الصحيح المسند من أسباب النزول  35

الصحيح المسند من أسباب النزول 35

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 35، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قصة عقد عائشة ونزول آية التيمم

يروي الحديث قصة انقطاع عقد عائشة رضي الله عنها في غزوة بني المصطلق، فتأخر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون للتماسه في مكان لا ماء فيه، مما أدى لعتاب أبي بكر لابنته. فأنزل الله آية التيمم في سورة المائدة رخصةً للطهارة بالتراب، فتيمم الصحابة وصلوا، ثم وُجد العقد بعد ذلك تحت البعير.

الفوائد الفقهية والتربوية من حديثي الإفك والتيمم

يستعرض المقطع فوائد متعددة مستنبطة من حديثي الإفك وتيمم عائشة، منها جواز تأديب الوالد لولده الكبير وحسن أدب الولد، ومشروعية التيمم في السنة السادسة، وجواز استعارة الحلي ونسبته للمستعير، وصلاة فاقد الطهورين. كما يبرز حسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه، ودلالته على أن النبي لا يعلم الغيب إلا بالوحي.

نفي علم الغيب المستقل عن النبي صلى الله عليه وسلم

يوضح المقطع أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب من تلقاء نفسه، بل يعلمه الله فقط ما أطلعه عليه عبر الوحي. وهذا دليل قاطع على اختصاص الله سبحانه وتعالى بعلم الغيب المطلق، ونفي علمه المستقل عن النبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول" في صورة المائدة، سبب نزول قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه، وليس عليهم ماء، وليس معهم ماء. فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس، وليس عليهم ماء، وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبستِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، ليس عليهم ماء، وليس معهم ماء. فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا. فقال أسيد بن الحضير: ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليها، فأصبنا العقد تحته. الحديث أخرجه البخاري في مواضع. وفيه: هلكت قلادة لأسماء، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبها رجالاً، الحديث. وفيه نزلت آية التيمم. طيب، نقرأ هذا فيما بعد. أولاً نأخذ شرح هذا الحديث ومعانيه. قول عائشة رضي الله تعالى عنها، وهنا تنبيه لغوي في قولها: «عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم»، فإن الأفصح في اللغة أن يطلق على المرأة «زوج»، فيقال: فلان زوج فلان، هذا هو الأفصح. ولذلك جاء هذا الحديث على الأفصح: «عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم». ويجوز من حيث اللغة أن يقال: «زوجة» بالتاء، لكن الأفصح بغيرها. فهنا قال: «عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم». قالت: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره». والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من عادته إذا أراد السفر والغزو يأخذ أحداً من أزواجه، ويقرع بينهن، فمن خرجت قرعتها أخذها معه عليه الصلاة والسلام. وقولها: «في بعض أسفاره»، هذا السفر هو غزوة بني المصطلق، وكانت سنة ست من الهجرة. وقولها: «حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش»، البيداء وذات الجيش موضعان بين مكة والمدينة. وهنا شك من راوٍ، فلا يدري هل هذا الموضع هو البيداء أو ذات الجيش. وهذا من دقة الرواة، فإذا شكوا في شيء رووه على ذلك الشك، وهذه من الأمانة. وإلا فقد رجح جماعة من العلماء أن الصواب ذات الجيش، لأنه وردت رواية أخرى بدون شك، بل فيها الجزم بأن هذا الموضع هو ذات الجيش. فلما كانوا بهذا الموضع انقطع عقد، والعقد هو القلادة التي تلبس في الحلق وتكون على الصدر، وهي معروفة من زينة النساء. وظاهر هذا اللفظ أنه من ذهب، بل جاء في بعض الروايات: كان ثمنها اثني عشر درهماً، أي كان هذا العقد ثميناً. «فانقطع عقد» يعني دون أن تشعر، خرج وانقطع وضع عليها، فلا تدري أين هو. وقولها: «عقد لي»، الأصل كما جاءت في الرواية الأخرى أنه لأختها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما جميعاً، وإن عائشة استعارته كما جاءت الرواية الأخرى. وأما قولها: «لي» بهذا اللفظ، فنسبته إلى استيلائها عليه بالمنفعة، لأنه ليس ملكاً لها، إنما أتت بلام الملك نسبة إلى انتفاعها به، وهذا يجوز، بل هو دارج في كلام الناس. تجد الناس مثلاً يقولون: «هذه سيارة فلان»، وهي ليست سيارته، وهم يعلمون هذا، إنما هي مثلاً سيارة الدعوة، أو سيارة المؤسسة، أو سيارة... يعني أحد أقاربه، وإنما هو سائق فيها، فيقولون: «جاءت سيارة فلان»، لأنه هو المنتفع بها. فالملك هنا ملك منفعة لا ملك حقيقي. فقولها: «انقطع عقد لي»، أي هذا العقد الذي هو في الأصل لأسماء. «فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه»، يعني تأخر النبي عليه الصلاة والسلام ولم يذهب ويمشي ويسافر من هذا الموضع، وإنما تأخر في التماسه عن البحث عليه. وبما أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الإمام الأعظم وهو الأمير لهذا الجيش، فالناس أقاموا مع النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هذا الموضع ليس فيه ماء، ما عندهم ماء. فقوله هنا: «وليس عليهم ماء»، يعني لا يوجد في هذا المكان ماء من عين أو بئر أو نحو ذلك. «وليس معهم ماء»، يعني لم يكن معهم زاد من ماء، لم يحملوا معهم شيئاً من الماء. فهذا الماء لا يوجد في هذا الموضع، وليس كذلك معهم في قربهم أو في رواحلهم أو نحو ذلك، فلا يوجد ماء. وهذه مشقة على الناس في الوضوء، وفي الانتفاع بهذا الماء في أمور كثيرة، فيه مشقة على عدم وجود الماء. قال: «فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق» لأنه أبو عائشة رضي الله عنها، فأرادوا أن يقنعوا أبا بكر ابنته أن تترك هذا الأمر والتماس العقد، وتأذي للنبي عليه الصلاة والسلام بأن ينطلق بالناس. فكلموا أباها أبا بكر رضي الله عنه، فقالوا: «ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله»، يعني هي كانت السبب في تأخره بسبب هذا العقد، «أقامت برسول الله وبالناس، وليس عليهم ماء، وليس معهم ماء». فجاء أبو بكر إلى عائشة كي يكلمها، وكي تصرف النظر عن البحث عن هذا العقد. فجاء أبو بكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذ، هكذا تقول عائشة، أي كان النبي عليه الصلاة والسلام نائماً على فخذ عائشة، فخذها كالوسادة له عليه الصلاة والسلام. قالت: «فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال»: أي أبو بكر وهو يخاطب ابنته عائشة رضي الله تعالى عنها، «حبستِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس»، يعني أنت السبب في تأخر الناس، تأخر النبي عليه الصلاة والسلام والناس، «ليس عليهم ماء، وليس معهم ماء». فقالت عائشة: «فعاتبني أبو بكر». هنا لم تقل: «فعاتبني أبي». ذكر العلماء في هذه لطيفة، وهو أن صنيع أبيها من لومها ومن طعنها بيده في خاصرتها كما سيأتي، قالوا: هذا ليس فيه شيء من حنو الأبوة، حنو الأبوة، فهي لم تقل «أبي» لما وجدت من شدة معاتبة أبيها، فذكرته باسمه، وقالت: «فعاتبني أبو بكر»، ولم تقل: «فعاتبني أبي». هكذا ذكر بعض العلماء. وقالت: «وقال ما شاء الله أن يقول»، يعني من تأنيبها والإنكار عليها ونحو ذلك. «وجعل يطعنني بيده في خاصرتي»، والخاصرة هو موضع التخصر، يعني موضع ربط النطاع، الخاصرة، فهذا يقال له الخاصرة، فيطعنها بمعنى يضع يده في خاصرتها كالمؤدب لها. قالت: «فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي»، يعني ما تحركت وما أزعجت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل هذا يحصل والنبي عليه الصلاة والسلام لم يشعر بذلك وهو نائم على فخذها رضي الله تعالى عنها. قالت: «فقام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين أصبح»، يعني حين طلع الصبح، «على غير ماء»، يعني لا يوجد ماء، «فأنزل الله آية التيمم»، يعني أنزل الله هذه الآية، ولم يكن التيمم قبل هذه الحادثة مشروعاً، لم يكن مشروعاً، فنزلت آية التيمم، والتي فيها: ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾. قال: «فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر». ومعنى «ما هذه» يعني: البركة التي حصلت للمسلمين برخصة التيمم، هذه بركة، هذه بركة تخفيف، هذا التيمم فيه تخفيف على المسلمين، إن لم يجدوا الماء يتيمموا، وهذا من خصائص هذه الأمة، وجعلت لهم الأرض مسجداً وطهوراً، يعني يتطهر به في عدم وجود الماء. فمعنى «ما هذه» يعني: البركة التي حصلت للمسلمين، وهذه الرخصة التي فيها تيسير للمسلمين، ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. يا آل أبي بكر، بمعنى أن هناك كذلك بركات نزلت من الله عز وجل على المسلمين، وكان سببها آل أبي بكر، منها هذا: نزول رخصة التيمم، ومنها كذلك ما حصل في حادثة الإفك، فيقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾، إذن جعل الله عز وجل هذه الحادثة خيراً للمسلمين، والخير من البركة واضح. فإذن كان آل أبي بكر سبباً في نزول البركة على جميع المسلمين في مواضع عدة، ومنها هذا الموضع، ومنها ما حصل في حادثة الإفك. فهذا معنى قول أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه: «ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر». قالت: أي عائشة: «فبعثنا البعير»، البعير الذي كنت عليه، كان جالساً، ومعنى «بعثنا» يعني أيقظنا هذا البعير، كان جالساً فأيقظنا. قالت: «فبعثنا البعير الذي كنت عليها، فأصبنا العقد تحته»، يعني أن هذا البعير كان باركاً على هذا العقد، فهم بحثوا في أماكن عدة، ولم ينتبهوا لهذا، وما ظنوا أن هذا البعير العقد تحته، فلما بعثوه وأيقظوه، فإذا بهذا العقد تحت هذا البعير، فالحمد لله وجدوا هذا العقد، ونزلت هذه الرخصة بسبب هذا التأخير وبسبب هذه الحادثة. قال: «الحديث أخرجه البخاري في مواضع، وفيه: هلكت قلادة لأسماء». وهذا فيه دليل كما تقدم أن العقد هو ملك في الحقيقة لأسماء، وإنما عائشة استعارته. قالت: «فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبها رجالاً»، يعني في طلب هذا العقد، بعث رجالاً يبحثون، هذا يبحث هنا وهذا يبحث هنا، الكل يبحث على هذا العقد. قال: «الحديث، وفيه نزلت آية التيمم»، وفيه تعيين الآية النازلة، يعني نزلت آية التيمم، ثم ذكر الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾ إلى آخر الآية. قال: «وفيه أنها استعارت من أسماء قلادة»، وهذا أيضاً يدل على ما تقدم من أن عائشة إنما استعارت هذه القلادة. قال: «فظهر بحمد الله ما تقدم من قولها: هلكت قلادة لأسماء»، هذا في الرواية الأخرى، في الرواية الأخرى جاء بلفظ: «هلكت قلادة لأسماء»، وفي هذه الرواية تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «انقطع عقد لي»، فكيف الجمع؟ ما عرفنا الجمع بين الروايتين إلا بجمع الطرق، واضح. فقولها: «عقد لي» هنا، كما تقدم، إنما نسبت العقد إليها نسبة لاستعارتها، ليس لملكها له. وفي الرواية الأخرى أنها استعارت من أسماء قلادة، ظاهر من أن هذه القلادة إنما هي لأسماء، فبذلك قال الشيخ هنا: «فظهر بحمد الله ما تقدم من قولها: هلكت قلادة لأسماء». وهذا من فوائد جمع الطرق، جمع طرق الحديث فيه فوائد عدة، ولذلك جاء عمن أذكر: يحيى بن معين، وأحد الأئمة من أئمة الحديث، أنه قال: «الحديث الذي لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه»، فجمع الطرق فيه فوائد عدة، منها مثل ما وقع في هذا الحديث: جلاء بعض ما يشكل ببعض الألفاظ مما يوهم التعارض، ومنها كذلك الحكم على بعض أسانيد هذا الحديث، فبجمع الطرق يتبين مخرج الحديث، ويتبين رجال الحديث، فلذلك العلماء يعلمون وجه الصواب وذلك بجمع طرق الحديث، وفيه فوائد عدة نبه عليها العلماء في كتب المصطلح. قال: «وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وإمام مالك في الموطأ، وعبد الرزاق في المصنف، وابن جريج، وفيه التصريح بالآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾، يعني بدل من آية التيمم ذكر الآية». قال: «والحاكم من حديث ابن عباس، وصححه، وسكت عليه الذهبي، بنحو حديث عائشة». هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، ننبئ على ما يتيسر منها. فمن فوائد هذا الحديث: فيه جواز تأديب الأب لابنته أو لابنه، ولو كان هذا الابن كبيراً بالغاً، ولو كان هذا الابن متزوجاً أو تلك البنت متزوجة، لا يقول الأب: «خلاص هذا الابن كبير، ليس لي دخل، يفعل ما يشاء»، لا، أنت لا زلت أباه. فانظر إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه، لما كان ظاهر فعل عائشة الخطأ، جاء أبو بكر ليؤدب ابنته حتى لا تؤخر الناس، فكلمها، بل وطعنها بيده، يعني غمزها بيده في خاصرتها تأديباً لها. وفي هذا الحديث أيضاً: إذا أدب الأب ابنه ولو كان كبيراً، فلا يجوز للابن أن يسيء الأدب مع أبيه. انظر إلى عائشة، هل ردت على أبيها؟ هل مسكت يد أبيها؟ هل منعت أباها من أن يتكلم؟ هل قاطعته؟ قالت: «فقال ما شاء الله أن يقول»، تكلم بما في نفسه، وهي مؤدبة وهي صابرة رضي الله تعالى عنها. فيليث الأبناء يقتدون بسلفهم، وأمهاتهم. تعجب من بعض الأبناء، ربما إذا ضربه أبوه رد الصاع بصاعين، وربما تلفظ بألفاظ بذيئة وألفاظ سيئة، بل ربما غضب على أبيه، ونحو ذلك من هذه الأعمال التي تدل على سوء التربية، والله المستعان. وكذلك من فوائد هذا الحديث: فيه أن التيمم كان غير مشروع في أول الإسلام، لأنه ما شرع إلا في هذه الحادثة، في السنة السادسة من الهجرة. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: جواز استعارة النساء لحلي غيرهم، فهذه عائشة استعارت ذلك العقد من أختها أسماء، فلا بأس في ذلك. امرأة ما عندها حلي، أرادت مناسبة، أرادت زواجاً، أرادت سفراً، فأحبت أن تتزين بهذا الحلي لزوجها أو للنساء، وهذا مما يرغب فيه النساء، كما قال الله عز وجل: ﴿ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴾، يريد بذلك النساء، فلا بأس للمرأة أن تستعير شيئاً من الحلي من أخواتها، أو من عماتها، أو خالاتها، أو أمها، أو نحو ذلك. وفي هذا الحديث أيضاً: أن الإنسان قد ينسب الشيء لنفسه مع أنه لا يملكه، هذا يجوز. معي سيارة حق الدعوة، فأقول لإخواني: «اركبوا معي الآن في سيارتي، اطلعوا معي في سيارتي»، أنت تقول: «سيارتي»، لأنه الآن في حوزتك، هذا يجوز، لا نقول له: «لا، لا تكذب، هذا ليس سيارتك»، لا، هذا له مسوق في اللغة، واضح، هذا له مسوق في اللغة. أنت استأجرت بيتاً، أنت الآن تعيش في بيت في الاستئجار، ليس ملكاً لك، ليس كذلك، فتقول لفلان: «أنا غداً عندي يعني وجبة وعزومة إن شاء الله في بيتي، تأتون في بيتي»، لا نقول له: «لا، أنت مستأجر، هذا ليس بيتك»، بيته باعتبار الآن هو المنتفع به. طيب، فهذا لا بأس به، هذا لا بأس به ولا شيء فيه. فننتبه لذلك، فعائشة تقول في هذا الحديث كما تقدم: «انقطع عقد لي»، وهو ليس لها، وإنما لأسماء، فنسبته إليها لأنها تنتفع به. وفي هذا الحديث أيضاً فائدة فقهية، وهي: أرأيتم لو أن آية التيمم لم تنزل، فماذا سيفعل الصحابة؟ هل سيصلون أو يتركون الصلاة؟ سيصلون، كيف يصلون من غير وضوء؟ نعم، من غير وضوء، وهذا تسمى صلاة فاقد الطهورين. واضح، استدل العلماء بهذا أن فاقد الطهورين يجوز له أن يصلي ولا يترك الصلاة حتى يخرج وقتها. أنت الآن في فندق، انقطع الماء، وما عندك تراب، بلاط، عندك ما عندك تراب، ولا تستطيع تخرج لسبب أو لآخر، فجائز لك أن تصلي على أي حال. أو كنت مريضاً ولم يوجد من يسعفك بالماء، أو أن الماء يضر، ولم تجد من يسعفك بالتراب، لا تترك الصلاة، صل ولو كنت فاقد الطهورين. استدل العلماء على هذا بهذا الحديث، فقال الصحابة: إن لم نجد هذه الرخصة، سيصلون بغير طهور، لأن التيمم لم يكن مشروعاً بعد. وهكذا من لم يجد بعد نزول هذه الرخصة الماء ولا التراب، فيجوز له أن يصلي على أي حال، أن يصلي على أي حال. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: فيه حسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجته، وحسن عشرة زوجته له. أين نجد ذلك في هذا الحديث؟ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نام على فخذ عائشة، هذا حسن عشرة وتدل للزوجة. الآن الطفل يحب أن ينام على رجل أمه ويسعد بذلك، أليس كذلك؟ وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام يسعد بذلك، وهذا فيه جواز هذا الفعل، بل هو من حسن العشرة، من حسن العشرة، يأتي الزوج وينام على رجل زوجته، فهذا يدل على هذا المعنى. وهكذا يدل على حسن عشرة عائشة للنبي عليه الصلاة والسلام، فلما طعنها أبوها بخاصرتها، ماذا قالت؟ قالت رضي الله تعالى عنها: «فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي»، ما تحركت، صبرت وتحملت، حتى لا يستيقظ، حتى لا يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. انظر، انظر كيف هذه الأخلاق القاضية بين الزوجين، ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فينبغي لأهل الإسلام، بل كذلك لأهل السنة من طلاب العلم، أن يكونوا أشد حرصاً في الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، فهو القائل: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»، عليه الصلاة والسلام. وإذا جمعت الأحاديث التي فيها حسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه، لا رأيت الأحاديث الكثيرة، وأحياناً يسابق عائشة، وأحياناً كذلك يجعلها تضع خدها على عاتقه كي تنظر إلى الحبشة، وهكذا كم من الأحاديث التي فيها هذا المعنى. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب. من أين نأخذ هذا؟ من أين نستنبط هذا من الحديث؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، فالغيب أمر اختص به ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾. فمن أين نستنبط ذلك؟ عندك يا بابا القلادة، لو كان يعلم الغيب، سيعلم أنه تحت البعير، ولا داعي أن يرسل رجالاً يبحثون عنه، أليس كذلك؟ فهذا دليل واضح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم الغيب، إلا ما أطلعه الله عليه، إلا ما أطلعه الله عليه مما أخبره به عن طريق الوحي، عن طريق الوحي. طيب، نكتفي بهذا، وإلهنا والله تعالى أعلم.