الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 19، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع حديث الأشعث بن قيس حول نزاع على بئر، محذراً من الحلف الكاذب لاقتطاع مال الغير، ويبين أن من يفعل ذلك يلقى الله وهو عليه غضبان. وتؤكد آية آل عمران هذا الوعيد، مفسرةً بأن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا يستبدلون الدنيا الفانية بالحق ولهم عذاب أليم.
يستعرض المقطع وعيد الله الشديد للحالف كذباً في البيع، مستنداً إلى أحاديث في الصحيحين، ويذكر سببي نزول الآية دون تعارض بفضل عموم اللفظ. ويرجح حديث ابن مسعود لصحة سنده مع قبول حديث ابن أبي أوفى أيضاً.
يفسر المقطع آيات الردة في سورة آل عمران عبر قصة الصحابي الأنصاري الذي ارتد ثم ندم، مبيناً أن التوبة تقبل بشرط الصدق والإصلاح والبيان. ويحذر من خطورة الردة وأن الغالب على المرتد عدم الثبات، خاصة في زمان الفتن وبلاد الكفر.
يختتم المتحدث بالدعاء بالثبات على الدين وحسن الخاتمة، مؤكداً أن العلم عند الله. ثم يدعو المشاهدين للاشتراك في القناة ومتابعة الدروس القادمة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول"، سورة آل عمران: قال قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله: حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين يقتطع بها مالاً مرئ هو عليها فاجر، لقي الله وهو عليه غضبان». فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية. قال: فجاء الأشعث فقال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ في أنزلت هذه الآية؟ كانت لي بئر في أرض ابن عم لي، فقال لي: شهودك. قلت: ما لي شهود. قال: فيمينك. قلت: يا رسول الله، إذن يحلف. فذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، فأنزل الله ذلك تصديقاً له. أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه، وفيه: كانت بيني وبين رجل من اليهود أرض، وفيه: كانت بيني وبين رجل خصومة في شيء. وأخرجه مسلم، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ورواه أحمد، وكذلك الطيالسي، وابن جرير. كل ذلك ورد هذا الحديث في هذه الكتب، كتب الحديث. نعم، فقال لي: شهودك. قلت: ما لي شهود. قال: فيمينك. ها، الهاء لا في "فيمينك" أنا؟ قلت: فيمينه. سيأتي شرح الحديث إن شاء الله. ومعنى هذا الحديث: من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ هو عليها فاجر، بمعنى: حلف بالله أن هذا المال له، وهو ليس له، وإنما لغيره، فحلف من أجل أن يأخذ مال أخيه أو مال امرئ آخر. قوله: "وهو عليها فاجر"، يعني: كاذب، لأن الكذب يهدي إلى الفجور، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً». فمن فعل ذلك غضب الله عز وجل عليه، لقي الله وهو عليه غضبان. وهذا الحديث فيه إثبات صفة الغضب لله سبحانه وتعالى، غضباً يليق بجلاله سبحانه وتعالى. ووردت أحاديث أخرى فيها إثبات هذه الصفة. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية. قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: "إن الذين يشترون بعهد الله"، أي: إن الذين يعتاضون عما عاهدهم الله عليه من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر صفته للناس، وبيان أمره. ومعنى "يعتاضون": يعني يستبدلون، يستبدلون الدنيا الفانية والنعيم الزائل بما عاهدهم الله عليه من اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، ومن بيان التوحيد والاستقامة على شرعه. وقوله: ﴿وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، قال: وعن أيمانهم، يعني: يعتاضون عن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة. وما هي هذه الأثمان القليلة الزهيدة؟ عروض الدنيا الفانية الزائلة. فهم مستعدون أن يحلفوا اليمين الغموس الكاذبة الفاجرة من أجل أن ينالوا حطاماً، وكذلك أمراً حقيراً من هذه الدنيا، من هذه الدنيا. ولو كان هذا الحلف على أموال كثيرة من أموال هذه الدنيا، فهي في الحقيقة لا تساوي عند الله جناح بعوضة، لأن هذه الدنيا ليست لها قيمة، ليست لها قيمة. ولذلك قال: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. لا يفهم منه أن الحلف كاذباً يجوز إذا كان ثمن الدنيا كثيراً، بمعنى: يقتطع به بهذه اليمين أموالاً وثروات عظيمة. هذا أيضاً في نظر الشرع ثمناً قليلاً، لأن الدنيا حقيرة، لأن الدنيا حقيرة لا تساوي عند الله جناح بعوضة، كما أخبر بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام. فمعنى قوله: ﴿وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، يعني: يحلفون الأيمان الكاذبة الفاجرة الآثمة من أجل أن يأخذوا ثمناً من أثمان هذه الدنيا الحقيرة، ومن أجل أن يأخذوا شيئاً من عروض هذه الدنيا الفانية الزائلة. ما عقوبتهم؟ ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾، أي: لا نصيب لهم فيها، ولا حظ لهم منها، لأنهم نالوها بمعصية الله، هذا في الدنيا. ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، يعني: لا ينظر إليهم برحمة منه لهم، بمعنى: لا يكلمهم الله كلام لطف بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة. ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾، يعني: من الذنوب والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار. ولذلك قال في آخر الآية: ﴿أُولَئِكَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ولهم عذاب أليم. هذا معنى هذه الآية. فجاءت هذه الآية تصديقاً لما قاله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في حديث الأشعث. قال: ما حدثكم أبو عبد الرحمن؟ فيه أنزلت هذه الآية. يعني: أن كانت له بئر في أرض ابن عم له. كانت هناك أرض لابن عمه، وكانت هذه الأرض فيها بئر له، ليس لابن عمه. فادعى ابن عمه أن هذه البئر له، وليست للأشعث. قال: لي بئر في أرض ابن عم لي. فقال لي: أي النبي عليه الصلاة والسلام: شهودك، بالنصب، يعني: هاتي شهودك، أو ائتي... آه، نعم، هاتي شهودك، ما ما بينتك على أن هذه البئر لك؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر». فالأشعث ادعى أن هذه البئر له، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: شهودك، ما بينتك على أن هذه البئر لك؟ فقال: ما لي شهود، ليس لي شهود، ما عندي شهود. فأرد النبي عليه الصلاة والسلام اليمين إلى ابن عمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه: فيمينك، احلف أن هذه البئر لك، لأن اليمين على من أنكر. تأنكرت أن هذه البئر للأشعث، فيمينك. فقال الأشعث للنبي عليه الصلاة والسلام: إذن يحلف، يحلف كذباً ويأخذ هذه البئر. كيف ترد اليمين له؟ كأن الأشعث يقول ذلك. فذكر النبي عليه الصلاة والسلام هذا الحديث ليبين عظم الكذب، أو الحلف الكاذب، ليبين. فقال عليه الصلاة والسلام: «من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ...» من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ. مال هنا عام يشمل الأرض، ويشمل البئر، ويشمل الشجر، ويشمل النقود، ويشمل الغنم، ويشمل البقر والجمل. كل ما ينتفع به الإنسان يسمى مالاً، يسمى ماذا؟ مالاً. فمن حلف على يمين، حلف، أقسم بالله أن هذا المال له، يقتطع بها مال امرئ، يعني: يأخذ بهذه اليمين مال امرئ، ليس ماله. هو عليها فاجر، وكاذب على هذا اليمين. لقي الله وهو عليه غضبان. فذكر النبي عليه الصلاة والسلام الحالف بهذا الوعيد الشديد: لقي الله وهو عليه غضبان. قال: فذكر النبي صلى الله عليه وعلى... عليه وسلم هذا الحديث، فأنزل الله ذلك تصديقاً له. يعني: تصديقاً لقول الأشعث رضي الله تعالى عنه. وهذا الحديث فيه خطورة الحلف الكاذب، وأن وعيد من يفعل ذلك شديد: لا يكلمه الله، أولاً: ليس له حظ ولا نصيب في هذه الدنيا، لا يبارك له في هذا المال، وأيضاً يوم القيامة: لا يكلمه الله، ولا ينظر إليه بعين الرحمة، ولا يزكيه من هذا الذنب، بل يأمر به إلى النار. لأن هذا فيه حق المخلوق، ويشترط في التوبة من حق المخلوق إرجاعه، إرجاعه إلى صاحبه. هذا من شروط التوبة الصادقة في حقوق الآدميين: أن ترد هذه الحقوق إلى أصحابها. فهذا فيه خطورة هذا الحرف. وقد جاء في صحيح مسلم: قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». قالوا: من هم يا رسول الله؟ خابوا وخسروا. فذكر: المنان، والمسبل، والمنفق سلعته باليمين الكاذبة. نعم، هذا أيضاً يدخل في هذا الوعيد. إنسان يأتي ويقول: ليغرر بالمشتري، كما سيأتي معنا في حديث سدره الشيخ: والله هذه البضاعة دخلت علي بمليون، وإما دخلت علي حتى بخمسمائة. وإنما يحلف من أجل أن ينفق هذه السلعة. فيأتي هذا المشتري، والذي لا دراية له بالأسعار، فيأخذ هذه السلعة بأكثر من مليون. فهذا قد توعد بهذا الوعيد الشديد. وهكذا في الغش: والله هذه السلعة أصلية، وهذه السلعة جيدة، وهي ليست بجيدة، وإنما من أجل أن ينفق سلعته. فهذا أيضاً يدخل في هذا الوعيد. وفي هذا الحديث أيضاً إثبات صفة الغضب لله عز وجل. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد كذلك: وجوب الوقوف عند حدود الله. فإن معنى قوله: ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾، يعتاضون عما عهدهم الله عليه من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم. ثم قال شيخنا رحمه الله: قال البخاري رحمه الله: حدثنا علي، هو ابن أبي هاشم، قال: سمعه شيبة، قال: أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما، أن رجلاً أقام سلعة في السوق، فحلف فيها: لقد أعطي بها ما لم يعطه، ليوقع فيها رجلاً من المسلمين. فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية. ومعنى هذا الحديث: أن رجلاً أقام سلعة في السوق، بمعنى: أظهرها وعرضها للبيع، عرض هذه السلعة للبيع. فحلف فيها، يعني: حلف على هذه السلعة: لقد أعطي بها ما لم يعطه. يعني مثلاً يقول: لقد أعطيت على هذه السلعة مائة درهم، وهو لم يعط مائة درهم، ربما أعطى خمسين درهماً أو أقل، وهو يحلف أنه أعطي على هذه السلعة مائة درهم. مثل ما يقول الآن المشترون عندما يكون معه سلعة: كم أوصلوا لك؟ أو كم أعطوك فيها؟ أو كم آخر سعر أعطوك فيها؟ يقول: كذا وكذا. فبعضهم يكذب: ما أعطي شيء، ما أعطي حتى خمسمائة، ويقول: أعطيت فيها سبعمائة، وما أعطي شيء. أو يمكن واحد بس هكذا مار، وليس بمشتري، قال: لو بتبيع بسبعمائة؟ مار قال: طيب وراح. هذا لا يشتري ولا شيء، ربما يمزح. ويأتي آخر يقول لك: أعطيت فيها، يقول: سبعمائة مار، وما أعطي سبعمائة، سبعمائة، سبعمائة، ولا شيء. هذا هو معنى: أقام سلعة في السوق، فحلف فيها: لقد أعطي بها ما لم يعطه. أعطيت فيها كذا، والله أعطيت فيها كذا، وما أعطي فيها هذا السعر. ليوقع فيها رجلاً من المسلمين، من أجل أن يغرر برجل حتى يشتري هذه السلعة بالسعر الذي يريده هذا البائع. ليوقع فيها رجلاً من المسلمين. فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية. والحديث كما سمعت في البخاري. وحديث ابن مسعود الأول كذلك في البخاري. قال شيخنا الوادعي رحمه الله: ولا منافاة بينهما، لأن حديث ابن مسعود نزلت في الأرض والبئر، صح. وحديث عبد الله بن أبي أوفى نزلت في الرجل الذي أقام سلعته. فالذي يقف على الحديثين ربما يظن أن بينهما تعارضاً ومنافاة، وليس الأمر كذلك، كما مرت معنا قاعدة من أول دراستنا لهذا الكتاب، وهي: أن الآية الواحدة قد يكون لها أكثر من سبب نزول. الآية الواحدة قد يكون لها أكثر من سبب نزول. ولذلك قال شيخنا هاهنا: ولا منافاة بينهما، ويحمل على أن النزول كان بالسببين جميعاً، ولفظ الآية أعم من ذلك. ليس في قوله تعالى: ﴿وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ خاص في هذين الأمرين فقط، بل يشمل كل حلف كاذب من أجل أن يأخذ مالاً وحطاماً من حطام هذه الدنيا. وكما تقدم معنا في قاعدة أخرى، وأخذناها كذلك في أصول التفسير: الشيخ من يتيمين؟ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فلذلك قال الشيخ: ولا منافاة بينهما، ويحمل على أن النزول كان بالسببين جميعاً، ولفظ الآية أعم من ذلك. على أن حديث عبد الله بن مسعود أصح، كما رأيت أن الحديث رواه البخاري، وكذلك رواه مسلم، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، والإمام أحمد، فهو حديث أصح. قال: على أن حديث عبد الله بن مسعود أصح، لأن حديث عبد الله بن أبي أوفى من حديث إبراهيم بن عبد الرحمن السكسكي. قال الحافظ الذهبي في الميزان: لينه شعبة والنسائي، ولم يترك... ولم يترك إلى آخر ما ذكره رحمه الله. وليس معنى كلام الشيخ هذا أن حديث عبد الله بن أبي أوفى ضعيف لا، وإنما يريد أن يبين أن حديث عبد الله بن مسعود أصح، إذ أن رواته لم يتكلم في أحد منهم، بخلاف حديث عبد الله بن أبي أوفى، ففيه إبراهيم بن عبد الله السكسكي، وفيه شيء من الكلام. لكن طالما الحديث ورد في البخاري فقد تلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول، والله تعالى أعلم. فالأسلم أن يقال: أن هذه الآية لها أكثر من سبب، لها أكثر من سبب. قال: وقاله في بعض الروايات: في أرض، وفي أخرى: في بئر. يعني: روايات حديث عبد الله بن مسعود بعضها في أرض، يعني: أنه اختصم مع ابن عم له في أرض، ليست في بئر. وفي الرواية التي أوردها الشيخ: في بئر. قال الحافظ في الفتح: ويجمع، لأن المراد أرض البئر. يعني: قوله: أنه اختصم مع ابن عم في أرض، يعني: أرض هذه البئر. فالبئر عبارة عن حفرة، ولابد أن تكون حواليها شيء من الأرض حتى يستطيع أن ينزح منها هذا الماء. ليس المراد هو فقط فتحة البئر. هذه فيحمل قوله: في أرض، أي: كما ذكر الحافظ، أي أرض البئر، لا جميع الأرض، والبئر من جملتها، من جملة هذه الأرض. قال: قال هذا، وقد أطال الحافظ رحمه الله في الفتح لهذا الموضوع في توجيه بعض الألفاظ التي ظاهرها يخالف الأخرى، فليراجع هناك. والخلاصة كما تقدم: أن جمع الحافظ في الفتح هو الأقرب في رواية عبد الله بن مسعود، والله تعالى أعلم. ثم قال شيخنا رحمه الله: قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قال الإمام أبو جعفر رحمه الله، أبو جعفر بن جرير رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيغ البصري، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، ولحق بالشرك، ثم ندم، فأرسل إلى قومه، أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من توبة؟ قال: فنزلت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ الآية، أو الآيات. قال: الحديث رجاله رجال الصحيح، وقد أعاده مرسلاً وموصولاً، يعني: ابن جرير. وأخرج ابن حبان في صحيحه، كما في موارد الظمآن، والطحاوي في مشكل الآثار، والحاكم. وفي كل الموضعين قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وسكت الذهبي، يعني: سكوت الذهبي عما قال عنه الحاكم في المستدرك، قالوا: إقرار من الذهبي للحاكم. وإذا لم يوافق الحاكم، علق الإمام الذهبي، علق الإمام الذهبي. ومعنى الحديث: كان رجل من الأنصار أسلم، صار مسلماً، ثم ارتد، رجع عن الإسلام، ولحق بالشرك، ثم ندم، ندم على ردته ورجوعه إلى الشرك، فأرسل، فأرسل إلى قومه، إلى قبيلته، أن يرسلوا إلى رسول الله، يعني: يسألوا رسول الله: هل من توبة؟ هل له توبة؟ قد أسلم ثم أشرك، فإذا أراد أن يرجع إلى الإسلام، هل له توبة مقبولة، ويمكن أن يرجع إلى الإسلام؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، يعني: جاءهم الحق الواضح البين، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والرجوع عن الإسلام. ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، أنهم المعنون، مطرودون من رحمة الله. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، يعني: في جهنم، ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾. ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، وهذا من لطفه سبحانه وتعالى ورأفته ورحمته بعباده، أن من صدق في توبته، وإن كان قد أسلم ثم أشرك، ثم أراد أن يسلم وهو صادق في ذلك، فإن الله سبحانه وتعالى يقبل توبته، بهذا الشرط: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾، بمعنى: بينوا خطأهم، وأصلحوا ما أفسدوا. فإن دعوا غيرهم إلى الشرك، فعليهم أن يبينوا لهذا الغير خطورة الشرك، وأن يدعوهم إلى الإسلام. فلابد من الإصلاح، كما جاء في الآية الأخرى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾. أما أن يقول: تبت، ثم لا يصلح ما أفسد، ثم لا يصدق في توبته، بل سرعان ما يتقهقر ويتراجع عن الإسلام وعن الاستقامة، فهذا ليس بتائب، وليس بصادق، فهو من القسم الأول: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، يعني بذلك: من أسلم ثم ارتد وأشرك، فهو ارتد عن علم، عرف الإسلام وعرف وضوحه وجلاءه، ثم بعد ذلك ارتد ورجع إلى الشرك، والعياذ بالله. هذا هو معنى هذه الآية. وفي هذه الآيات خطورة الردة، وأن الغالب فيمن ارتد لا يرجع إلى الإسلام، هذا الغالب. لأن الله عز وجل قال: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. فتجد من ارتد قل ما يرجع، ونادر من أسلم ثم آمن ثم أسلم، كما سيأتي في سبب نزول الآية التي بعد هذه الآية، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيغ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن قوماً أسلموا، ثم ارتدوا، ثم أسلموا، ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾. قال: هكذا رواه، وإسناده جيد. وهذا فيه: أن المرتد وإن رجع، أسلم ثم ارتد ثم أسلم، يبقى عليه أثر الكفر، ويكون إيمانه ضعيفاً مزعزعاً، وسرعان ما يرتد مرة أخرى، كما جاء في هذا الحديث: أن قوماً أسلموا ثم ارتدوا، رجعوا عن الإسلام، ثم أسلموا، ثم ارتدوا، فأرادوا أن يسلموا أيضاً، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم رسول الله، فنزلت هذه الآية: ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾، يعني: لم يوفقوا إلى الإسلام. وهذا شبيه بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله احتجب التوبة عن صاحب البدعة حتى يدع بدعته». معنى: لا يوفق للتوبة، لا يوفق للتوبة. وهكذا من ارتد، فإنه لا يوفق للرجوع، وإن رجع يكون رجوعهم زعزعاً ضعيفاً، إلا القليل النادر، إلا القليل النادر. فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾. وليس معنى ذلك أن من أسلم ثم ارتد ثم أسلم ثم ارتد أنه لا يقبل إسلامه إذا صدق، لا، إذا صدق وأصلح وبين، فتقبل توبته. ولكن كما قلنا: إن هذا نادر أن يثبت على الإسلام، أن يثبت على الإسلام. وهذه الآية والتي قبلها فيها أن الإنسان يخشى على نفسه الزيغ، والعياذ بالله. فانظر في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وهناك من يسلم ثم يرتد، هذا في زمن النبي عليه الصلاة، فكيف بغيرها من الأزمان؟ لا سيما زماننا هذا الذي كثرت فيه الفتن والمحن، وكم نسمع، لا سيما ممن يعيش في دول الكفر، ممن أسلم ثم ارتد، ثم أسلم ثم ارتد. وقد أخبرنا أخوة من إخواننا الأعاجم قصصاً عن كثير من أمثال هؤلاء، لأنهم يعيشون في مجتمع مليء بالفتن، والصولة والدولة لأهل الكفر، فما يثبت، وما يوفق للاستمرار على الإسلام. وهذا يدل على خطورة السكنى في بلاد الكفر، بخلاف المسلم الذي يعيش بين المسلمين وفي بلاد أهل الإسلام، فإنه يعان على الاستمرار على الإسلام، بخلاف من يعيش في دول الكفر. وكم سمعنا ممن كان ربما طالب علم، هذا قد وقع من بعضهم، ربما كان في مركز من المراكز، فإذا به يترك الإسلام، العياذ بالله. هذا وقع، أبا طهر، وما وقع، وكانت في اليمن في الشحر، نسأل الله الثبات. أبو طالب يقول: المرأة كانت هنا عندنا في الشحر، ورجعت إلى بلاد الكفر، فتركت الإسلام. انظروا، نسأل الله الثبات، نسأل الله الثبات، ونسأل الله أن يتوفانا مسلمين. إلى هنا، والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة