الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 92، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع سبب نزول الآية في سورة الواقعة عندما مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فانقسموا إلى شاكر لله وكافر بالنعمة نسبوها للأنواء. ويبين معنى الآية بأن تجعلون شكركم تكذيباً، ثم يفصل مراتب الشكر الثلاث: شكر القلب بنسب النعمة لله، وشكر اللسان بالحديث بها، وشكر الجوارح بالطاعة والعمل.
يبيّن المقطع الفرق بين الشاكر والكافر بالنعم عبر حديثي عائشة وزيد بن خالد الجهني، حيث يكون شكر النعمة بعبادة الله وصرف الجوارح في طاعته، بينما كفرها بنسبتها لغير الله أو المعصية. ويوضح أن نسبة المطر للأنواء نوعان من الشرك الأكبر: دعاء النجوم مباشرة، أو اعتقاد أنها تنزل المطر مستقلة عن الله.
يبين المقطع أنواع الشرك في الاعتقاد بأن النجوم أو الكواكب تنزل المطر، مميزاً بين الشرك الأكبر بدعائها أو اعتقاد استقلالها بالإنزال، والشرك الأصغر بجعلها سبباً مع الإيمان بالله خالقاً. كما يوضح الفروق بينهما في الخروج من الملة، الخلود في النار، وأحكام الجنائز، وينتهي بتوضيح النووي لآيات سورة الواقعة المتعلقة بالأنواء.
ينقل الشيخ عن ابن الصلاح قوله إن تفسير الآيات يأبى دخولها جميعها في سبب نزول واحد، وإنما نزل قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ في سبب خاص، بينما نزل غيرها في أسباب أخرى. ثم يبدأ في تبرير هذا الإشكال وإزالته موضحاً وجه الجمع بين الروايات.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيح المسند من أسباب النزول»: سورة الواقعة، سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾. قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا عباس بن عبد العظيم العنبري، قال: حدثنا النضر بن محمد، قال: حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثنا أبو زميل، قال: حدثنا ابن عباس قال: مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأصبح من الناس شاكر ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا. فنزلت هذه الآية: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ حتى بلغ ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾. أولا: معنى الآية التي في سورة الواقعة ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾. «تجعلون» هنا بمعنى التصير، يعني: تصيرون رزقكم، والرزق هنا فسر بشكره، يعني: وتجعلون شكركم لما أنعم الله عز وجل به عليكم من النعم، ومنها نزول المطر، ﴿ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ أي: تكذبون بدل الشكر. فالنعم كلما أحدث الله عز وجل لعبده نعمة، وجب عليه أن يحدث شكرا وطاعة لله عز وجل، هذا الواجب. لكن من عباد الله من إذا أنعم الله عز وجل عليه بنعمة، أبدلها بالكفر، أبدلها بالكفر، كما قال الله عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ﴾. فإذا عرفنا معنى الآية: تصيرون شكرا ما أنعم الله عز وجل به عليكم تكذيبا، أي: تكذبون بدل الشكر، تكذبون بدل الشكر. والحديث بين معنى الآية، والحديث بين معنى الآية. ف قوله، قول ابن عباس: «مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم»، فانقسم الناس إلى قسمين: أصبح من الناس شاكر، وهو الذي استقبل هذه النعمة أولا بنسبتها إلى الله. لأن الشكر يتضمن ثلاث مراتب: شكر بالقلب، وشكر باللسان، وشكر بالجوارح. فالشكر بالقلب: أن تنسب هذه النعمة إلى المنعم، وأنها من الله وحده لا من غيره، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾، ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾. فمن شكر نعم الله عز وجل على العبد أن لا ينسبها إلا إلى منعمها وهو الله عز وجل، هذا أولا. والشكر كذلك يكون باللسان، وذلك بكثرة التحدث بهذه النعمة، وأنها محض فضل من الله عز وجل، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾. فكان السلف رحمهم الله يرون أن من شكر النعمة كثرة التحدث بها، كثرة التحدث بها. وهكذا من مراتب الشكر: الشكر بالجوارح، أن كل ما أحدث الله عز وجل لك نعمة، أحدث له عبادة وطاعة وقربة. ولذلك جاء في حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، حتى تتشقى قدماه، فتقول له عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، لم تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدا شكورا؟» فرأى عليه الصلاة والسلام أن من تمام شكره لما أنعم الله عز وجل به عليه من الرسالة والنبوة والنعم الدينية والدنيوية، أن يكثر من عبادة الله، وأن يسخر هذه الجوارح في طاعة الله عز وجل. فإذا عند النعم يصبح من الناس شاكر بالمعنى المتقدم. وقال: «ومنهم كافر» يكفر بهذه النعم، إما بنسبتها إلى غير الله، وإما بعدم التحدث بها والإكثار من ذكرها، وإما بالمعاصي والمخالفات، وتسخير الجوارح فيما يغضب الله عز وجل. هذا من كفر النعم. قالوا: «هذه رحمة»، الذي قال «هذه رحمة» هو الشاكر، اعترف أنها رحمة من الله. وجاء في حديث زيد بن خالد الجهني في الصحيح: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال للصحابة على إثر مطر نزل: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر». فمن قال: «مطرنا بفضل الله وبرحمته»، نسب هذه النعمة إلى الله، فهذا مؤمن بي كافر بالكوكب. ومن قال: «مطرنا بنوء كذا وكذا»، النوء هو النجم، يعني: مطرنا بكوكب أو نجم كذا وكذا، فهذا كافر بي مؤمن بالكوكب، مؤمن بالكوكب. فهذا الحديث يفسر معنى هذا أيضا. قالوا: «هذه رحمة»، أي: الشاكر، والكافر قال: «لقد صدق نوء كذا وكذا». فنزلت هذه الآية. وسيدكر الشيخ هنا كلام للنووي: أن المراد من سبب نزول، أو من هذا السبب من أسباب النزول، هو هذه الآية فقط، وهو قوله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾. أما الآيات التي قبلها فليست مرادة، ليست مرادة بهذا السبب، إنما المراد بهذا السبب هي هذه الآية فقط. وقوله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾. ومن باب الفائدة: فإن الاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا». فقولهم هذا فيه تفصيل. ذكر العلماء أن الاستسقاء بالأنواء، ومعنى الاستسقاء: أي طلب السقيا أو نسبة السقيا إليها، فهذا ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما هو شرك أكبر مخرج من الملة، وهذا يكون بأمرين اثنين: الأمر الأول: أن يدعو هذا الداعي الأنواء نفسها، فيقول: «يا كوكب كذا»، أو «يا نجم كذا، أنزل علينا المطر»، أو «أغثنا»، أو نحو ذلك. وهذا يقع من بعض الناس، يقع من بعض الناس في بعض البوادي التي عشعش عليها الجهل. قد سمعنا مثل ذلك، فمنهم من يستغيث بالحول، ومنهم من يستغيث بنجم معين، خصوصا إذا بدأت الإشارات، إشارات نزول المطر، فان بعضهم ينادي ويستغيث ببعض النجوم. هذا من الشرك الأكبر؛ لأنه دعا هذا المخلوق، دعا واستسقى بهذا المخلوق، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة. والنوع الثاني من أنواع الشرك الأكبر: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذه الأنواء، وأنها هي الفاعلة بنفسها دون الله. فإذا اعتقد أن هذا النجم أو هذا الكوكب هو الذي ينزل المطر، وإن لم يدعه، شف فرق بين الأول والثاني. الأول: دعا هذا النجم واستسقى به، كأن يقول: «يا كوكب كذا، أنزل علينا المطر»، أو «أغثنا»، أو نحو ذلك، فهذا شرك أكبر. وأما النوع الثاني من أنواع الشرك الأكبر: وإن لم يدعه، ولكنه اعتقد أن نزول هذا المطر إنما هو من هذا الكوكب، أو هو المنزل له بنفسه، وليس هو من الله، فهذا شرك أكبر. والنوع الثاني من الاستسقاء بالأنواء: شرك أصغر، وهو أن يجعل هذه الأنواء سببا لنزول المطر، مع اعتقاده أن الله هو الخالق الفاعل المنزل للمطر، لكن هذا سبب، فجعل ما ليس سببا سببا. فهنا يدخل في الشرك الأصغر، كأن يقول: «هذا النجم بسببه وفي وقته تنزل الأمطار». هذا فيه شيء من ذلك. ونبه العلماء على أن قول بعض الناس مثلا: «إن في هذا الفصل تكثر الأمطار بإذن الله عز وجل»، هذا ما فيه شيء؛ لأنه ما جعل هذا الفصل أو هذا النجم هو السبب، وإنما شيء اعتاده الناس، وغلب على... يعني، وغلب في هذا النجم نزول المطر، فهذا لا شيء فيه. لكن الذي هو من الشرك الأصغر: أن يقول أو يعتقد أن نزول المطر إنما هو بسبب هذا النجم، بسبب هذا النجم، فهذا من الشرك الأصغر. فإذا المسألة فيها تفصيل. فالكفر هنا، قولهم: «ومنهم كافر»، قد يطلق على الكفر الأكبر المخرج من الملة، وقد يطلق على الكفر الأصغر الذي لا يخرج من الملة. وأنتم تعرفون الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر. فمن الفروق: أن الشرك الأكبر يخرج من الملة، والشرك الأكبر يخرج من الملة، والأصغر لا يخرج من الملة. ومن الفروق أيضا: أن الشرك الأكبر صاحبه مخلد في نار جهنم، أما الشرك الأصغر فلا، لا يخلد صاحبه في نار جهنم. ومن الفروق أيضا: أن صاحب الشرك الأكبر لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يترحم عليه، ويكون حكمه في الدنيا حكم الكافر، فلا يزوج ونحو ذلك. بخلاف صاحب الشرك الأصغر، فإنه يغسل ويكفن، فهو مسلم، فهو مسلم. وهناك فروق ذكرها العلامة الفوزان رحمه الله تعالى في كتابه التوحيد، ولخصها، فيرجع إليه. طيب. قال النووي رحمه الله: قال الشيخ أبو عمر رحمه الله، يعني ابن الصلاح: «ليس مراد أن جميع هذا نزل في قوله في الأنواء»، يعني: ليس من قوله ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾، ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾، ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾، ﴿ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ﴾، ﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾، ﴿ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، ليست كل هذه الآيات هذا السبب نزل فيها، وإنما هذا السبب نزل خاصة في قوله: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾. إذن لماذا ذكرت هذه الآيات في الحديث في قوله: «فنزلت هذه الآية: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ حتى بلغ ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾»؟ قال الشيخ، نقلاً عن ابن الصلاح: قال: «فإن الأمر في ذلك وتفسيره يأبى ذلك»، يعني: يأبى أن تدخل جميع هذه الآيات في هذا السبب، وإنما النازل في ذلك قوله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾، والباقي نزل في غير ذلك. ولكن اجتمع الآن... بدأ يبرر أو بدأ يزيل هذا الإشكال