الدرس في خطر اللسان، خطبة جمعة 2 محرم 1429هـ بعنوان خطر اللسان ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اللسان نعمة عظيمة يجب شكرها بطاعة الله، وتحذير من أن يكون سببًا في الهلاك، حيث حث النبي على حفظ اللسان لضمان دخول الجنة. اللسان موضع خطير يمكن أن يكون سببًا في وقوع صاحبه في نار جهنم.
اللسان هو مصدر لكثير من الذنوب والمعاصي، مثل الكذب والغيبة والنميمة، وقد يؤدي عدم التحكم فيه إلى دخول النار، بينما حفظه يضمن دخول الجنة. يجب على المسلم مراقبة كلماته وتجنب الكلام الذي قد يؤدي إلى هلاكه.
يُنبه الإمام ابن القيم رحمه الله إلى خطورة اللسان ويحث على حفظه، حيث يمكن أن يهدم الحسنات أو يمحي السيئات، ويُقدم أمثلة من أقوال السلف الصالح مثل عمر بن الخطاب وابن عباس في محاسبة النفس وضبط اللسان.
يجب على المسلم أن يحافظ على لسانه وينظر فيما يتكلم به، فإذا كان مما يقرب إلى الله تكلم وإلا أمسك. أسأل الله التوفيق لما يحب ويرضى.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيماً﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار﴾. إن نعم الله جل وعلا علينا كثيرة لا تعد ولا تحصى، وإن من نعم الله جل وعلا ما سخره الله جل وعلا لعباده من هذه الجوارح، وخاصة جارحة اللسان. قال الله جل وعلا: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾، ويقول الله جل وعلا: ﴿ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين﴾. إن من نعم الله جل وعلا التي أنعم بها علينا نعمة اللسان، هذه النعمة العظيمة التي سخرها الله جل وعلا حتى تتقرب بها إلى الله، فتذكر ربك سبحانه وتعالى، فتكون ذاكرًا له بلسانك، كما أنك تكون ذاكرًا له بقلبك وجوارحك. تكثر من ذكر الله جل وعلا من قراءة القرآن، ومن تكبيره وتسبيحه وتهليله، ومن أمرٍ بالمعروف أو نهيٍ عن منكر أو غير ذلك مما يحبه الله جل وعلا ويرضاه. فلهذا عليك أن تؤدي شكر هذه النعمة بطاعة الله سبحانه وتعالى، وأن تحذر من أن يكون هذه الجارحة سببًا في هلاكك في الدنيا وكذلك في الآخرة. فإن اللسان، عباد الله، موضعٌ عظيم من المواضع التي تكون سببًا في هلاك أصحابها، وتكون سببًا في وقوعهم فيما يغضب الله سبحانه وتعالى. ولهذا حث نبينا عليه الصلاة والسلام على أن المرء لا يتكلم بشيء إلا يرى أنه خيرٌ يُقرِّبه إلى الله سبحانه وتعالى. «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، «من كان يؤمن بالله حق الإيمان ويؤمن باليوم الآخر فلا يتكلم إلا بخيرٍ، لا يتكلم بشيءٍ إلا يرى ويعلم أن الله جل وعلا يحبه ويرضاه، فإن كان كذلك فليتكلم وإلا فليسكت وليمسك لسانه». فإن ما من كلمةٍ يتكلم بها العبد إلا وهو محاسب عليها يوم القيامة. كما قال الله جل وعلا: ﴿ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد﴾، وكما قال جل وعلا: ﴿إن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون﴾، وكما قال جل وعلا: ﴿ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا﴾. إن اللسان أيها العبد إذا حفظته، فلقد حفظت بدنك وحفظت جسدك من أن يكون من الأجساد الهالكة التي تقع في نار جهنم، عياذًا بالله. ولهذا فقد ضمن النبي عليه الصلاة والسلام لمن حفظ لسانه فقد ضمن له دخول الجنة. «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة». انظروا عباد الله إلى هذا الضمان العظيم من النبي عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى، إنه إلا وحي يوحى، ضمن لمن حفظ لسانه وحفظ فرجه أن يدخل الجنة. وما ذاك عباد الله إلا لخطورة هذه الجارحة التي ربما تساهل كثير من الناس بها، فلا يبالي بما يتكلم ولا يبالي بما ينطق. وكذلك أيضًا أن كثيرًا من المعاصي والذنوب هي من اللسان، فالكذب باللسان، والغيبة باللسان، والنميمة، وشهادة الزور، والطعن، والسب، والشتم، واللعن، والقذف، إلى آخر ذلك من المعاصي والذنوب، فأكثرها من جارحة اللسان. فإذا حفظت هذه الجارحة، فقد ضمن لك النبي صلى الله عليه وسلم دخول الجنة. وإذا أطلقتها ولم تبالي بها، كانت سببًا في دخولك النار. كما جاء في سنن الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: «الفم والفرج». فلهذا ينبغي عليك أيها المسلم أن تحافظ على لسانك، وأن تراقب كلماتك، فلا تتكلم بكلمة لا تلقي لها بالا ولا تزنها بميزان الشرع، فتكون سببًا في هلاكك. «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها أبعد ما بين المشرق والمغرب»، وفي صحيح البخاري عنه رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالا تكون من سخط الله يزل بها أو تكون من سخط الله فيقع في نار جهنم أو كما قال عليه الصلاة والسلام». فانظروا عباد الله إلى خطورة هذه الجارحة، فكلمة تتكلم بها لا تلقي لها بالا ولا تتبين فيها تكون سببًا في دخولك النار. جاء في صحيح الإمام مسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال رجل والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان؟ فقد غفرت له وأحبطت عملك». وجاء في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كان رجلان من بني إسرائيل متحابين، فكان أحدهما مجتهدًا في العبادة والآخر مقصر، فمر المجتهد على صاحبه فوعظه أو نصحه، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبًا؟ فقال هذا المجتهد: والله لا يغفر الله لك، والله لا يغفر الله لك، فبعث الله جل وعلا إليهما ملكًا فقبض أرواحهما، ثم قال لهذا المذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال لذلك المجتهد الذي قال تلك المقالة: اذهبوا به إلى النار». قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: «تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته، تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته». فانظروا يا عباد الله إلى خطورة الكلام، إلى خطورة الكلام الذي ربما يتكلم به المرء وهو لا يبالي به. كم من الناس من ربما يقع في أمور عظيمة بسبب لسانه من شتم أو طعن أو سب؟ فذاك يسب الدين ولا يبالي، وذاك يسب الرب ولا يبالي، وذاك يطعن في عرض إخوانه ولا يبالي، وهكذا كلمات كثيرة تلقى ولا يبالى بها. إن اللسان عباد الله إذا لم يحافظ عليه المرء لربما كان سببًا في ذهاب حسناته، وفي ذهاب أعماله الصالحة التي عملها في الدنيا والتي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. كما جاء في سنن الإمام الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: ولكن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقدف هذا، وضرب هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرح عليه، ثم طرح في النار». انظروا عباد الله انظروا إلى هذه الحسنات العظيمة التي تذهب بسبب عدم حفظ اللسان. فينبغي عليك أيها المسلم أن تحافظ على لسانك كما أنك تحافظ على بدنك من أن يقع في شيء من الحرام من أكل للمحرمات أو ارتكاب للمحرمات. فكذلك عليك أن تحافظ على لسانك من أن يقع في شيء من المحرمات. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «والعجب ممن تراه يهون عليه حفظ نفسه من أكل الحرام ومن السرقة وشرب الخمر والزنا وغير ذلك، ويصعب عليه أن يحافظ على كلمات لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات العظيمة يتكلم بالكلمات العظيمة لا يتبين فيها، يزل بالكلمة أبعد ما بين المشرق والمغرب». وقال رحمه الله: «إن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه، ويأتي بسيئات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها بذكره لله سبحانه وتعالى». فعليك أيها المسلم أن تراقب لسانك، وكذلك أن تنظر في كلماتك التي تتكلم بها. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضى. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، لقد سمعنا شيئًا من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب حفظ اللسان وبيان خطر إطلاقه. ولهذا عباد الله فقد عني السلف رحمهم الله في حفظ ألسنتهم، وكذلك أيضًا في محاسبتها. فروى الإمام مالك في موطئه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه دخل على أبي بكر الصديق وهو آخذ بلسانه، فقال: ما يغفر الله لك؟ فقال: إن هذا أوردني الموارد. وكذلك روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «قل خيرًا تسلم، واسكت عن شر تغنم». انظروا عباد الله إلى هذه المحاسبة العظيمة من هذين الصحابيين الجليلين، أبو بكر رضي الله تعالى عنه خير هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، وعبد الله بن عباس حبر هذه الأمة وعالمها. انظروا كيف كانوا يحاسبون أنفسهم. قال الإمام الذهبي رحمه الله: «ينبغي للعالم أن لا يتكلم إلا بنية وحسن قصد، فإن أعجبه نطقه فليصمت، وإن أعجبه صمته فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه، فإنها تحب الظهور والثناء». وقال الإمام مالك رحمه الله: «ما أكثر أحد قط فأفلح». أي ما أكثر أحد من الكلام فأفلح، بل يقع فيما يغضب الله سبحانه وتعالى إذا كان الكلام فيما هو في أمور الناس. وهكذا قال ابن عون رحمه الله: «ذكر الناس داء، وذكر الله دواء». فقال الذهبي رحمه الله معلقًا على كلامه: «فالعجب منا ومن جهلنا كيف نرتكب الداء ونترك الدواء؟!». أي أن ذكر الله جل وعلا هو الدواء الذي ينبغي أن يحرص عليه المرء وأن يتمسك به، وأما ذكر الناس فهو داء ومرض. ولهذا أيضًا قال بعض السلف: «عالجت نفسي عشرين سنة على الصمت». وهكذا قال ذنون رحمه الله: «أصون الناس لنفسه أصونهم للسانه». وهكذا عبارات كثيرة عن سلف هذه الأمة في محاسبتهم لأنفسهم، وكذلك في المحافظة على ألسنتهم، لعلمهم بخطورة هذه الجارحة. ولهذا عباد الله، فمن أراد النجاة في الدنيا والآخرة، فعليه بالمحافظة على لسانه بأن يصونها عما يغضب الله جل وعلا، وكذلك عما حرم الله جل وعلا. «من صمت نجا». أي من سكت وأمسك لسانه فقد نجا. وفي سنن الترمذي أن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أن رجلًا قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، من نجا؟ قال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكي على خطيتك». وفي سنن الترمذي عن سفيان بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف علي؟ قال: فأخذ بلسان نفسه وقال: هذا». أي أخوف ما يخاف عليه هو اللسان. فلهذا أيها المسلم احرص على المحافظة على هذه الجارحة العظيمة، فإنك إن حفظتها فلقد حفظت سائر جوارحك. قال يونس بن عبيد رحمه الله: «خصلتان إذا حافظ عليهما العبد فقد حافظ على سائر عمله: الصلاة واللسان». فينبغي عليك أيها المسلم أن تحافظ على لسانك، وأن تنظر فيما تتكلم به وتنطق، فإن كان مما يقربك إلى الله تكلمت به، وإن كان مما يغضب الله أمسكت عنه. أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.