الصحيح المسند من أسباب النزول  27

الصحيح المسند من أسباب النزول 27

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 27، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

صفات المنافقين في التخلف عن الجهاد وحب المدح بالباطل

يستعرض المقطع صفات المنافقين المتمثلة في التخلف عن الغزو والفرح بالقعود والكذب والحلف بالزور للاعتذار إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ويبين أنهم يحبون أن يُحمدوا على جهاد لم يقوموا به، بعكس المؤمنين الصادقين الذين يكرهون المدح ويخافون الفتنة.

سبب النزول في اليهود وتحذير العلماء من المدح والغلو

يوضح المقطع أن الآية نزلت في اليهود الذين كتموا العلم عن النبي ﷺ وكذبوا عليه ثم فرحوا بخداعهم وحمدهم على غير حق. ويسوق تواضع العلماء كشيخ ابن مرعي والألباني ورفضهم للمدح محذرين من الفتنة فيه، مبيناً أن الآية ليست على عمومها في كل ممدوح بل فيمن أظهر عملاً ولم يفعله.

الجمع بين روايتي سبب النزول وترجيح عمومية اللفظ

يناقش المقطع اختلاف الروايات في سبب النزول بين حديث أبي سعيد في المنافقين وحديث ابن عباس في اليهود، ويرجح الشيخ مقبل حديث أبي سعيد لجهالة راوٍ في سند ابن عباس. ويخلص إلى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية تشمل كل من فرح بعمله إعجاباً وتكبراً وأحب أن يُحمد بما ليس فيه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله محمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": "لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا". قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رجلا من المنافقين على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو - فالغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله - وإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. الحديث أخرجه مسلم وابن جرير. ومعنى هذا الحديث - ماذا قلت؟ لا، رجالا، سبغ لسانا، هذا ما عندي، هذا - وإذا قدم رسول الله اعتذروا إليه وأحبوا أن يحمدوا، عندي صفط، وحلفوا، نعم. معنى هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا خرج غزوة يستنفر الناس، يدعوهم للخروج للجهاد في سبيل الله، فالصادقون المؤمنون سرعان ما يستجيبون لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما المنافقون فإنهم يكرهون الجهاد لأن قلوبهم مليئة بالكفر والكراهية للإسلام، فكان إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرجوا معه، وهم أظهروا الإسلام، فلذلك عاملهم النبي عليه الصلاة والسلام بالظاهر، عاملهم بالظاهر، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: "من أظهر لنا خيرا أمنا وأوكلنا أمره إلى الله، أما القلوب فما ردها إلى الله". أنت ما أمرت أن تنقب عن قلوب الخلق، هل هم صادقون أو ليسوا بصادقين؟ فهذا لله عز وجل. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحكم بالظاهر، يأتون يصلون مع المسلمين، وهكذا يقومون بالشعائر الظاهرة من الصيام، وكذلك الالتزام بالآداب الإسلامية في الظاهر، فكانوا يتخلفون ويفرحون بذلك، كما قال الله عز وجل: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، وكرهوا أن يجاهدوا في سبيل الله، وقالوا: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾، ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾، أو يعلمون، لو كانوا يفقهون، يفقهون. هذا هو حال أهل النفاق، ومعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام من تخلف عنه لا بد أن يأتي بعذر شرعي، كمرض أو تمريض، يعني أحد أقرباءه احتاج إلى تمريض أو نحو ذلك، فلما يأتي النبي عليه الصلاة والسلام من الغزو يأتي إليه المتخلفون، كل من تخلف يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويأتي بعذره، فيأتي المنافقون ويكذبون، وهذا من أبرز صفاتهم: الكذب. من أبرز صفات أهل النفاق الكذب والحلف، ﴿اشْتَرَوْا بِأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وفي سورة التوبة كم من آيات فيها: ﴿وَيَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾، ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾، ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾، هذا من صفات أهل النفاق. فإذا جاء النبي صلى الله عليه وسلم من الغزو جاء هؤلاء المنافقون المتخلفون ويحلفون، كما جاء في هذا الحديث: "وإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا"، أو على الرواية، أو على النسخة التي عندكم: "حلفوا واعتذروا إليه"، هكذا، نعم، حلفوا وأحبوا أن يحمدوا، أي أنهم مع هذا الحلف يفتخرون وكأنهم لم يرتكبوا ذنبا، ويفرحون بهذا المكر وهذه الخديعة، ويحبون أن يحمدوا أنهم فعلا لو لم يكن معهم هذا العذر لخرجوا ولا قاتلوا، ولا قاتلوا، ولا استبسلوا، والأمر ليس كذلك، فهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، هم لم يفعلوا شيئا، لم يقاتلوا ولم يخرجوا ويخرجوا، لكن لما يحلفون ويعتذرون كأنهم فعلوا ذلك، فهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، وما لم يخرجوا، وما لم يجاهدوا. فنزلت هذه الآية فيهم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، يفرحون بكذبهم وحلفهم وقبول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعذرهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يحكم بالظاهر، فهم يفرحون بذلك، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، يثنى عليهم بشيء لم يفعلوا ولم يتصفوا به. هذا هو معنى هذا الحديث، والله تعالى أعلم. هذا الحديث فيه فوائد، من فوائد هذا الحديث: ذكر صفات عدة للمنافقين، أعاذني الله وإياكم منها. فمما ذكر في هذا الحديث من صفات أهل النفاق: تخلفهم عن الغزو، أنهم ما يحبون الجهاد ولا يخرجون إلا مكرهين، هذا من أبرز صفاتهم. ومما ذكر في هذا الحديث من صفاتهم: أنهم يفرحون بذلك التخلف، بقوله: ﴿وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، ما معنى "خلاف رسول الله"؟ يعني الرسول سلم خرج وهم يخلفون فلم يخرجوا معه، فهم قعدوا خلاف رسول الله. ومن صفاتهم مما ذكر في هذا الحديث: الحلف، الحلف والكذب، هذا أيضا من صفاتهم، كما قال عليه الصلاة والسلام: "آية المنافق ثلاث"، وذكر منها: "إذا حدث كذب"، إذا حدث كذب، فمن صفاتهم الكذب والحلف بالكذب، يحلفون كذبا وزورا، هذا أيضا من صفات أهل النفاق. ومن صفات أهل النفاق مما ذكر في هذا الحديث أيضا: أنهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، ربما إنسان ظن أنه خرج للجهاد، قال: "لا، جزاك الله خير، ما شاء الله، جاهدت"، وقد يقول: "نعم، هذا من صفاتنا، وهذا من أخلاقنا"، وهو لم يخرج، يحب أن يحمد بهذا. أما الصادق فإذا مدح حتى بحق لا يحب ذلك، المؤمن لا يحب المدح بل يغضب ويخاف على نفسه الفتنة إذا مدح وأثني عليه، وهكذا العلماء. لعلكم سمعتم الشعر الذي قيل في حضرة الشيخ ابن العثيمين عليه رحمة الله، رجل من أهل الخير أراد أن يمدح الشيخ ويثني عليه، فذكر أبياتا فيها مدح، وذكر في بيته: "مبارك الله في صحوتنا مادام فيها ابن العثيمين"، قال له: "لا، لا، لا، أنا ما أرضى بهذا"، وذكر موعظة قيمة عليه رحمة الله، وأن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، وأنكم لا تعلقون الحق بالرجال، لا تعلقون الحق بالرجال، درس عظيم، وهذا مسموع للشيخ ابن العثيمين، ما كان يحب المدح والثناء، وهكذا العلماء. أذكر مرة شيخنا شيخ عبد الله بن مرعي، قام أحد المقدمين في محاضرة وأثنى عليه، يعني ثناء عادي: "الشيخ الجليل، له جهود، وله كذا، وهو مركز"، أثنى على الشيخ، فقام الشيخ مغضبا وأنكر على هذا المقدم، وقال: "ما نحن إلا طلاب علم". وهكذا سمعت شريطا مسموعا للشيخ الألباني عليه رحمة الله، يتكلم أحدهم ويقدم، فذكر العلامة الشيخ الألباني، فبكى الشيخ الألباني عليه رحمة الله، وذكر أثر أبي بكر رضي الله تعالى عنه، والذي معناه: "اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون"، أو بهذا المعنى، ويبكي رحمه الله. أهل الصدق ما يحبون المدح، ما يحبون الثناء، أما أهل الكذب وأهل الانحراف يحبون المدح وينتفخون بالمدح والثناء وإن لم يكن فيهم. وإلا فالشيخ الألباني إمام، يقال الآن في إمام من هو دونه بمفاوز ودرجات كبيرة، فكيف وهو إمام علم الحديث في عصره؟ لكنه التواضع والخوف من الفتنة. فالمؤمن ما يحب أن يمدح، أما إذا مدح بما ليس فيه فهذا يكون أشد إنكارا من المؤمن. إذا أنت طالب علم وقيل لك: "يا شيخ" أو "يا علامة"، لا تتبسم وتسكت وتنتفخ، أنكر، قل: "أنا ما أنا علامة، أنا مسكين طالب علم". إذا قيل لك: "يا إمام الثقلين"، يا أخي أنكر، إيش "إمام الثقلين"؟ "إمام الثقلين" كلمة كبيرة، ما قيلت في أحد فيما أذكر في العلماء، فينبغي عليك أن تنكر، أو أن لحمك إذا يعني ذاب كذا، هذه الكلمات التي فيها من الغلو ومن المدح الزائد الذي ما ينبغي، فالواجب على العالم أن ينكر مثل هذا المدح الذي ليس فيه. فهكذا يعلمنا ربنا من تلك الآداب أن لا نفرح بالمدح، أن لا نفرح بالمدح، وإن كان فينا، إن ربما يكون فتنة، ربما يكون فتنة. قال شيخنا رحمه الله: سبب آخر. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثني إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا هشام بن جريج، أخبرهم عن ابن أبي مليكة، أن علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال لبوابه: "اذهب يا أبا رافع"، عندكم "أبا رافع"، عندك "رافع" وأنت "رافع" بدون "أبا"، كلكم هكذا، قال: "اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا، لنعذبن أجمعون"، أو "لنعذ طيب لنعذبن أجمعون"، "نعذبا" غير الصيغة، "لنعذبن أجمعون"، ما إعراب "أجمعون"؟ ها، لا، لا، ها توكيد، ولماذا رفع؟ توكيد، لماذا؟ نعم، عندك توكيد لنائب الفاعل المستتر، "لنعذب"، الناء نحن، طيب، "أجمعون". فقال ابن عباس: "ما لكم ولهذه الآية؟ إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهودا وسألهم عن شيء فكتموه، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم"، ثم قرأ ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، كذلك حتى قوله: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. ومعنى الحديث في هذا السبب الآخر: أن مروان، كما سيأتي من كلام الحافظ، وهو احتمال، بلغه عن ابن عباس، عباس من طريق أو بواسطة رافع، أن كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل يدخل في هذه الآية، هذا سيأتي من كلام الحافظ، بمعنى: بمعنى أن قول مروان: "اذهب يا رافع إلى ابن عباس"، أي أن رافع أتاه بهذا عن ابن عباس خطأ، خطأ، فقال مروان لرافع: "اذهب إلى ابن عباس وقل له: كيف يكون هذا المعنى؟" فلما رجع مرة أخرى ذكر ابن عباس المعنى الصحيح لهذه الآية، وأن ليس المعنى الذي نقله رافع، هذا على كلام الحافظ، وهو يعني احتمال، واحتمال آخر: أن مروان فهم من الآية هذا الفهم ابتداء، مروان من الحكم فهم هذا الفهم من الآية، أن كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل فيكون معذبا، لأن آخر الآية قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾، يعني ببعد عن العذاب، فمعنى: كل من يحب أن يحمد، وكل من فرح بما أوتي فهو معذب، فهم هذا الفهم من الآية مروان، فبعث بوابه رافع أن يستفصل من ابن عباس. هذا التفسير الثاني، الأول: أن مروان أرسل رافع إلى ابن عباس، فأتاه، فأتاه رافع بهذا الجواب: أن كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل فهو معذب، تمام، فأرسله مروان مرة ثانية يستنكر هذا التفسير للآية، فهمت؟ يستنكر هذا التفسير للآية، واضح، يعني يحتمل أن مروان فهم من الآية هذا الفهم، ويحتمل أن رافع أتاه بهذا الفهم خطأ من ابن عباس، فرده مرة أخرى يستفصل من ابن عباس، فهمتم هذا؟ وهذا سيأتي من كلام الحافظ. فبيّن ابن عباس أن الآية ليست على عمومها، وإنما لها سبب، وهي لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم اليهود وسألهم عن شيء، سألهم عن أمر فكتموه، يعني أخفوه، لم يجيبوا بالجواب الصحيح الذي يعلمون، كتموا هذا العلم، وأخبروه بغيره، أخبروه النبي صلى الله عليه وسلم بجواب خطأ غير الجواب الصحيح الذي يعلمون، فأروه، الحمد لله، فأروه يهديكم الله صلى الله عليه وسلم، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، يعني رأوا أنهم حمدوا من قبل النبي صلى الله عليه وسلم فيما سألهم عنه، واضح؟ فهم افتخروا بهذا، وهم يعلمون أنه كذب، لكن فرحوا بهذا، بظنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدري، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على هذا الخطأ، فهم استحمدوا إليه، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بما أخبروه، عجبوا بأنفسهم، وظنوا أنهم حمدوا من النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، فرحوا بما كتموا من علم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنهم كذبوا عليه. ثم قرأ ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لِتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، فيكون هذا السبب في هذه الآية، وفي الآية التي قبلها: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لِتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، فهم كتموا العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنبذوا وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنا قليلا، فبئس ما يشترون، ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾، يعني من كتمانهم للحق، ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، يحبون أن يحمدوا بإجابتهم الخاطئة، هما أجابوا إجابة صحيحة؟ واضح، فاستحمدوا ذلك، واستكبروا، وظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بمكرهم، فنزل القرآن ببيان كذبهم، ببيان كذبهم. هذا هو معنى هذا السبب. قال: تابعوا، عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: حدثنا ابن مقاتل، قال: أخبرنا الحجاج عن ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه أخبره مروان بهذا، يعني بدون ذكر بوابه رافع. الحديث أخرجه مسلم، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، والإمام أحمد، ومسلم، وابن جريج. قال شيخنا: هذا، ويمكن الجمع بين الحديثين، لأن الحديث الأول في المنافقين، حديث أبي سعيد، والحديث الثاني حديث ابن عباس في اليهود، فقال شيخنا: هذا، ويمكن الجمع بين الحديثين بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معا، وكما تقدم معنا كثيرا، ومرارا وتكرارا، أن الآية الواحدة قد يكون لها أكثر من سبب نزول، قد يكون لها أكثر من سبب نزول، قاله الحافظ في الفتح. قال: أقول، يعني الحافظ، لا، الشيخ، شيخنا هذا، الشيخ مقبل، قال: أقول، ولو رجح حديث أبي سعيد لكان أولى، لأن حديث ابن عباس ممن تقد على الشيخين، لأن حديث ابن عباس كما تقدم في البخاري، وكذلك في مسلم، قال: ولو رجح حديث أبي سعيد لكان أولى، لأن حديث ابن عباس ممن تقد على الشيخين، كما في مقدمة الفتح، وكما في الفتح، ولا معنى لقصرها على أهل الكتاب، لأن حديث ابن عباس يفيد أن هذه الآية خاصة بأهل الكتاب. أنتم معي الآن، حديث ابن عباس يدل على أن الآية خاصة في أهل الكتاب، لأنه قال هنا: ابن عباس: "ما لكم ولهذه الآية؟" يعني الآية ليست عامة، إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهودا، فإمتم، هذا الآن، فلذلك كما ذكر الشيخ هنا، هذا الحديث، حديث ابن عباس، منتقد الحفاظ، ومنهم الحافظ ابن حجر، قال: "وكما في الفتح، ولا معنى لقصرها على أهل الكتاب". قال الحافظ في الفتح: "وعموم ويجمل كل من أتى بحسنة ففرح بها فارح إعجاب، وأحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بما ليس فيه"، فكما ذكرنا القاعدة التي في المقدمة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالصحيح في الآية أنها عامة، فتشمل كل من أتى بحسنة لكنه فرح بها فرح إعجاب، يقيد بهذا، لأن المؤمن يفرح بالأعمال الصالحة، صح، لكن هذا الفرح ليس فرح إعجاب وتكبر وغرور، إنما فرح باستكمال الطاعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، لأنه أكمل الصيام، وفرحة عند لقاء ربه"، هذا الفرح محمود لأنه ليس فيه إعجاب، لكن لو إنسان عمل طاعة وعجب بهذا العمل، وترفع على الخلق، وتكبر، فهنا يدخل في معنى الآية، فهمتم هذا الآن؟ يدخل في معنى الآية، فيقيد الفرح بفرح الإعجاب، وأيضا أحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بما ليس فيه، علامة، وليس علامة، يفرح بهذا شيخ، وليس بشيخ، يفرح بهذا مستفيد، وهو ليس مستفيد، يفرح بهذا عابد، وهو ليس بعابد، يفرح بهذا، هذا يدخل في عموم الآية، فهمتم هذا الآن؟ قال شيخنا: هذا، ومما يؤيد ما قلته، يعني الشيخ هنا يرجح حديث أبي سعيد على حديث ابن عباس، مع أن حديث ابن عباس في الصحيحين، لكن العلماء قالوا: بعض الأحاديث التي في الصحيحين وهي يسيرة انتقدها العلماء، وقد يكون الصواب مع المنتقد، وقد يكون الصواب مع الشيخين، واضح، فأحاديث، فأحاديث يسيرة انتقدت على البخاري ومسلم، والدارقطني حكم بين الشيخين وبين من انتقد الشيخين، وشيخنا له تحقيق على التتبعات الدارقطني، وله كتاب في هذا، فالشيخ هنا يرجح قول من انتقد هذا الحديث، ولذلك قال: هذا، ومما يؤيد ما قلته في الترجيح، أن الحافظ رحمه الله قال في الفتح: في أبي رافع الرسول إلى ابن عباس، عن الذي أرسله مروان إلى ابن عباس، قال في الفتح: في رافع، ما عندي "أبي" هنا، أنتم عندكم "رافع" صح؟ ها، لا، إذن هذا خطأ، إما الأول خطأ أو الثاني، فهمتم هذا الآن؟ ما عندنا إلا "رافع"، والله "أبي رافع"، ففي خطأ في الطبع، أنا عندي مثلكم، في أول شي "رافع"، وبعدين "أبي رافع"، فيكون هنا يحتاج أحد ينظر إلى الأصل، ينظر إلى أصل الحديث الذي هو في صحيح البخاري، أهو "رافع" أو "أبي رافع"؟ تأكد بارك الله فيه. قال: هذا، ومما يؤيد ما قلته في الترجيح، أن الحافظ رحمه الله قال في الفتح: في "أبي رافع" الرسول ابن عباس، الذي يدور عليه، لم أر له ذكرا في كتب الرواة إلا بما أتى في الحديث، يعني ما ذكر إلا في هذا الحديث، فهو مجهول، قال الحافظ: لا زال الكلام، لا، والذي يظهر لي من سياق الحديث أنه توجه إلى مروان، فبلغه الرسالة، معنى "توجه إلى مروان": يعني رجع "رافع" أو "أبي رافع" إلى مروان، فبلغه الرسالة، ورجع مروان بالجواب، ما معنى "رجع مروان بالجواب"؟ بمعنى أن مروان هو الذي ذهب إلى ابن عباس بعدما أتاه رافع بكلام أنكره، فأراد أن يستثبت، فيكون الخطأ من من من رافع، طيب، في فهم الآية، ولذلك جاءت فيه رواية، ذكر الشيخ: قال: حدثنا ابن مقاتل، قال: أخبرنا الحجاج عن ابن جريج، قال: أخبرنا ابن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه أخبره مروان بهذا، أخبره مروان، فهمتم هذا الآن؟ فهمت يا محمد، يعني إيش معنى قول الحافظ: "والذي يظهر لي من سياق الحديث أنه توجه إلى مروان"؟ من توجه؟ "رافع" هذا توجه إلى مروان، يعني رجع إلى مروان، فبلغه الرسالة، الرسالة التي تقول ماذا؟ أن أي إنسان يفرح بما أتى ويحب أن يحمد بما لم يفعل فهو معذب، وهذا خطأ من رافع، فهمتم هذا الآن؟ فذهب مروان بنفسه إلى ابن عباس يستفصل، فأخبره ابن عباس بما جاء في الحديث، وضح هذا الآن. قال: فلولا أنه معتمد عند مروان، ها، نعم، ما قنع برسالته، إلى آخر ما قال رحمه الله، يعني يريد أن يقول: أن رافع هذا أخطأ، فهذا دليل على عدم ضبطه، واضح، فذهب مروان واستفصل من ابن عباس، فأخبره بما جاء في الحديث، فالمهم شيخنا يضعف هذا الحديث لجهالة أبي رافع، فإنه مجهول، ولم يذكر إلا في هذا الحديث، نعم، مع أن بعض العلماء يقول: أن الإمام البخاري إمام وينتقي، فلعله يوثقه بما علم من حاله، والله تعالى أعلم. فالمهم: إذا كان الحديث لم يتم فيه الانتقاد، فتكون الآية لها أكثر من سبب، تكون لها هذان السببان، ويجمع بينهما بهذا: إنها نزلت في هذا، ونزلت في هذا، فتكون عامة، واضح. وعلى القول بأن حديث ابن عباس منتقد، فهذه الآية لم يصح فيها إلا السبب الأول، وما جاء في المنافقين، فيكون عام فيهم وفي غيرهم، هذا والله تعالى عام. ترجمة نانسي قنقر