الصحيح المسند من أسباب النزول  11

الصحيح المسند من أسباب النزول 11

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول آية الإفاضة من عرفات وعادات الحُمْس في الجاهلية

يبيّن المحور سبب نزول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، موضحاً أن قريشاً (الحُمْس) كانوا يقتصرون على الوقوف بالمزدلفة تعظيماً للحرم، بينما أمر الله نبيه بالوقوف بعرفات والإفاضة منها أسوة بسائر الناس. كما يستعرض عاداتهم الجاهلية في الطواف بالثياب المستعارة أو العري، وكيف جاء الإسلام بتحريم كشف العورات وتوحيد مشعر الإفاضة.

سبب نزول آية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ وسياق هجرة صهيب

يتناول المحور سبب نزول الآية الكريمة في صهيب الرومي رضي الله عنه، الذي بذل ماله كله لكفار قريش ليفك أسره ويهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ويشير إلى بشرى النبي له بقوله: "أبا يحيى، ربح البيع"، مؤكداً مساواة الإسلام بين المسلمين في المناسك والهجرة.

تفاصيل هجرة صهيب الرومي وشجاعته ونزول الوحي

يسرد المحور تفاصيل مواجهة صهيب للمشركين الذين لاحقوه، حيث أظهر شجاعة نادرة وهددهم بالسهام والسيف، وعرض عليهم جاريتيه بمكة مقابل تركه يهاجر. وينتقل لذكر الفوائد المستنبطة: شجاعة المؤمن، وجواز مدح النفس لإذلال العدو، وجواز بذل المال للسلامة من الشر وحفظ الدين.

صدق الصحابة في الهجرة وخاتمة الدرس

يختتم المحور بالحديث عن صدق الصحابة رضي الله عنهم في هجرتهم وتركهم لديارهم وأموالهم طلباً لرضوان الله ونصرة دينه، مستشهداً بقوله تعالى في سورة الحشر. ويشير المتحدث إلى الاكتفاء بهذا القدر من الشرح ختاماً للدرس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا فَرَّة بن أبي المغراء، قال: حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الناس يطوفون في الجاهلية عُراة، إلا الحُمْس. والحُمْس: قريش وما ولدت. وكانت الحُمْس يحتسبون على الناس، يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها، وتعطي المرأة المرأة الثياب تطوف فيها. فمن لم يعطِ الحُمْس طاف بالبيت عُرياناً. وكان يفيض جماعة الناس من عرفات، ويفيض الحُمْس من جَمْع. قال: وأخبرني أبي عن عائشة رضي الله عنها أن هذه الآية نزلت في الحُمْس: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال: كانوا يفيضون من جَمْع، فدفعوا إلى عرفات. ومعنى هذا الحديث: كان أهل الجاهلية لهم عبادات، ومن ذلك الطواف بالبيت، وكانوا يطوفون بالبيت، ولكن عندهم اعتقاد أن هذا البيت بيت معظَّم، وأن الثياب التي يلبسونها ثياب عصوا الله عز وجل فيها، فيقولون: كيف نطوف ببيت الله المعظَّم وعلينا ثياب عصينا الله فيها؟ فهم بين أمرين: إما أن يطوفوا عُراة الرجال والنساء، وإما أن يأخذوا ثياب الحُمْس. والحُمْس -كما تقدم- هم قريش وما ولدت، لأنهم يعتقدون فيهم أنهم أهل البيت، وهم كذلك أشراف القبائل، فكانوا يحتسبون على الناس. يعني: قريش تعطي من أراد الطواف بالثياب من ثيابهم، تعطيهم من ثيابهم. يأتي الرجل أو المرأة يريد أن يطوف وهو من غير قريش، فيقول للقرشي أو القرشية: أعطني ثوبك، فيُعطى له الثوب، فيطوف بهذا الثوب. فهذا معنى قوله: "وكانت الحُمْس يحتسبون على الناس، يعني الرجل يعطي الرجل الثياب يطوف فيها، وتعطي المرأة المرأة الثياب تطوف فيها". فمن لم يعطِه الحُمْس -إما لنفاذ هذه الثياب، أو لرفض الحُمْس إعطاء هذا الشخص- طاف بالبيت عُرياناً. وهذا من جاهليتهم. وقد ورد أيضاً أن المرأة كانت تطوف وهي عارية، وتقول: "اليوم يبدو بعضه أو كله، وما بدا منه فلا أحله". يعني: ما أجيز لأحد أن يقع فيه. نعم، لأنها في مكان معظَّم. فكانت تطوف وتأتي بهذا البيت، اليوم يبدو بعضه أو كله، وما بدا منه فلا أحله. وهذا من جاهليتهم. فأكرم الله أهل الإسلام فحرم عليهم كشف العورات، ولو في هذا الموضع. لا يجوز -ليس العورة المغلظة فحسب، بل حتى ما دون ذلك- فلا يجوز للمرأة أن تبدي شيئاً من زينتها، ولو كانت في هذا المكان، ولو كانت في هذا المكان وهي تطوف بالبيت. فما يعتقده العوام: يقولون: المرأة ما تلبس النقاب إذن في الحرم وهي محرمة، تكشف وجهها وهي في مكان عبادة، فيجوز لها في هذا المكان أن تكشف. لا، هذا غير صحيح، هذا غير صحيح. ولو كانت في هذا المكان، ما يجوز لها أن تبدي شيئاً من عورتها، ولو كان شيئاً يسيراً. فالله عز وجل أكرم أهل الإسلام بذلك، فقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، ومن ذلك المسجد الحرام. قال: "وكان يفيض جماعة الناس من عرفات، ويفيض الحُمْس من جَمْع". وجَمْع هي مزدلفة، يُقال لها مزدلفة، ويقال لها جَمْع، نسبة إلى الجمع الذي يكون فيها من الحجاج. فكانت قريش لا تفيض من عرفات، تصل فقط إلى مزدلفة. ومن حج يعرف هذه المواضع، فإن عرفة أو عرفات من أبعد مواضع مناسك الحج، وهي خارج الحرم، يعني حدود الحرم. أما مزدلفة فهي من حدود الحرم. فكانوا يعتقدون أن قريشاً ليس لها أن تخرج خارج الحرم، بل تبقى في حجها إلى مزدلفة، آخر موضع من مواضع الحرم. هذا كان في الجاهلية. وأما جماعة الناس غير الحُمْس، فكانوا يفيضون من عرفات، يذهبون إلى عرفات، ثم إذا غابت الشمس أفاضوا ودفعوا إلى جَمْع، ثم إلى منى. فهذا معنى قوله: "وكان يفيض جماعة الناس من عرفات، ويفيض الحُمْس من جَمْع فقط"، يعني من مزدلفة. قال: "وأخبرني أبي عن عائشة رضي الله عنها أن هذه الآية نزلت في الحُمْس: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾". يعني: من عرفات، وتركوا ما كنتم تفعلون في الجاهلية من الإفاضة من مزدلفة. فهذا معنى قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، أي: جماعة الناس. ولذلك قال: "كانوا يفيضون من جَمْع فدفعوا إلى عرفات"، يعني: لم يبقوا في جَمْع، بل دفعوا إلى عرفات، ثم بعد ذلك يفيضون إلى جَمْع. فهذا هو سبب نزول هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. قال: وقال البخاري رحمه الله: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا محمد بن حازم -والصواب: محمد بن خازم، أيش عندهم؟ خازم، هذا هو الصواب- قال: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يُسمون الحُمْس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام، أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، يعني: إلى مزدلفة. فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾. الحديث أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، إلى آخر ما ذكر شيخنا في تخريجه. هذا الحديث فيه من الفوائد: أن العبادات الأصل فيها أنها تشرع لعامة المسلمين، لا يختص جماعة دون أخرى، هذا هو الأصل، إلا ما جاء الدليل بتخصيصه من الأحكام والعبادات. ففي الحج -وهذا من حكم الحج- أن جميع الناس أعمال الحج في حقهم واحدة، الكل مأمور بالوقوف في عرفات، والكل مأمور بالطواف، والكل مأمور بالسعي، سواسية الناس في هذه العبادات، لا ينفرد شخص دون بقية المسلمين، ولا جماعة دون جماعات المسلمين، والكل سواء في هذه العبادات. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: نعمة الإسلام، إذ أكرم الإنسان من أعمال جاهلية، مثل ما كان يفعله المشركون من الطواف وهم عُراة. هذا شيء قبيح، وشيء كذلك تستنكره الفطر السليمة، فجاء الإسلام ونهى عن ذلك، ونهى عن ذلك. ولا علاقة بين المعصية في الثوب وبين الطواف بالحرم. نعم، ولو هذا الثوب عصيت الله فيه، زنيت فيه، أو شربت الخمر فيه، أو كذلك فعلت ما فعلت فيه من المعاصي، لا علاقة لذلك بالطواف به أو أداء العبادة فيه، خلافاً لما يعتقده أهل الجاهلية. فالمسلم يشكر الله عز وجل على نعمة الإسلام، ومن نِعَم أحكام هذا الدين العظيم الذي فيه من الحفظ والصيانة لهذا الإنسان في دينه، وفي عرضه، وفي ماله، وفي جميع شؤون حياته. ثم قال شيخنا: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. قال الإمام أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة قال: لما خرج صهيب مهاجراً، تبعه أهل مكة، فنثل كنانته، فأخرج منها أربعين سهماً، فقال: "لا تصلون إليَّ حتى أضع في كل رجل منكم سهماً، ثم أصير بعده إلى السيف، فتعلمون أني رجل. وقد خلفت بمكة قينتين، فهما لكم". قال: وحدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس نحوه. ونزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبا يحيى، ربح البيع". قال: وتلا عليه الآية. قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجه. هذا قاله الحاكم. قال: الحديث له طرق أخر، أغلبها مراسيل، كما في "الإصابة في معرفة الصحابة" لابن حجر، وفي "الطبقات" لابن سعد. من القسم الأول، يعني: الصحابة الذين مراسيلهم ليست بضعيفة، بل هي من صحيح مراسيل الصحابة، ويب مجموعها تزيد الحديث قوة، وتدل على ثبوته. فالحديث ثابت، والله تعالى أعلم. معنى الحديث: يخبر عكرمة رحمه الله أنه لما خرج صهيب -صهيب الرومي، وكُنيته أبو يحيى- وخرج بعد خروج النبي عليه الصلاة والسلام، وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، تبعه أهل مكة، يعني: تبعه المشركون، يريدون منعه من الهجرة، يريدون منعه من الهجرة. فنثل كنانته، يعني: انتزعها. والكنانة: هي جعبة صغيرة من جلد أو نحوه، توضع السهام فيها قبل الرمي بها، مثل ما الآن يسمونها جعبة، صح، يفعلونها للرصاص من جلد ونحوه، فهذه تسمى كنانة، توضع فيها السهام، مجموعة من السهام. فالمحارب يأخذ منها ويرمي العدو بالسهم. فانتزع هذه الكنانة، وأخرج منها أربعين سهماً، أربعين سهماً في هذه الكنانة، فقال لمن تبعه من المشركين: "لا تصلون إليَّ"، يعني: لا تستطيعون الوصول إليَّ، "حتى أضع في كل رجل منكم سهماً"، يعني: إن أبيتم إلا اللحاق بي، سأضرب بهذه السهام، وستصيب هذه السهام كل رجل منكم بسهم. ثم قال: "ثم أصير بعده إلى السيف"، يعني: بعد أن أرميكم بهذه السهام، سأأخذ السيف وأضربكم به، "فتعلمون أني رجل"، يعني: تعلمون أنني شجاع وقوي، ولا تستطيعون اللحاق بي، أو القبض عليَّ، أو نحو ذلك. ثم قال لهم حتى يرجعوا: "وقد خلفت بمكة قينتين"، يعني: جاريتين، يعني: جاريتين، "فهما لكم"، فهما لكم، خذوا هاتين الجاريتين. وهذا معنى قول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾، تركوا ديارهم، وتركوا كذلك أموالهم. فهذه الجواري من الأموال التي لها قيمة، تباع وتشترى، فتركوا كل أموالهم، من أراضيهم، من بيوتهم، من مماليكهم، من مزارعهم، من أجل دين الله عز وجل، وفراراً بدينهم من هؤلاء المشركين. فنجى منهم رضي الله تعالى عنه. قال: "وحدثنا حماد بن سلمة"، يعني: كذلك الحديث عن سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، والله أعلم. الأول: حماد بن زيد، وهذا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس نحوه. ونزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، يعني: صهيباً. ولذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أبا يحيى، ربح البيع". يعني: يا أبا يحيى، وأبو يحيى قلنا: كنية من كنية صهيب رضي الله تعالى عنه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أبا يحيى، ربح البيع"، لأن الله اشترى، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾، يشري بمعنى: يشتري نفسه ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، يعني: من أجل وجه الله سبحانه وتعالى. فأطلع الله عز وجل نبيه على ما صنع صهيب، وعلى ما فعل صهيب، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. فلما قدم إلى المدينة ورآه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "أبا يحيى، ربح البيع"، قال: وتلا عليه الآية. فهذا هو سبب نزول هذه الآية، وهو هجرة صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه، وما لاقى من المشركين في ملاحقته، وما رد عليهم رضي الله تعالى عنه. والحديث فيه فوائد: فمن فوائد هذا الحديث: شجاعة صهيب رضي الله تعالى عنه، فالمؤمن شجاع، لا يخاف، ولا يستسلم، ولا كذلك يذل نفسه. فانظر كيف قاوم هؤلاء، وخاطبهم بهذا الخطاب الشديد، مع أنه فرد واحد. وجاء في الحديث أن قريشاً تبعته، أو أن أهل مكة تبعوه، الله أعلم كم كان ممن تبعه، ربما يكون ثلاثة أو أكثر، عشرة، حتى الله أعلم، وهو فرد واحد، ومع هذا لم يستسلم لهم، بل خاطبهم هذا الخطاب. نعم. وفي هذا الحديث أيضاً: جواز مدح الرجل نفسه إذا كان في ذلك إذلال وتخويف للأعداء. فليس قوله: "ثم أصير بعدها إلى السيف، تعلمون أن رجل" تزكية لنفسه، لا، ليس هذا من باب التزكية لنفسه، وإنما من باب إظهار القوة والشجاعة، والشجاعة حتى يخافه العدو، حتى يخافه العدو، فهذا لا بأس به إذا كان في مثل هذا المقام، ولم يكن فيه تزكية للنفس. ومن فوائد هذا الحديث: يجوز إغراء العدو بشيء من متاع هذه الدنيا حتى يسلم من شره. فهذا صهيب قال: "وقد خلفت بمكة قينتين، فهما لكم، اتركوني وشأني". فهذا لا بأس به إذا كان في ذلك سلامة لدين المرء. فالصحابة تركوا أموالهم، وتركوا ديارهم، لكن سلم لهم دينهم، سلم لهم دينهم، فهذا لا بأس به. وفي هذا الحديث أيضاً: صدق الصحابة مع الله عز وجل، إذ هاجروا من أجل الله، وتركوا كل ما يملكون من هذه الدنيا، ابتغاء مرضات الله، كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.