الصحيح المسند من أسباب النزول  24

الصحيح المسند من أسباب النزول 24

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 24، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في بدر واستشارة الصحابة في الأسرى

يسرد المقطع تفصيل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وتضرعه ليلة بدر حتى سقط رداؤه، ونزول آية مدد الملائكة، ثم انتصار المسلمين وقتل وأسر سبعين من المشركين، ومشاورة النبي لأبي بكر وعمر وعلي في مصير الأسرى، حيث رأى أبو بكر أخذ الفدية رجاء هدايتهم وقوة للمسلمين.

مشورة الأسرى في بدر ونزول الوحي بتخطئة أخذ الفداء

يروي المقطع اختلاف الصحابة في مصير أسرى بدر، حيث مال النبي ﷺ لرأي أبي بكر بأخذ الفداء، ثم نزل القرآن معاتباً ومخطئاً لهذا الرأي وموافقاً لرأي عمر بالقتل، واعتبر عمر رضي الله عنه أن هزيمة أحد كانت عقوبة بمثل ما فعلوا في بدر من أخذ الفداء.

دروس وعبر من غزوة أحد وحديث عائشة في الاستغاثة

يتناول المقطع أحداث غزوة أحد وخطأ الرماة في ترك مراكزهم، وما ترتب على ذلك من ابتلاء عظيم للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم يستعرض فوائد حديث عائشة رضي الله عنها في الاستغاثة والتوكل على الله، ومشروعية المشورة، وجواز بكاء الرجل عند المواقف المؤثرة، وشؤم المعصية ومخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، مع ذكر الآيات الثلاث التي نزلت بسبب هذه الغزوة.

ختام المقطع والإشارة إلى سورة الأنفال

يختم المتحدث المقطع بالإشارة إلى أن ذكر بعض مخرجي الآية سيأتي في سورة الأنفال عند قوله تعالى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾، ثم ينهي الحديث بقوله نكتفي بهذا وإلى هنا والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": عند قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو نوح قراد، قال: أنبأنا عكرمة بن عمار، قال: حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، قال: حدثني ابن عباس، قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: لما كان يوم بدر، نظر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى أصحابه وهم ثلاثمئة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة. وتعلمون السبب في خروج النبي عليه الصلاة والسلام إلى بدر: أنه عليه الصلاة والسلام لم يخرج للقتال، وإنما خرج لاعتراض قافلة لقريش سمع أنها قادمة من الشام وفيها أبو سفيان، فلم يكن مستعداً عليه الصلاة والسلام للقتال، ولذلك لم يخرج جميع الصحابة معه عليه الصلاة والسلام، وإنما خرج بعض الصحابة وكان عددهم ثلاثمئة ونيف. ومعنى "نيف" يعني بضعة عشر، أو نعم بمعنى البضع، وهو ما فوق الثلاثة إلى العشرة. فقيل: ثلاثمئة وثلاثة عشر، وقيل: ثلاثمئة وسبعة عشر، وقيل غير ذلك. فهم لم يخرجوا للقتال، فلما سمع أبو سفيان بخروج النبي عليه الصلاة والسلام أرسل إلى قريش يستنصرهم، فخرجت قريش بعددها وعدتها، وكان عددهم ألفاً وزيادة. وعلم هذا العدد بسؤال النبي عليه الصلاة والسلام بعض من رأى الجيش: كم ينحرون في اليوم؟ فقالوا: نحو عشر من الإبل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "إذن القوم ألف"، باعتبار أن كل ناقة تكفي المئة، كل ناقة أو كل إبل يكفي مئة، فقدره عليه الصلاة والسلام بالألف، وقد يزيدون قليلاً، والعرب كانت تجبر الكسر، فالزيادة اليسيرة لا يذكرونها. فلما سمع قريش بذلك كما تقدم، خرجوا بعددهم وعدتهم، وكانوا ألفاً، ونجا أبو سفيان ووصل إلى بر الأمان، ولكن غطرسة قريش أبت إلا أن تمضي في مقابلة ومقاتلة النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فلم يرجع الجيش بل استمر حتى التقى الجيشان في بدر. قال: فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه وعليه رداؤه وإزاره. بمعنى: لما علم النبي عليه الصلاة والسلام بقدوم جيش المشركين وما معهم من عدد وعدة، وعلم أن القوم يريدون القتال، شاور الصحابة ممن كان معه، فكان الرأي أن يقاتل النبي عليه الصلاة والسلام، فالتجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى خالقه، فبات تلك الليلة يدعو ويلح في الدعاء ويتضرع إلى الله سبحانه وتعالى. وفي بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام كان يرفع يديه حتى ظهر بياض إبطيه عليه الصلاة والسلام تضرعاً وتذللاً واستغاثة بالله سبحانه وتعالى، حتى سقط الرداء من على كتفيه عليه الصلاة والسلام من شدة المناجاة. قال: ثم مد يديه وعليه رداؤه وإزاره، والرداء ما يلبس أعلى الجسد، والإزار ما يتزر به فتغطى به العورة. قال: ثم قال في دعائه: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً". وهذا تضرع إلى الله، فالله عز وجل هو القائل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، وهذا وعد من الله. وقال الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾، هذا وعد من الله. فهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "اللهم أنجز لي ما وعدتني"، أي من النصر والظهور والتمكين. ثم توسل إلى الله بهذا الاسم الذي قيل إنه اسم الله الأعظم، لفظ الجلالة: "اللهم أنجز لي ما وعدتني"، يعني: حقق لي ما وعدتني من النصر والظهور والتمكين. ثم قال كذلك متضرعاً إلى الله: "اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة"، والعصابة يعني الجماعة، وهم الصحابة الذين معه، وهم من خيرة الصحابة، فيهم أبو بكر، وفيهم عمر، وفيهم عثمان، وفيهم علي، رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين. "إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً"، لأنهم هم حاملوا الإسلام. قال عمر: فما زال يستغيث ربه عز وجل ويدعوه حتى سقط رداؤه من شدة التضرع، لم ينتبه لذلك، فسقط الرداء من على كتفيه عليه الصلاة والسلام. وفي رواية أنه نصب خيمة ودخل هذه الخيمة وتضرع ودعا الله سبحانه وتعالى. قال: فأتاه أبو بكر رضي الله عنه فأخذ رداءه فرداه، يعني أرجعه إلى كتفيه، ثم التزمه من ورائه، يعني ضمه، ثم قال: "يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك". وأنزل الله عز وجل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. وهذا الحديث فيه سبب نزول هذه الآية التي هي في سورة الأنفال. قال: فلما كان وقوله: "كفاك مناشدتك ربك"، يعني: كفاك دعاء واستغاثة وتضرع، فإن الله عز وجل سيحقق لك ما وعدك. قال: فلما كان يوم أحد والتقوا، يعني: لما كان اليوم الثاني والتقى المعسكران، معسكر الإيمان ومعسكر الكفر والطغيان، والتقوا فهزم الله عز وجل المشركين، فقتل منهم سبعون رجلاً وأسر منهم سبعون رجلاً، كانت هزيمة منكرة للمشركين. هزم هذه الهزيمة وهي أول معركة يخوضها معسكر الإيمان، ولم يكونوا على استعداد وعلى كذلك دراية بالقتال، دراية يعني بموعد هذه المعركة، ولكن الله عز وجل نصرهم باتخاذهم للأسباب الإيمانية والأسباب كذلك الحسية. قال: فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعلياً وعمر رضي الله عنهم، يعني: ماذا يفعل بالأسرى؟ يقتلهم أو يفتدي هؤلاء الأسرى؟ قال: فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعلياً وعمر رضي الله عنهم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: "يا رسول الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وهم بينهم قرابات، فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية". ومعنى الفدية: يعني يدفع الأسير مالاً مقابل أن يفك أسره. فيقول: "ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكون لنا عضداً". هذا ما وصل إليه اجتهاد أبي بكر رضي الله عنه، رأى أن يفتدي هؤلاء ويأخذ مالاً من أقوامهم ومن بني عشيرتهم، ويكون هذا المال سبباً في قوة المسلمين، ولعلهم يراجعون أنفسهم فيهديهم الله ويكونون عضداً، يعني يكونون من المناصرين والمؤيدين لأهل الإسلام. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ترى يا ابن الخطاب؟ ما رأيك في هذا؟ ما مشورتك في هذا؟" فقال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر، أنا أخالف أبا بكر في هذا الرأي، ولكني أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، يعني أقتله، وتمكن علياً رضي الله عنه من عقيل فيضرب عنقه، وكان قريباً له، وتمكن حمزة من فلان - أخيه - فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة، يعني ميل، وكذلك مداهنة، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. صناديدهم يعني كبراءهم ومنظريهم، وأئمتهم يعني زعماءهم وقادتهم. قال: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه، ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء، أي أن النبي عليه الصلاة والسلام مال إلى مشورة أبي بكر. قال: فلما أن كان من الغد، يعني اليوم الثاني، قال عمر رضي الله عنه: غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو قاعد وأبو بكر رضي الله تعالى عنه، وإذا هما يبكيان. فقلت: "يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكيت لبكائكما". ومعنى قوله: ما هو سبب هذا البكاء؟ النبي عليه الصلاة والسلام يبكي وأبو بكر يبكي، ما هو سبب هذا البكاء؟ حتى إن كان هذا السبب يهيجني ويجعلني أرق وأبكي معكم، بكيت، وإن لم أبك، تباكيت، يعني تكلفت البكاء، تباكيت هذا معنى قولي: "تباكيت لبكائكما". قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بأبي أنت وأمي، الذي عرض على أصحابك من الفداء، لقد عرض علي عذابكم" - هكذا عندكم - "ها لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة"، لشجرة قريبة. ومعنى قوله: يعني نبكي لأن الله عز وجل أنزل قرآناً يؤيد فيه رأيك ويخطئ فيه رأي أبي بكر، وما أخذت من رأيه. أي أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ برأي أبي بكر، فالذي عرض على أصحابك من الفداء يعني أن هذا الرأي غير صائب، فالله عز وجل خطأه. ثم قال: "لقد عرض علي عذابكم"، يعني بسبب هذا الخطأ، وهذا ما جاء في الآية. فقال الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، ثم قال إلى قوله: ﴿وَلَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فهذا فيه شيء من المعاتبة وشيء كذلك من التخطئة. فقوله: ﴿وَلَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، أي في قضى هذا الأمر، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ففي هذه الآية وافق الوحي قول عمر رضي الله تعالى عنه، وخطأ قول أبي بكر رضي الله تعالى عن الجميع. فإذا ما هو سبب بكاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ وخطأه ما في القول بالفداء، وموافقة القرآن لقول عمر رضي الله تعالى عنه. قال: ثم أحل الله لهم الغنائم، يعني أحل الله لأهل الإسلام الغنائم. فلما كان يوم أحد من العام المقبل، العام الذي بعده، لأن غزوة بدر كانت في السنة كم؟ في السنة الثانية من الهجرة، صح؟ وغزوة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة، فهي في السنة المقبلة. قال: فلما كان يوم أحد من العام المقبل، بمثل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء. يعني: عوقبوا بمثل ما نصرهم الله عز وجل في يوم بدر، فأخذوا الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال دم على وجهه. فإذا ما معنى قوله: "فلما كان يوم أحد من العام المقبل بمثل عوقبوا"؟ في غزوة بدر قتلوا سبعين من المشركين، وفي غزوة أحد قتل من المسلمين سبعون، إذن بمثل. فعد هذا من العقوبة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. هكذا فسره عمر رضي الله تعالى عنه. قال: قال: فلما كان يوم أحد من العام المقبل، بمثل أو بمثل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفدية، فقتل منهم سبعون. هذا أمر معلوم في غزوة أحد، كان النصر للمسلمين، فلما بدأوا بجمع الغنائم وخالف الرماة، فنزلوا من مواقعهم، التف حولهم المشركون، فكان ما كان من هذا الأمر، فقتل من الصحابة سبعون، وفر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام، وما بقي معه إلا أفراد من الصحابة، فكسرت رباعية النبي عليه الصلاة والسلام التي تكون في داخل الفم، وهشمت البيضة، والبيضة هو الترس الذي يلبسه على رأسه، هشمت بمعنى: رضخت حتى خرج منها شيء، وسال الدم على وجهه عليه الصلاة والسلام. وفي رواية: شج رأسه، شج رأسه عليه الصلاة والسلام. وأنزل الله عز وجل: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. ومعنى الآية وتفسيرها: "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ" يعني يوم أحد. يوم أحد ما هي هذه المصيبة؟ قتل سبعين من الصحابة، وفرار الصحابة من عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكسروا رباعية النبي عليه الصلاة والسلام، وهشم البيضة من على رأسه، وشج رأسه، هذا كله من المصائب التي نزلت على المسلمين في غزوة أحد. ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ بمعنى: قد أصبتم مثليها، يعني: أسرتم سبعين وقتلتم سبعين في ماذا؟ في بدر. أصبتم مثليها في بدر، وذلك بقتل سبعين وأسر سبعين، ثم أخذ الفداء منهم، أخذ الفداء منهم، فقد أصبتم يعني نلتم مثلي هذه المصيبة التي نزلت بكم. ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ يعني: من أين هذه المصيبة؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، أي بأخذكم الفداء. فسر بهذا، بأخذكم الفداء، وفسر بمخالفة الرماة لأمر النبي عليه الصلاة والسلام. فإنه في غزوة أحد رتب النبي عليه الصلاة والسلام الجيش، وجعل أعلى الجبل جماعة من الصحابة، وقال لهم: الرماة يحمون ظهور المسلمين، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: "لا تبرحوا من أماكنكم ولو رأيتم الطير تخطفنا"، بمعنى: لا تتحركوا من أماكنكم ولو انتصرنا، ولو رأيتمونا نجمع الغنائم وقد فر المشركون، لا تتحركوا من أماكنكم، اثبتوا عليها ولو انتهت المعركة حتى يؤذن لكم. فلما انتهت في أول الأمر المعركة، وهرب المشركون، تعرفون جبل أحد، لمن ذهب إلى المدينة فإن أحد خارج المدينة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أحد: "جبل يحبنا ونحبه". ففيه مكان مرتفع، وهذا من يعني حنكة الحرب، وهذا إلى الآن معمول به، أن المكان المرتفع يكون فيه خماية للجيش، لي المقاتلين ما يستطيع العدو أن يستولي على من هو في علو، ما يستطيع أن يستولي عليهم لأنهم يسيطرون عليه ويحتمون، بخلاف من كان في الأسفل يكون ظاهراً، يكون ماذا؟ ظاهراً. وهذا الآن معمول به، قل لك: استولوا على أعلى قمة، يعني هذا مكسب عظيم أن يستولي الجيش على أعلى قمة، فإن العدو يكون ضعيفاً ويكون تحته. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لهؤلاء الرماة: لا تبرحوا من أماكنكم، لا تتحركوا، احموا ظهورنا، وكلما جاء العدو يريد أن يلتف حول المسلمين ضربه هؤلاء الرماة، وما استطاعوا أن يضرب هؤلاء الرماة، لماذا؟ لأنهم في الأسفل، ما يستطيعون الاستيلاء عليهم، فأهل العلو يستطيعون السيطرة على من تحتهم، لكن أهل النزول والسفول ما يستطيعون السيطرة على من هو فوقهم. فالنبي صلى الله عليه وسلم قالوا: لا تبرحوا من أماكنكم ولو رأيتم الطير تخطفنا. فلما رأى الرماة أن الصحابة يجمعون الغنائم تحتهم، هم فوق والصحابة خلاص يجمعون الغنائم، هرب المشركون، فقالوا لأميرهم: ماذا بقي؟ ما بقي شيء الآن، الصحابة يجمعون، إذا ننزل معهم ونجمع. فنهاهم عن ذلك وذكرهم بقول النبي عليه الصلاة والسلام، لكنهم أبوا، فخرجوا، فجاء العدو من الخلف، فعاد الكرح على المسلمين، فكان ما كان من هذا الأمر الذي وقع من قتل كثير من الصحابة، وهكذا من الابتلاء العظيم الذي وقع للنبي عليه الصلاة والسلام. عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام: "هل مر بك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟" لماذا قالت له ذلك؟ لأن يوم أحد معلوم لدى الصحابة أنه يوم شديد على الصحابة، بل على النبي عليه الصلاة والسلام، لما لاقى مما سمعت: كسرة رباعيته، وشج رأسه، وهشمت بيضته، وسال الدم على وجهه عليه الصلاة والسلام، ابتلاء عظيم، وكذلك فر أصحابه عنه عليه الصلاة والسلام، ولم يبق معه إلا أفراد منهم، رضي الله عنهم. فإذا هذا يوم شديد، فأنزل الله هذه الآية. وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة، نقتصر على بعضها لانتهاء الوقت. فمن فوائد هذا الحديث: أن المؤمن يتوكل على الله ولا ينظر لقلة إمكانياته أو لقلة الأسباب التي يتخذها، فالله عز وجل هو القائل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ما يستطيع المسلم فلا يعطي العدو فوق حجمه، فمهما ملك العدو من العدد والعتاد والقوة، فالمسلمون يتجهزون بما يستطيعون وبما يسر الله لهم، ويتوكلون على الله، والله ناصرهم كما نصر نبيه في هذه الغزوة التي لم يخرج النبي عليه الصلاة والسلام من أجل القتال فيها، ولكن الله قضى أمراً كان مفعولاً. وهكذا من فوائد هذا الحديث: أن المؤمن إذا نزلت به شدة لجأ إلى الله، فهو القائل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾. لا تيأس مهما بلغ بك هذا البلاء، عدو قادم إليك وعنده من القوة والعتاد والإمكانيات، ألجأ إلى الله، الدعاء هو الجند الذي لا يهزم. نعم، ما يدريك أن الله عز وجل يصلط على هؤلاء الأعداء جنداً من جنوده، ريحاً كما سلطها على المشركين في غزوة الأحزاب، سلط عليهم ريحاً شديدة أخذت أمتعتهم وأخذت خيامهم، ففروا وفزعوا، وكان النصر للمسلمين. وهكذا نزول الملائكة وغير ذلك من الأسباب والجند التي يرسلهم الله عز وجل، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ سبحانه وتعالى. فالمؤمن لا يأس ولا يقنط، وإنما يلجأ إلى الله، سواء كان في قتال، سواء كان في مرض، سواء كان في حاجة وفقر، سواء كان في شدة وأزمة، يلجأ إلى الله ويستغيث بالله. واستدل العلماء بهذا الحديث أن دعاء المضطر ليس كدعاء غير المضطر، فدعاء المضطر يكون بالمبالغة في رفع اليدين، وفي البكاء، وفي التضرع، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام يرفع يديه ويبالغ في رفع اليدين حتى بدت إبطاه عليه الصلاة والسلام، وهكذا سقط رداؤه عليه الصلاة والسلام، وهذا كله من المبالغة في الدعاء والاستغاثة. وهكذا من فوائد هذا الحديث: وكما تقدم، الوقت قد أهمنا، فنختار أهم هذه الفوائد. فيه فضل الاستشارة، فالنبي عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله، وهو قائد هذه الأمة، وهو الذي يوحى إليه، ومع هذا كان يشاور أصحابه. هذا ليس هو الموقف الوحيد الذي شاور فيه النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة، بل كم شاورهم في هذه الغزوة في القتال، وفي غيرها من المواقف، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. فالمشورة أمرها عظيم، فيها الخير، وفيها كذلك جمع الآراء وجمع الأقوال التي تستطيع بعد ذلك أن تهتدي بإذن الله إلى الصواب منها. فإذا كان هذا من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فغيره من باب أولى أن يشاور إخوانه أو يشاور ساداته أو مشائخه في أي أمر يقدم عليه. وهكذا من فوائد هذا الحديث: جواز بكاء الرجل عند حدوث موقف يستدعي ذلك، فليس هذا من العيب. بعض الناس عندهم قسوة، إذا رأى رجلاً يبكي تعجب، قال: "إيش أنت حرمة؟ إلا الحريم يبكين". يا أخي، أنت عندك قلب، النبي عليه الصلاة والسلام مات ابنه إبراهيم فدمعت عيناه، هذا من الرحمة، وتوفي كذلك ابنته أو بنت ابنته، فرق ودمع عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الموقف، لما أنزل الله عز وجل القرآن موافقاً لعمر ومخطئاً لأبي بكر، بكى النبي عليه الصلاة والسلام. فلا بأس في المواقف التي تستدعي ذلك أن يبكي الإنسان، يرحم ميتاً، يرحم مريضاً، يحدث موقف فيه مخاصمة أو فيه كذلك صلح أو نحو ذلك فيبكي فرحاً أو نحو ذلك، فهذا لا بأس به، لا يعاب على صاحبه، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام كذلك. نعم، فالبكاء ليس للنساء كما يقولون، وإنما الشيء الذي يستدعي البكاء، حتى الرجل له أن يبكي. وقد ذكر ابن القيم أن العبد إذا حمل نفسه في أمور تستدعي البكاء ولم تدمع عينه، ربما يؤثر ذلك على صحته، يؤثر ذلك على صحته فيقسو قلبه، وهكذا تتعكر حياته، لكن إذا بكى ينفس على نفسه، وهكذا يريح قلبه، ونحو ذلك من فوائد هذا الأمر. وهكذا من فوائد هذا الحديث أخيراً، ولا أحب أن أطيل فيه: شؤم المعصية. فانظر الصحابة في أمر واحد خالفوا أمر النبي عليه الصلاة والسلام، فكان هذا الأمر وهذه المصيبة التي ذكر الله عز وجل وسماها مصيبة: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. قال شيخنا رحمه الله: الحديث رجاله رجال الصحيح، وقد عزاه ابن كثير والسيوطي وابن أبي حاتم مختصراً، وإنما سقته بتمامه لما فيه من العبر، العبر بمعنى الفوائد، وذكرنا شيئاً من هذه الفوائد. قال: لم يذكر الشيخ فقط وجه الشاهد وهو نزول الآية في آخر هذا الحديث، بل ذكر هذا الحديث بطوله، وفيه نزول ثلاث آيات، فيه سبب نزول ثلاث آيات: الآية الأولى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾، والآية الثانية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾، والآية الثالثة: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. قال: وسيأتي ذكر بعض مخرجيه في سورة الأنفال، لأن فيه قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم.