الصحيح المسند من أسباب النزول  17

الصحيح المسند من أسباب النزول 17

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 17، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول آية ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ وجواز الصدقة على القرابة المشركين

يشرح المقطع سبب نزول الآية الكريمة في سورة البقرة، حيث كان المسلمون يمتنعون عن إعطاء الصدقات لقراباتهم المشركين، فنزلت الآية تأمرهم بصلة الرحم والإنفاق عليهم حتى لو كانوا مشركين. كما يبين صحة الحديث المروي عن ابن عباس ومنهجية الإمام مقبل بن هادي في تخريج الأحاديث الصحيحة غير الواردة في الصحيحين.

صلة الرحم مع الوالدين المشركين والفرق بين البر والموالاة

يوضح المقطع جواز بر الوالدين المشركين وصلة الرحم بالمال والزيارة دون موالاة في الدين، مستدلاً بالآيات القرآنية التي تأمر بالإحسان إليهما مع النهي عن طاعتهما في الشرك. كما يبين الفرق بين هداية الإرشاد التي يُكلف بها المسلم، وهداية التوفيق التي يملكها الله وحده، مستشهداً بحرص النبي ﷺ على هداية عمه أبي طالب وعدم استجابته.

مسؤولية الداعية في التبليغ والإحسان إلى الأقارب

إن واجب الداعية يقتصر على البيان والنصح، بينما التوفيق والهداية من الله وحده، فلا ينبغي له اليأس أو الفتور لعدم استجابة الناس فوراً. كما يجب الإحسان إلى جميع الأقارب حتى لو كانوا مشركين أو عصاة، لعل ذلك يكون سبباً في هدايتهم، وقد تظهر ثمار الدعوة متأخرة حتى بعد موت الداعية.

أحكام الإحسان إلى ذوي القربى مع مراعاة استخدام المال في المعاصي

يجب الإحسان إلى الأقارب المحتاجين وإن كانوا فاسقين، إلا إذا تيقن المُنفق أن المال سيُصرف في معاصٍ كالمخدرات أو الزنا، ففي هذه الحالة يجوز الامتناع عن النفقة. الحديث النبوي يشمل جميع درجات القرابة من الوالدين وغيرهما.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول" من سورة البقرة: قال قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ تمت الآية، ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. قال الإمام أبو جعفر ابن جرير رحمه الله: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو داود، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانوا لا يرضخون لقراباتهم من المشركين، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. قال: الحديث رجاله رجال الصحيح، ومعنى "رجاله رجال الصحيح" يعني ممن أخرج لهم الشيخان البخاري ومسلم. وهذا فيه أن البخاري ومسلم لم يشترطا في إخراج صحيحيهما الاستيعاب، يعني استيعاب جميع الأحاديث الصحيحة، فهناك أحاديث كثيرة ليست في صحيحيهما وهي على شرطهما، سواء كان من حيث الرجال أو من حيث الإسناد، وهذا يمر معنا كثيراً. ومن أجل هذا ألف شيخنا "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" رداً على من زعم الاكتفاء بالأحاديث الصحيحة في الصحيحين فقط، ولا ينظر إلى غيرهما مما ورد في خارجهما، وهذا خطأ. فهذا الحديث الذي بين أيدينا حديث صحيح، رواه ابن جرير كما في تفسيره، وأكد ذكر شيخنا أيضاً أن ممن روى هذا الحديث النسائي والحاكم والطبراني وغيرهم. ومعنى الحديث: يقول ابن عباس: كانوا لا يرضخون لقراباتهم، ومعنى "لا يرضخون" من الرضخ، فيقال: رضخ لفلان من ماله، أي أعطاه قليلاً من كثير. والمعنى: كانوا لا يعطون من صدقاتهم لقراباتهم من المشركين. رجل مسلم له أب مشرك، أو له عم مشرك، أو خال مشرك، أو أم مشركة، أو أخت مشركة، أو نحو ذلك، فكان إذا أراد أن يتصدق لا يعطي قراباته من المشركين ما يعطيهم من هذه الصدقة. فهذا معنى قوله: كانوا لا يرضخون لقراباتهم من المشركين، يعني لا يعطونهم من صدقة أموالهم. فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، ولو كانوا مشركين وهم من قراباتكم، فلا يمنعكم هذا الأمر من عدم إعطائهم من هذا المال. ولذلك جاء بعد هذا: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾، فهذا فيه حث على صلة القرابة ولو كانوا مشركين، صلة القرابة سواء كان بالمال أو بالزيارة أو نحو ذلك، ولو كانوا مشركين، كما جاء أيضاً في حديث أسماء بنت أبي بكر وغير ذلك مما جاء عن الصحابة. وهذا فيه رحمة هذا الدين حتى بالمشرك، ما حرم الله عز وجل للابن أو لولد الأخ أو نحو ذلك أن يقطع أباه أو أخاه أو عمه إن كانوا مشركين، ما أمرهم بذلك، بل لعل هذه المعاملة وهذه الصدقة تكون سبباً في هدايتهم وفي محبتهم للإسلام. ففرق بين أن توالي هذا المشرك فتوافقه في دينه أو تتنازل من أجله عن أمر من أمور دينك، لا، فرق بين هذا وذاك، فرق بين الصلة وبين الميل والموالاة، الميل والموالاة فرق كبير بينهما. فالله عز وجل يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾. أما الذي هو عدو للإسلام محارب له وساع في إفساد المسلمين، فهذا يعامل معاملة أخرى. لكن بمجرد كفره وشركه لا يجوز لقريبه من المسلمين أن يقطعه، بل له أن يواصله، بل وأن يكرمه بشيء من المال. وهذا فيه عظم حقوق القرابات، خصوصاً الأبوان، كما قال الله عز وجل: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، وإن كانا مشركين: ﴿صَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، ومن المعروف أن تكرم هذين الأبوين بشيء من المال. وهذا كما ذكرنا من رحمة هذا الدين بالناس أجمعين، ومن كذلك عظم حقوق الوالدين هذا وهما مشركان، فكيف بالأبوين المسلمين؟ هذا أوكد وأوجب أن تنفق عليهما، وأن توصلهما بالمال والزيارة والخدمة والإحسان ونحو ذلك. فهذا مما حث عليه الشرع. هذا معنى هذه الآية، ومعنى هذا الحديث. وفي الآية: أن المسلم ليس عليه هداية الناس، المسلم ليس عليه هداية الناس بمعنى هداية التوفيق، لأن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ يراد به هداية التوفيق، لأن الهداية هدايتان: هداية إرشاد وبيان، وهداية توفيق. فالهداية الأولى بمعنى التبليغ والنصح والبيان، والهداية الثانية التي هي هداية التوفيق بمعنى التوفيق من الله عز وجل إلى الإيمان، فهذا لا يملكه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما قال الله عز وجل لنبيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. كان عليه الصلاة والسلام من أحرص الناس على هداية عمه أبي طالب، من أحرص الناس، حتى لما سمع بوفاته، يعني بمقدمات الوفاة قبل نزع الروح، جاء إليه عليه الصلاة والسلام وقال له: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». هذا من حرصه عليه الصلاة والسلام على هداية عمه، ولكن الله عز وجل ما أراد هداية أبي طالب هداية التوفيق، فأبى أن يسلم، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، أي ملة الشرك، فمات على الشرك والعياذ بالله. ففيه هذا المعنى: أيها الداعية، الله عز وجل ما عليك إلا البيان والنصح والحرص على هداية الناس هداية البيان والإرشاد، وأما التوفيق فهو من الله. فهذا مما يريح الداعية، وهذا مما يعطي الداعية استمراراً واجتهاداً في الدعوة إلى الله، وأن لا يتخاعس، وأن لا تؤثر فيه النتائج. قد يقول: أنا أدعو وأدعو وما يستجيب لي أحد، أو يستجيب لي القليل، فيصاب بشيء من اليأس ومن الفتور، فهذا خطأ. أمرك ربك عز وجل أن تبين، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، وكما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، لست عليهم بمسيطر، أنت تبين. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾، لا تأسف عليهم، ولا كذلك تحمل نفسك من الهموم والغموم بسبب عدم استجابتهم، فالأمر لله، وما أنت إلا سبب، فقد ينجح هذا السبب وقد لا ينجح، فالأمر لله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. فلا تقل: هؤلاء كفار لا فائدة فيهم، لماذا نحسن إليهم ولماذا كذا وكذا؟ ليس عليك هداهم، ما يدريك أنت؟ ربما ما ترى النتائج مباشرة عندما تدعو إلى الله عز وجل، ربما ما ترى النتائج مباشرة، لكن ربما تظهر هذه النتائج فيما بعد، ولو بعد موتك، حتى يتذكر فلان من الناس أنك في مرة نصحته وبينت له، فيتذكر تلك النصيحة، يقول: جزى الله خيراً فلان، ذكرني بهذا ونصحني بهذا. ما تدري، أو تلقى كلمة فينفع الله بها وما تشعر، تذهب تكلم في المسجد وتذهب فإذا بعشرات الناس يهديهم الله ويشرح صدورهم للحق الذي نطقت به. فالأمر لله، لا تقل: ما أرى نتائج، ما يدريك لعل النتائج موجودة ولكن قد بعدت عنه أو قد غابت عنه. وهذا واقع، كم من أناس هداهم الله عز وجل بسبب بعض الدعاة، والدعاة لا يدرون ولا يعرفون. فإذا: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء. أيضاً مما يقال في هذا المقام، ومما يستفاد من هذا الحديث: الإحسان إلى الأقارب وإن لم يكونوا والدين، لأن جاء في الحديث: «لا يرضخون لقراباتهم»، فهذا اللفظ أعم، هذا اللفظ أعم فيشمل بقية القرابات كالأعمام والأخوال وأبناء العم وبنات العم وأبناء الخال وبنات الخال، وهكذا غيرهم من الأقارب ومن ذوي القربة، وإن كانوا مشركين. وإن كانوا عصاة، الآن بعض الناس تقول له: لماذا تعطي صدقتك فلاناً وفلاناً وهذا من أقاربك ولا تعطيه؟ قل له: هذا رجل فاسد، رجل فاسق. طيب، ولو كان فاسداً فاسقاً، لعلك بالإحسان إليه وبنصيحته تكون سبباً في هدايته، فلماذا تقسو معه ولماذا تقطعه؟ فطالما أنه من ذوي القربة وأنه بحاجة إلى الإحسان والنفقة، فأحسن إليه، إلا إذا علمت أنه يعصي الله بهذا المال، خاصة في قات أو في سجائر أو في معاصي أخرى كزنا أو لواط أو مخدرات أو نحو ذلك، وتيقنت من هذا، فلك أن تمتنع. أما إن كان ذا أسرة وذا حاجة في أكله وشربه وأمور معاشه، وإن كان فاسقاً ففسقه على نفسه، طالما أنه من ذوي الأقارب أو ذوي الأرحام، فالحديث جاء بهذا اللفظ فيشمل جميع القرابات من الوالدين ومن غيرهما من ذوي القربى.