الصحيح المسند من أسباب النزول  13

الصحيح المسند من أسباب النزول 13

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول آية الحيض وأحكام معاشرة الحائض ومخالفة اليهود

يوضح المقطع سبب نزول آية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ حيث كان اليهود يعزلون الحائض، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمباشرة كل شيء إلا الجماع. ويروي موقف الصحابة الذين أرادوا مجامعة الحائض لمخالفة اليهود فغضب النبي، ثم أرسل إليهما هدية لبن ليبين عدم الغضب الشخصي.

غضب النبي لله ووسطية الشريعة في أحكام الحيض وبداية تفسير آية الحرث

يشرح المقطع أن غضب النبي كان لله لا للنفس، مبيناً وسطية الأمة في معاملة الحائض ووجوب مخالفة الكفار. ثم يشرع في تفسير آية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ مبيناً إباحة الجماع في الفرج كيف شاء الرجل، والنهي عن إتيان الدبر والجماع في الحيض.

تفصيل تفسير آية الحرث والرد على جواز إتيان النساء في أدبارهن برواية جابر وأم سلمة

يفصل المقطع الفرق بين روايتي جابر وأم سلمة في سبب نزول آية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾، مبيناً مزاعم اليهود حول الحول والتجبية، وإباحة الآية للجماع في الفرج من أي هيئة. ويناقش تضعيف حديث أم سلمة وتقوية حديث جابر، ويرد بقوة على من زعم إباحة إتيان الدبر مستدلاً بأقوال ابن عباس والشوكاني وابن كثير.

نفي نسبة إباحة إتيان الدبر إلى ابن عمر وإثبات تحريمه بالأدلة الصحيحة

ينفي المقطع صحة نسبة الفتوى بإباحة إتيان النساء في أدبارهن إلى ابن عمر مستدلاً بإنكار نافع مولى ابن عمر لذلك. ويوضح أن المراد بالآية موضع الحرث (الفرج) لا الدبر، ويسوق أحاديث وآثاراً صحيحة عن ابن عمر والصحابة تدل صراحة على تحريم هذا الفعل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": قوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾. قال الإمام مسلم رحمه الله: وحدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا ثابت، عن أنس، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يواكلوهن ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا. فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما، فعرفا أن لم يجد عليهما. أخرج الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وأحمد، والطيالسي. ومعنى هذا الحديث: أن المدينة لما هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم كان يسكنها اليهود مع المسلمين من الأنصار، فكان اليهود إذا حاضت المرأة فيهم - والحيض معروف يأتي النساء، أمر كتبه الله عليهن، فيخرج من المرأة دم في الشهر مرة، تمكث على حسب عادتها ستا أو سبعا أو أكثر أو أقل، ثم ينقطع منها هذا الدم، ويخرج هذا الدم من فرجها - كانت اليهود إذا حاضت المرأة فيهم لم يواكلها ولم يجامعوها في البيوت، يعني لم يخالطوهن، المراد بالمجامعة في البيوت يعني المخالطة بهن، فكانوا يعزلونها تماما عن الناس، وهذا من الأغلال التي كانوا عليها، ومن الغلو، فيعاملونها معاملة القذر النجس، فلا يجالسونها ولا يآكلونها ولا يختلطون بها، بل يعزلونها عن الناس. فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن فعلهم ذلك، لأن هذا أمر علمه المسلمون عن اليهود، فسأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك الفعل، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ﴾، يعني عن الحيض، ﴿ قُلْ هُوَ أَذًى ﴾، لأنه ذم، قذر، نجس، بل نجاسته مغلظة وشديدة، ﴿ فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾، فما المراد بـ "اعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ"؟ هل المراد به عدم الجلوس معها والاختلاط بها، أو يراد به شيء آخر؟ فسر ذلك أو فسرت ذلك السنة، فسرت ذلك السنة، فقال صلى الله عليه... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، والمراد بالنكاح هنا الجماع، والمراد بالنكاح هنا الجماع، بمعنى أن المسلم يفعل مع المرأة الحائض كل شيء، ما عليها إلا أن تتسرول، ثم له أن يفعل ما يريد، ليس الجلوس معها فحسب أو الأكل معها فحسب، بل حتى مباشرتها، فإن ذلك يجوز، وقد جاءت السنة العملية بذلك، فكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر نساءه أن يضعن ثوبا ثم يباشرهن، عليه الصلاة والسلام، فهذا معنى قوله: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، إلا الجماع، فإنه لا يجوز، لا يجوز أن يجامع الرجل زوجته وهي حائض، أما ما هو دون الجماع من كل شيء فيجوز له ذلك. فبلغ ذلك اليهود، علم اليهود بما قال عليه الصلاة والسلام وبما أنزل عليه، فقالوا: ما يريد هذا الرجل، يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، أن يدع من أمرنا شيئا، يعني من ديننا أو من اعتقادنا أو من أعمالنا أو من عاداتنا شيئا إلا خالفنا فيه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتحرى مخالفة اليهود، فقال: «أعفوا اللحى وخالفوا اليهود»، وخالفوا اليهود، وهكذا: «اصبغوا، فإن اليهود لا تصبغ»، وهكذا: «صلوا في النعال، فإن اليهود لا يصلون في نعالهم»، وكم من الأحاديث التي وردت في مخالفة النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الكتاب، فلذلك قالوا: حتى في هذا الشيء خالفنا، فهذا الرجل لا يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. وللأسف الشديد أن في هذا الزمان انقلب الأمر، فأصبح المسلمون ما يسمعون بشيء عن الكفار من اليهود والنصارى إلا اتبعوهم فيه، ليس خالفوهم بل اتبعوهم، رأوا موضة في قصة شعر أو في لبس ثوب أو في مشية أو في لباس أو نحو ذلك، سرعان ما يقلدون هؤلاء الكفار، مع أن المسلم مأمور بمخالفة المشركين، بمخالفة المشركين، فإلى الله المشتكى. قال: فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر، وهما أنصاريان، فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، يعني أن هذا الرجل ما يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ والمراد بقولهم "نجامعهن" يعني من المجامعة، يعني أن تجامع المرأة وهي حائض، فالله عز وجل نهى عن مجامعة المرأة، وهذان الصحابيان - حتى والله أعلم كانت نيتهما حسنة - فهم يريدون بهذا المبالغة في مخالفة اليهود، لأن اليهود كذلك كانوا لا يجامعون الحائض، مع كونهم لا يجالسونها ولا يخالطونها، فمن باب أولى أنهم كانوا ماذا؟ لا يجامعونها. فجاء الإسلام وأبطل ما كانت عليه اليهود من عدم المؤاكلة والمخالطة، بقي ماذا؟ المجامعة، فوافق الشرع ما كان عليه اليهود في ذلك، فالله أعلم أراد هذان الصحابيان المبالغة في مخالفة اليهود، فقالوا: أفلا نجامعهن أيضا وهن حِياض؟ أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أنه عليه الصلاة والسلام غضبا، لماذا غضب؟ لأن الله عز وجل يقول: ﴿ فَلَا تَقْرَبُوهُنَّ ﴾، وهذان الصحابيان يقولان: أفلا نجامعهن؟ ففيه شيء من المعارضة، ولا شك أن هذا مما يذم، فلذلك غضب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتغير وجه رسول الله حتى ظننا أن قد وجد عليهما، يعني غضب عليهما غضبا شديدا، فخرجا، خلاص ذهبا من عند النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فاستقبلتهما هدية من لبن، بمعنى لما خرجا جاءت هدية للنبي عليه الصلاة والسلام، كأنهما هم خرجا والهدية دخلت على النبي عليه الصلاة والسلام، فهذه الهدية كاستقبال لهما، فأرسل في آثارهما، يعني النبي عليه الصلاة والسلام أرسل من يعطي هذين الصحابيين اللبن هدية، فعرفا أن لم يجد عليهما، فعرفا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن غاضبا عليهما، لأنه لو كان غاضبا عليهما لما أهداهما ولما أكرمهما، وهذا من حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، فأنه إذا غضب ما يغضب لنفسه، إنما يغضب لله، لماذا تغير وجهه؟ ليس لأمر يتعلق بذاته وشخصه عليه الصلاة والسلام، إنما لأمر يتعلق بالشرع والدين، فلذلك تغير وجهه وغضب عليه الصلاة والسلام. هذا هو معنى هذا الحديث، وهذا هو سبب نزول هذه الآية، والحديث فيه فوائد: من فوائد هذا الحديث وسطية هذه الأمة من بين الأمم، وهو معنى قول الله عز وجل: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾. فاليهود: المرأة إذا حاضت ما كانوا يجالسونها ولا يخالطونها ولا يواكلونها، تأكل وحدها، يقولون فيها: جرب، فيها مرض معدي، لكن الإسلام قال: لا، جاء اجلس مع المرأة وكل مع المرأة الحائض، بل واستمتع بالمرأة الحائض، لكن دون الجماع، وهذا يدل على وسطية هذه الشريعة، ما فيها غلو وما فيها كذلك إفراط. وأيضا من فوائد هذا الحديث وجوب مخالفة اليهود بل والكفار عموما، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يتحرى مخالفتهم، باعتراف اليهود في قولهم: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، إلا خالفنا فيه. وفي هذا الحديث أيضا النهي عن معارضة الشرع، فإذا قضى الله ورسوله أمرا ما كان لمسلم أن يعترض أو أن كذلك ينتقد، بل يجب عليه التسليم، يجب عليه التسليم. وفي هذا الحديث أيضا مشروعية الهدية، وأن لها أثر ووقع في النفوس، فهي دليل المحبة ودليل الرضا، فلذلك لما أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم هذا اللبن أرسل إلى أسيد وعباد بهذه الهدية، فعرفا أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يجد عليهما، وقد حسن العلامة قول النبي عليه الصلاة والسلام: «تهادوا تحابوا»، فالهدية سبب للمحبة وسبب كذلك للألفة والمودة، فلذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية ويثيب عليها، أما الصدقة كان ما يقبلها، لكن الهدية كان يقبلها، فهذا يدل على هذا المعنى، والله تعالى أعلم. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله، قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾. قال: الحديث أخرجه مسلم، وفيه زيادة: «إن شاء مجبية، وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في صمام واحد». وأخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود، وابن ماجة، والحميدي. وعلق الشيخ بأن هذه الزيادة ضعيفة، لأن الراوي لها النعمان بن راشد، وهو ضعيف، وهو ضعيف، لكن معناها صحيح، وسيأتي معناها في الحديث الآتية إن شاء الله تعالى. أولا: معنا هذا الحديث، ونحاول أننا ما نستغرق أو نفصل في الشرح، عندنا بعض العزاب. فقال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها، يعني إذا الرجل جامع زوجته من ورائها، يعني من خلفها، لكنه في موضع الحرث، يعني ليس في الدبر، وإنما هو في الفرج، جامعها من الخلف، فكانت اليهود تقول: جاء الولد أحول، يعني إذا رزق من هذه المجامعة بولد، جاء هذا الولد أحول، يعني السواد الذي يكون في العين لا يكون في الوسط، إنما يكون مرتفعا أو نازلا، هذا يسمى حول، تمام، يسمى حول في العين، وهذا فيه تشويه لذلك المولود، لذلك المولود، فهذه كانت عقيدة اليهود، فأبطلها الله بقوله: فنزلت: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾، يعني نساؤكم كالأرض الخصبة التي تسقونها بالماء فتنبت الزرع، فما هو موضع الحرث؟ موضع الحرث هو الفرج، لأن الرحم مسلكه وطريقه من هذا الموضع، فهذا موضع الحرث، فهذا هو موضع الحرث، وإن جاء معها من الخلف لكنه في موضع الحرث، فيجوز لكم ذلك، ﴿ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾، كيف ما شئتم، من الخلف، من الأمام، وهي مستلقية، وهي على جَنْب، على أي حال، طالما أن هذا الجماع في موضع الحرث، فيجوز لكم ذلك، وليس بصحيح أن من جامع زوجته من الخلف جاء الولد أحول، هذا غير صحيح، واضح هذا الآن. فهذا معنى قوله: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾، والعلماء يذكرون أن الأصل في جماع المرأة وفي الاستمتاع بها الحل، إلا ما جاء الشرع بتحريمه، وما جاء الشرع بتحريمه: مجامعتها في الدبر، ومجامعتها وهي حائض، هذا الذي جاء الشرع بتحريمه، وأما ما سوى ذلك فيجوز للزوج أن يستمتع بمرأته كيف ما شاء، هذه القاعدة في هذا الباب. وأما قوله: "وفيه زيادة"، يعني في هذا الحديث: «إن شاء مجبية»، وسيأتي معنى التجبية، ومعناها: الانكباب على الأرض، الانكباب على الأرض، وجاء في القاموس: "جبى تجبية: وضع يديه على ركبتيه أو على الأرض، أو انكب على وجهه، أو انكب على وجهه"، فمعنى "مجبية": وإن شاء غير مجبية، يعني مستلقية على ظهرها، أو غير مستلقية، مستلقية على ظهرها أو غير مستلقية، فمعنى ذلك أن الزوج له أن يجامع زوجته بأي طريقة، طالما أن السقي يكون في موضع الحرث، طالما أن السقي يكون في موضع الحرث، فله أن يجامعها بأي كيفية وبأي طريقة، مستلقية وغير مستلقية، هذا معنى قوله: «مجبية، وإن شاء غير مجبية». وإذا قال: «غير أن ذلك في صمام واحد»، يعني في موضع واحد، وهو موضع ماذا؟ موضع الحرث، وهو موضع الحرث، وهو الفرج، لا الدبر، هذا هو المعنى. قال: وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا عفان، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، قال: دخلت على حفصة بنت عبد الرحمن، فقلت: إني سائلك عن أمر وأنا أستحي أن أسألك عنه، فقالت: لا تستحي يا ابن أختي، يعني هي خالته، أهي عمته؟ لا تستحي يا ابن أخي، عندكم صح؟ يا ابن أخي أو أختي؟ أخي، نعم. فقال: عن إتيان النساء في أدبارهن، يعني هذا عبد الرحمن بن سابط سأل عمته، وكانت فقيهة، عن هذا الأمر الذي يستحى منه، لكن الله لا يستحي من الحق، ويحمل على أنه كان جاهلا، كان جاهل بهذا الحكم، فسألها عن إتيان النساء في أدبارهن، يعني معروف، فقالت: حدثتني أم سلمة، أم المؤمنين، أن الأنصار كانوا لا يجبون النساء، وعرفنا ما معنى التجبية، يعني لا يجامعون النساء وهن مستلقيات ومفرجات عن أرجلهن، فهذا الموضع يعني تكون فيه المرأة غير مستترة، وكان الأنصار أهل حياء، فكان الأنصار لا يجبون النساء، يعني لا يجامعهن وهن مستلقيات، وكانت اليهود، وكانت اليهود تقول: إنه من جب امرأته كان ولده أحول، كان ولده أحول، كما جاء في حديث جابر، لكن في حديث جابر جاء ماذا؟ جاء أن اليهود كانت تقول: إذا جامعها من ورائها، وهنا فرق، وسيأتي من كلام الشيخ رحمه الله تعالى أن ظاهر حديث جابر يخالف ظاهر حديث أم سلمة، فإن ظاهر حديث جابر الذي هو في الصحيحين: أن اليهود كانت تقول ماذا؟ إذا جامعها من ورائها، وحديث أم سلمة يقول ماذا؟ إذا جامعها وهي مجبية، يعني إذا جب امرأته كان ولده أحول، وفرق بين الأمرين، التجبية كما عرفنا وهو استلقاء المرأة وعلو الرجل عليها، وأما مجامعتها من الخلف، أن تكون المرأة على جَنْب، وهو يأتيها من الخلف، لا من الأمام، لأن اليهود كانوا يأتونها من الأمام وهي على جَنْب، وهي على جَنْب، فهنا في حديث أم سلمة: أن اليهود كانت تقول: إنه من جب امرأته كان ولده أحول. قال: فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار، يعني تزوجوا بنساء الأنصار، المهاجرون تزوجوا من نساء الأنصار، فجبوهن، لأن الأنصار كانوا متأثرين باليهود، لأنهم يعتقدون أنهم أهل دين وأهل كتاب، فكانوا يقتدون بهم في أشياء كثيرة قبل الإسلام، فكان الأنصار مثل اليهود، ما يجامعون أزواجهم وهن مستلقيات، فنكح، يعني تزوج المهاجرون من ماذا؟ من الأنصار، من نساء الأنصار، قال: فأبت امرأة، قال: فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فجبوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها، قالت له: لا، نحن ما نفعل هذا، ما أوافقك على هذا، ولا أمكنك من هذا، فقالت لزوجها، فقالت لزوجها: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلت على أم سلمة، فذكرت ذلك لها، يعني ذكرت ذلك لأم سلمة حتى تخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاء رسول الله استحت الأنصارية أن تسأله، فخرجت، أن هذا أمر يستحى منه، فخرجت هذه المرأة لأسيما، والمسؤول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فحدثت أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «ادعي الأنصارية»، فدعيت، فتلى عليها هذه الآية: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ صِمَامًا وَاحِدًا ﴾، إذن حكم النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجر أو للأنصارية، حكم النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجر أو للأنصارية، لصالح المهاجر أو لصالح الأنصارية؟ لصالح المهاجر، واضح هذا الآن: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾. قال شيخنا: حديث أم سلمة ظاهره يخالف حديث جابر، صح، هذا واضح، لأن حديث جابر فيه أن اليهود كانت تقول: إذا جامعها من ورائها، وأما حديث أم سلمة فيه أنه من جب امرأته، وعرفنا ما معنى التجبية، واضح. قال: ويرجح حديث جابر لأنه متفق عليه، ولأن حفصة بنت عبد الرحمن لم يوثقها إلا العجلي وابن حبان، وهما متساهلان، يعني في التوثيق، فشيخنا يضعف حديث أم سلمة، أما الشيخ الألباني فإنه يحسن حديث أم سلمة، لأن الشيخ الألباني في قاعدته في التوثيق يقول: إذا اجتمع عليها العجلي وابن حبان، وإن كانا متساهلين، فإن هذا الراوي يرتقي ولو إلى درجة الحسن، فالشيخ حسن حديث أم سلمة كما في "آداب الزفاف" وفي غيرها من كتبه. فعلى فرضية تحسين الحديث، فإن سبب نزول هذه الآية يحمل على الأمرين، فكانت اليهود تقول: إذا جامعها من الخلف، أو إذا جامعها وهي مستلقية، كل ذلك يأتي الولد أحول، يجمع بهذا الجمع، هذا على فرضية تحسين الحديث، وعلى القول بتضعيفه، فالعبرة بما جاء في الصحيحين، وهو حديث جابر، فهمنا هذا. قال: وأما ما جاء عن ابن عمر أنها نزلت في إتيان النساء في أدبارهن، ونعوذ بالله أن يقول ابن عمر هذا القول، فالشيخ هنا أورده من أجل أن يرد على من نسب ذلك إلى ابن عمر، يعني بعضهم، والرافضي من هؤلاء يقولون: أن قوله تعالى: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾، يعني كذلك يجوز للزوج أن يأتي زوجته في دبرها، وهذا قول شاذ، وما نسب إلى ابن عمر فهذا ليس بصحيح، وإن صحت بعض الروايات فهي ليست صريحة في ذلك، وإنما أراد رضي الله تعالى عنه الجماع في صمام واحد من أي مكان كان وبأي كيفية كانت، كما سيبين الشيخ رحمه الله. قال: وأما ما جاء عن ابن عمر أنها نزلت في إتيان النساء في أدبارهم، كما في البخاري الإشارة إليه، وفي الفتح، فقد رده العلماء، وعلى رأسهم حبر الأمة، كما في الفتح، وهو من؟ ابن عباس. وقال أبو جعفر ابن جرير رحمه الله في تفسيره، بعد ذكره الرد على ذلك، وتبين بما بينا صحة معنى ما روي عن جابر، عن ابن عباس، من أن هذه الآية نزلت فيما كانت اليهود تقول للمسلمين: إذا أتى الرجل امرأته في دبرها في قبلها، يعني من خلفها، لكن أين؟ في قبلها، يعني في فرجها، هذا الذي يعني ورد في الحديث، فيما كانت اليهود تقول للمسلمين: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها، جاء الولد أحول، وقد قال قبل ذلك: «وأي محترث في الدبر؟ فيقال: ائته من وجهه»، يعني ائته من المكان الذي أحل الله، فهذا الأثر ليس بصريح، فقد يقول العلماء: إتيانها من، مثلا، الدبر، يريدون من الخلف، لا يريدون ما فهمه هؤلاء. وقال العلماء، الشوكاني، بعد ذكره بعض القائلين بالجواز، يعني جواز إتيان المرأة في دبرها، وليس في أقوال هؤلاء حجة البتة، ولا يجوز لأحد أن يعمل على أقوالهم، فإنهم لم يأتوا بدليل على الجواز، فمن زعم منهم أنه فهم ذلك من الآية فقد أخطأ، وهو قولهم: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾، بعض فهم أن ذلك أن تأتي المرأة في أي مكان، ولو في دبرها، وهذا خطأ، قال: فمن زعم منهم أنه فهم ذلك من الآية فقد أخطأ من فهمه، كائنا من كان، ومن زعم منهم أن سبب نزول الآية أن رجلا أتى امرأته في دبرها، فليس في هذا ما يدل على أن الآية أحلت ذلك، وهذا أيضا لم يصح أن رجل يعني جامع امرأته في دبرها ثم جاء يسأل، ومن زعم ذلك فقد أخطأ، بل الذي تدل عليه الآية أن ذلك حرام، يعني إتيان المرأة في دبرها، فكون ذلك هو السبب لا يستلزم أن تكون الآية نازلة في تحليله، فإن الآيات النازلات على أسباب تأتي تارة بتحليل هذا وتارة بتحريمه، انتهى كلام الشوكاني رحمه الله. وأما الحافظ ابن كثير رحمه الله، فبعد أن ذكر قول ابن عمر في سبب نزول الآية، قال: وهذا محمول على ما تقدم، وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها، فإذا أثر ابن عمر ليس بصريح. لما روى النسائي، عن علي بن عثمان، عن نفيلي، عن ابن سعيد، عن ابن الفضل، عن ابن فضال، عن عبد الله بن سليمان، عن الطويل، عن علقمة، عن النظر، أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر: إنه قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر إنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن، قال: كذبوا علي، وهذا صريح في عدم نسبة ذلك إلى علي، وأن نافع أنكر ذلك، نعم، هذا دليل على عدم نسبته إلى ابن عمر، نقول: كذبوا على لسان ابن عمر، وجزم بذلك نافع، لما قيل له: قد أكثر عليك القول أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن، فقال: كذبوا علي، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحف يوما وأنا عنده، يعني قرأه عليه، حتى بلغ: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾، فقال: يا نافع، هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت: لا، يعني هل تعلم معنى هذه الآية؟ قال: إنا كنا معشر قريش نجب النساء، وعرفنا ما معنى نجب، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار، أردنا منهن مثل ما كنا نريد، فآذاهن، وآذينهن من ناحية الاستحياء، لأن المرأة لما تجامع وهي على جَنْب، أستر لها، بخلاف إذا جومعت وهي يعني مجبية، فذلك يكون أفضح لها، مثل ما كنا نريد، فآذاهن، فكرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود، إنما يؤتين على جنوبهن، يعني على جُنُوبهن، وهذا أستر ما تكون المرأة، فأنزل الله: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ﴾، وهذا إسناد صحيح. إذن هذا هو مراد ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أن تؤتى المرأة لكن في موضع الحرث، من أي جهة كانت، قال: وهذا إسناد صحيح. ثم ساق جملة من الأحاديث الدالة على تحريم إتيان النساء في أدبارهن، ومن ذلك: أنه ملعون من فعل ذلك، قال: وبعدها قال: وقد تقدم قول ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، في تحريم ذلك، وهو الثابت بلا شك عن تحريم إتيان النساء في أدبارهن، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، ما أنه يحرمه، هذا هو الذي ينسب إلى ابن عمر بلا شك، وهو تحريمه لهذا الفعل. قال: أبو محمد بن عبد الرحمن الدارمي في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا الليث، عن الحارث بن عقبة، عن سعيد بن يسار، أبي الحباب، قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري؟ أبو محمد، أبو محمد، أبو محمد، لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدبر، يعني أن يؤتين من الدبر، فقال: من الذي قال؟ قال ابن عمر: «وَهَلْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ أَحَدٌ مِّنْ مُسْلِمِينَ»، هذا سؤال استنكاري، يستنكر ذلك، فهذا دليل على أن ابن عمر ما يقول بهذا، وكذا رواه ابن وهب، وقتيبة، عن الليث، وهذا إسناد صريح، ونص صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل، فهو مردود إلى هذا المحكم، يعني ما ورد من آثار أنه يفهم منه الدبر، فيرد إلى المحكم، وهو ماذا؟ القول بتحريم ذلك، وإنما المراد موضع الحرث، والله تعالى أعلم. طيب، نكتب بهذا تفريغ نانسي قنقر.