الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع معنى آية الإنفاق وعدم إلقاء النفس في التهلكة مستنداً إلى رواية البخاري أن البخل بالصدقة هو التهلكة الحقيقية. ثم يسوق حديث الترمذي عن الصحابي الذي اقتحم صفوف الروم وحديث الصحابة عنه.
يناقش المقطع احتجاج البعض بحديث الصحابي لتبرير العمليات الانتحارية، ويرد بأن القياس باطل لأن الصحابي لم يفجر نفسه بل قاتل متخفياً. ويؤكد أن العمليات الانتحارية قتل للنفس محرمة وليست شهادة.
يذكر المقطع أن الآية نزلت في الأنصار الذين أهملوا مزارعهم للجهاد ثم أرادوا الإقامة لإصلاح أموالهم. فنهى الله عن ذلك وسمّاه تهلكة لأن ترك الجهاد لطلب الدنيا يؤدي لهلاك الدين والدنيا.
يفسر المقطع التهلكة بأنها الإقامة على الأموال والاهتمام بإصلاحها مع ترك الغزو في سبيل الله. ويوضح أن هذا الوصف ينطبق على من نوى التخلف عن الجهاد مع الرسول للانشغال بالدنيا.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. وقال الإمام البخاري رحمه الله: «حدثنا إسحاق، قال: حدثنا النضر، قال: حدثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت أبا وائل، عن حذيفة: ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾، قال: نزلت في النفقة». ومعنى «نزلت في النفقة» يعني: لا تبخلوا على أن تنفقوا على الفقراء والمساكين والمحتاجين، فإن بخلتم فقد ألقيتم بأنفسكم إلى التهلكة. هذا المعنى، فهذا معنى قوله: «نزلت في النفقة»، لأن الآية سياقها يدل على ذلك. ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يعني: من أموالكم، ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ أي: بعدم تصدقكم ونفقتكم. قال الترمذي رحمه الله: «حدثنا عبد بن حميد، قال: أخبرنا الضحاك بن مخلد، أبو عاصم النبيل، عن حيوة بن شريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران التجيبي، قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضال بن عبيد؛ لأنهم خرجوا جماعات جماعات، فعلى أهل مصر كان الأمير عقبة بن عامر، وعلى عامة الجيش فضال بن عبيد، أي: أميراً لهم». قال: «فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل عليهم» يعني: لم يلتق الجيشان بعده، ولم كذلك يلتق الصفان، فجاء هذا الرجل ودخل بين صفوف الكفار من الروم، دخل عليهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله، يلقى بيديه إلى التهلكة! كأنهم يقولون: لقد أدخل نفسه في موت محقق لأنه فرد واحد، فتعجبوا من صنيعه. «سبحان الله» كلمة قال عند التعجب، فتعجبوا من صنيعه وقالوا: سبحان الله، يلقى بيديه إلى التهلكة. وهل في هذا دليل لأصحاب التفجير والتكفير ممن يدخلون في العدو فيفجرون أنفسهم؟ فهم يستدلون بمثل هذا الدليل، وبمثل هذا الحديث. قالوا: انظروا إلى هذا الرجل الشجاع دخل في جيش المسلمين... قالوا: هذا دخل في جيش الكفار. انظروا إلى هذا الرجل دخل إلى جيش الكفار وهو فرد واحد، فكيف أنتم تقولون لنا: ما يجوز العمليات الانتحارية، وهذا الصحابي دخل بين صفوف الكفار؟ والجواب على ذلك: أن الاستدلال بهذا الحديث على صنيعهم وعلى فعلهم بعيد جداً. فهل جاء في هذا الحديث أن هذا الصحابي فجر نفسه وقتل نفسه؟ ها، هل جاء في هذا الحديث ذلك؟ ما جاء هذا، وإنما دخل يقاتل، دخل يقاتل. ومع هذا، فهل هذا الفعل جاء في الشرع؟ يعني: هذا الفعل من هذا الرجل، جاء في الشرع إقراره؟ هل أقره الشرع على ذلك؟ هذا اجتهاد منه. ومع هذا، لم يفجر نفسه ولم يقتل نفسه، وإنما ربما دخل خفية، أن ما وجد في الحديث أن المشركين أو الكفار عن علم به، فلربما دخل خفية، أو دخل متنكراً أو نحو ذلك، أو يكون دخوله في الليل عند الظلمة. فهذا الفعل منه ليس كفعل أولئك الذين يفجرون أنفسهم ربما في صفوف المسلمين. هل هذا دخل بين المسلمين؟ ها، هل هذا الصحابي قتل أحداً من المسلمين؟ أبداً، إنما دخل عند الكفار، عند الروم الذين أرادوا قتال المسلمين. ومع هذا، فإن هذا الفعل يعد اجتهاداً من هذا الرجل، فكيف بعد هذا يستدل بهذا الحديث على فعل أولئك الذين في الحقيقة ينحرون أنفسهم، ولستهم بشهداء، كما حقق ذلك علماء العصر؟ بل هذه الأعمال لا تجوز، وهي من قتل النفس. قال: «فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل عليهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله، يلقى بيديه إلى التهلكة». فقام أبو أيوب - رضي الله عنه - الأنصاري، فقال: «يا أيها الناس، إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل» يعني: تفسرونها، تفسرون هذه الآية بهذا التفسير، «وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار» يعني: ما نزلت في مثل هذا. قال: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾: من دخل بين الكفار أو نحو ذلك، وإنما نزلت في الأنصار. كيف نزلت فيهم؟ بيّن ذلك فقال: «لما عز الله الإسلام وكثر ناصره» يعني: دخل الناس في دين الله أفواجاً، وكثر المسلمون والفتوحات، فقال بعضنا لبعض، أي: قال الأنصار بعضهم لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: دون أن يسمعهم أو يعلم بهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت». ويريدون بالأموال هنا مزارعهم، فإن غالب عمل الأنصار ومعيشة الأنصار كانت في الزراعة. فما تعلمون أن المدينة أرض زراعية يكثر بها النخيل ونحو ذلك، فلما تفرغوا للجهاد ونصرة الرسول عليه الصلاة والسلام أهملوا مزارعهم ولم يعتنوا بها ويزرعونها ونحو ذلك، فهذا معنى قوله: «إن أموالنا قد ضاعت»، يعني: أصبحت أراضينا قاحلة، لا زرع فيها لأننا لم نعتني بها. «وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصره، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها» يعني: خلاص الآن يخرج غيرنا ممن أسلم، ونحن نترك الجهاد ونترك الخروج في سبيل الله، ونتفقد أموالنا ونعتني بها ونمكث فيها ونحو ذلك، هذا معنى كلامهم. قال: «فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد علينا ما قلنا: ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾». قال أبو أيوب: «فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها». انظر: سمى الله سبحانه وتعالى هذا الفعل منهم تهلكة، لماذا؟ لأنهم بهذا التعلق بأمر الدنيا يتركون شعيرة عظيمة من شعائر الدين، وهي الجهاد في سبيل الله، والذي ينفع الإسلام والمسلمين إنما هو الجهاد في سبيل الله. فلو أن المسلمين اعتنوا بدنياهم وتركوا أمر دينهم وآخرتهم، لا شك أن في ذلك هلاكاً لهم، وإنما يتسلط عليهم الأعداء، ويضعف إيمانهم وصلاحهم وتعلقهم بالله سبحانه وتعالى. فلذلك قال هنا: «فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو» يعني: لما نووا أن يتركوا الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «