطر بها هو مذهب الإمام محمد -رحمه الله-، مذهب الإمام محمد إلى أن ذهب إلى أن الحجامة تفطر الصائم، واستدل -رحمه الله- بحديث شداد بن أوس، وحديث ثوبان: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- رأى رجلين يحتجمان فقال: «أفطر الحاجم والمحجوم». والحديث رواه الإمام محمد وأبو داود وغيرهم من أهل السنن، فذهب إلى أن الحجامة تفطر، إلى أن الحجامة تفطر. ورجح هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وابن القيم، ومن المعاصرين العلامة وابن عثيمين -رحمهم الله-. وذهب الجمهور من أهل العلم، ومنهم مالك والشافعي وأبو حنيفة، إلى عدم الفطر بالحجامة، وإلى هذا القول ذهب جماعة من الصحابة، منهم ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وغيرهم، واستدلوا بعدم الفطر بها بحديث ابن عباس في البخاري: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو صائم»، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو صائم. وكذلك في الرواية: «احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم». وهذا الحديث هو عبارة عن روايتين جمع بينهما بعض الرواة كما نبه على ذلك الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في التلخيص. ولهذا بعضهم قال: الصحيح في هذا الحديث أنه احتجم وهو محرم. لكن الصحيح أن الحديث بكلا الروايتين صحيح: «احتجم وهو صائم»، وحديث آخر: «احتجم وهو محرم»، فجمع بينهما بعض الرواة فجعلهما حديثًا واحدًا، فكلا الحديثين صحيح. وكذلك أيضًا ما جاء في البخاري من حديث أنس: «أنه سئل: أكنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف». قال: «لا، إلا من أجل الضعف». وفي سنن أبي داود: «قال: ما كنا ندع الحجامة للصائم إلا كراهية الجهد»، يعني التعب، كراهية أن يتعب فيفطر بسبب ذلك. وفي سنن أبي داود عن رجل من أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه»، ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه، يعني كره لهم ذلك خشية المشقة عليهم. وفي حديث أبي سعيد: «رخص النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحجامة للصائم». وهذا الأثر رجح جمع من الحفاظ كأبي زرعة وأبي حاتم والترمذي وغيرهم وقفه على أبي سعيد. فبهذه الأدلة تدل على أن الحجامة لا تفطر، وأن حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» على صحته -وإلا فقد ضعفه بعض أهل العلم كما أشار إلى ذلك الزيلعي -رحمه الله- في نصب الراية- على تصحيحه فهو منسوخ بهذه الأحاديث الدالة على جواز احتجام الصائم. ومما يرجح ذلك -كما ذكر الإمام الشافعي -رحمه الله- في كتابه الأم، تبعه على ذلك جمع من العلماء كالبيهقي وغيره: أن حديث ابن عباس متأخر، حديث ابن عباس: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو صائم». وابن عباس رافق النبي -عليه الصلاة والسلام- في إحرامه في حجة الوداع، وحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» كان في فتح مكة، إذن فهو متأخر، حديث ابن عباس متأخر عن حديث شداد، إذن الراجح -والله تعالى أعلم- عدم الفطر بالحجامة. وهذا كما سمعنا قول جمهور أهل العلم. والأولى للصائم إن احتاج للحجامة أن يحتجم بعد الفطر، أولى له ذلك أن يحتجم بعد الفطر خروجا من الخلاف. وقوله: «عامدًا ذاكرًا لصومه فسد»، هذا يرجع إلى ما ذكر من المفسدات والمبطلات للصوم، يعني جميع المبطلات التي ذكرت: الأكل والشرب والجماع والاستمناء وهكذا التقبيل والمباشرة إلى آخره، كل هذه المفطرات يحصل بها الفطر إذا وقعت من الصائم على جهة العمد، إذا كان متعمدًا. لكن إذا وقعت خطأ فإنه يعذر، يعذر ولا يفسد صومه، لقول ربنا جل وعلا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. وفي الحديث: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وهذا الحديث إن كان ضعيفًا في سائر رواياته وطرقه، لكن معناه صحيح، ويؤيده كثير من الأدلة في الكتاب والسنة تدل على صحة معناه، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، فيدل على أن ما حصل على جهة الخطأ يعذر، يعذر فيه المسلم. كذلك الذكر، قال: «ذاكرًا»، يعني يقع منه هذه المفسدات وهو ذاكر أنه صائم، فإذا حصل على جهة النسيان فصومه صحيح، لو أكل أو شرب ناسيًا لم يفسد صومه، لحديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- في الصحيحين: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من نسي فأكل أو شرب وهو صائم فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». إذا نسي الصائم فأكل أو شرب فيكمل صومه، صومه صحيح، ويكون ما أكله أو شربه طعمًا وسقيًا من الله. لكن هذا إذا حصل على جهة النسيان، إنسان متعود مثلًا دائمًا في الصباح يذهب إلى الثلاجة فيشرب ماء، فذهب كعادته ونسي أنه صائم فشرب، صومه صحيح، صومه صحيح. لكن متى ذكر أنه صائم وجب عليه أن يخرج ما في فمه، أن يخرج ما في فمه. فإذا شربه بعد الذكر فإنه يفطر بذلك، فإنه يفطر بذلك، ولو كان ما شربه قليل، لو أنه مثلًا شرب كأسًا من الماء كبير وهو ناسي أنه صائم، ما بقي من هذا الكأس إلا شيء يسير تذكر أنه صائم، أنه صائم، فإذا قال: قد شربت هذا الكثير وما يضر بصومي، ما عسى أن يفعل هذا القليل، فشرب هذا القليل، فلو فعل ذلك فسد صومه؛ لأن ما شربه من هذا الكثير شربه وهو ناسي فهو معذور، لكن متى ما ذكر فهنا يؤاخذ بما فعله بعد الذكر. مثل الجماع، لو حصل الجماع كذلك على جهة النسيان، فالصحيح أنه يعذر، الصحيح أنه يعذر، الصحيح أنه يعذر. بعض أهل العلم قال: ما يمكن أن يقع الجماع وهو ناسي، كيف ينسى أنه صائم؟ لكن الصحيح أن هذا قد يقع، يعني مثلًا ينام شخص بعد الفجر من عادته أنه ينام بعد الفجر، فأتى أهله في هذا الوقت كالعادة وهو ناسي أنه صائم، فصومه صحيح ولا شيء عليه، هذا هو الصحيح بهذه المسألة. قال: «وإن فعله ناسيًا أو مكرهًا لم يفسد صومه»، كذلك إذا فعله ناسيًا، هذا كما ذكرنا، إذا حصلت جميع هذه المفطرات على جهة النسيان فلا شيء عليه. أو مكرهًا، أكرِه على الأكل والشرب، إنسان مثلًا مسلم أسير في يد الأعداء، أكرهه على الفطر، أكرهه على الفطر فأكل أو شرب، فصومه صحيح؛ لأن استعماله لهذا المفطر حصل منه على جهة الإكراه. والله جل وعلا يقول: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ﴾. وفي الحديث: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». فإذا حصل منه ذلك على جهة الإكراه لم يفسد صومه.