الصحيح المسند من أسباب النزول  51

الصحيح المسند من أسباب النزول 51

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 51، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول آية ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ وفضل سؤال أهل العلم

يوضح المقطع أن الآية نزلت لأن بعض الصحابة كانوا يستحيون من الله عند قضاء الحاجة أو الجماع في العراء، فبيّن الله أنه يعلم السر وأخفى. كما يؤكد الشيخ على وجوب سؤال أهل العلم لفهم معاني القرآن مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

قصة أبي اليسر ونزول آية الحسنات يذهبن السيئات

يروي المقطع كيف قبل الصحابي أبو اليسر امرأة أجنبية فندم وتاب، وأمره أبو بكر وعمر بالستر، ثم نزل الوحي بآية ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ مبينة أن الصلوات الخمس تكفر الصغائر إذا اجتنبت الكبائر. وبين النبي ﷺ أن الحكم عام للأمة كلها.

فوائد حديث الرجل الذي وقع في معصية وتوبته

يشرح المقطع صحة الحديث بطرق متعددة ويسرد قصة رجل زنى بامرأة جاءت لشراء تمر ثم بادر بالتوبة واستشار أبا بكر وعمر والنبي ﷺ. يستخلص أن البشر خطاؤون بطبيعتهم، والواجب المبادرة بالتوبة وكثرة الحسنات، مع التحذير من فتنة النساء في المعاملات ووجوب ستر المسلم على نفسه وعلى التائب الصادق.

أحكام رفع الأمر للسلطان وعلامات حياة القلب ونقد الرواية الضعيفة

يبين المقطع أن من رفع أمره إلى السلطان سقط حق الشفاعة والستر، وأن ألم المعصية دليل على حياة القلب وصحة الإيمان، ويؤكد وجوب حفظ أهل المجاهدين وعدم التعرض لهم. ثم يناقش رواية البزار عن صحابي أراد الفاحشة فلم يقدر عليها فصلى أربع ركعات فنزلت آية الحسنات، مع تضعيف الشيخ لهذه الرواية ومخالفتها للصحيحين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى بكتابه الصحيح المسند من أسباب النزول: سورة هود. وهذا فيه أن سبب النزول ليس هو في كل سورة، فبعض السور ليس فيها سبب نزول. لأن بعد سورة التوبة، أي سورة؟ بعد سورة التوبة: يونس. الأنفال قبل ثم التوبة ثم يونس ثم هود. فسورة يونس ليس فيها سبب نزول، ليس فيها سبب نزول. وبعض السور فيها آية واحدة، كسورة هود فيها هذه الآية التي سنقرأها اليوم فقط، وكذلك سورة يوسف فيها آية واحدة. وهذا على حسب ما صح من سبب النزول، وإلا فلو قرأت في التفسير لرأيت أسباباً كثيرة لبعض الآيات ولكنها لم تثبت. وشيخنا هنا شرطه الصحة، شرطه الصحة. قال: سورة هود. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا الحسن بن محمد بن صباح، قال: حدثنا حجاج، قال: ابن جريج، أخبرني محمد بن عباد بن جعفة أنه سمع ابن عباس يقرأ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾. قال: سألته عنها، فقال: أناس كانوا يستخفون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم. قال: حدثني إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا هشام عن ابن جريج، وأخبرني محمد بن عباد بن جعفة أن ابن عباس قرأ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾. قلت: يا ابن عباس، ما يثنون صدورهم؟ قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحي، أو يتخل فيستحي، فنزل ذلك فيه. قال: الحديث أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه، وأخرجه ابن جريج وليس عنده ذكر نزول الآية. ومعنى هذا الحديث ومناسبته لتفسير الآية: أن عباد بن جعفة سأل ابن عباس وهو ترجمان القرآن، وهو من علماء الصحابة لا سيما في تأويل القرآن. وهذا فيه العلم بالسؤال، لا تظن أن العلم فقط إنما يكون بالتلقي والجلوس للسماع فقط. نعم هذا أسلوب وطريق من أساليب وطرق الطلب، وهناك طرق كثيرة للطلب، ومن هذه الطرق: السؤال. السؤال كم مرت معنا من أحاديث فيها سؤال الصحابة عن العلم، سواء كان سؤال الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام، أو سؤال الصحابة بعضهم لبعض، أو سؤال التابعين للصحابة، أو سؤال تابع التابعين، أو سؤال تابع التابعين للصحابة، وهكذا. فهذا التابعي محمد بن عباس سمع ابن عباس يقرأ هذه الآية فسأله عن تفسيرها: ما معنى هذه الآية؟ فذكر له سبب النزول، لأنه كما تقدم معنا أن سبب النزول يعين على فهم وتفسير الآية. سبب النزول يعين على فهم وتفسير الآية. فأجابه ابن عباس بما ورد في سبب نزول هذه الآية، فقال: أناس. وظاهر كلامه هذا أن هؤلاء الناس كانوا من أهل الإيمان، كانوا من أهل الإيمان لأنهم كانوا يستحيون من الله، وهذا دليل إيمانهم. فالحياء من الإيمان، الحياء من الإيمان. فظاهر هذه الآية أن هؤلاء الناس كانوا من المؤمنين. قال: أناس كانوا يستخفون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، يعني يستحيون أن يكشفوا عوراتهم فلا يكون بين عوراتهم وبين السماء حاجز ولا كذلك حجاب، فيفضوا إلى السماء، يعني ليس بينهم وبين السماء حجاب ولا حاجز ولا شيء. أي أنهم كانوا يتخلون في الفضاء، في الفضاء، وكانوا يجامعون كذلك في الفضاء. وهذا كانت من حياة العرب وأهل البادية خصوصاً لما عندهم من الخلوات، وكذلك البعد عن الناس وعن المدن ونحو ذلك، فما عندهم البيوت والخيام ونحو ذلك، فكانوا يفعلون ذلك في الفضاء. فكانوا يستحون ويجدون في صدورهم وفي نفوسهم يجدون حرجاً أو حياء من الله سبحانه وتعالى، فنزل ذلك فيهم. أي أن هذا لا شيء فيه ولا حرج فيه ولا يستحق الحياء. فقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾، يعني يجدون حرجاً في صدورهم فيريدون الاختفاء. بل ومن شدة حيائهم كانوا يستغشون ثيابهم. قال ابن عباس: يغطون وجوههم، يغطون وجوههم حياء من هذا الأمر. ثم بين ربنا سبحانه وتعالى أنه يعلم ما يسرون وما يعلنون، حتى لو فعلوا ذلك في بروج مشيدة وفي أماكن محكمة، فإن الله عز وجل يطلع عليهم. فما الفرق بين أن يفعلوا ذلك في السر أو أن يفعلوا ذلك في الفضاء؟ وفي كذلك يعني عدم التخفي لا فرق. ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. فإذا علم بما في صدر هذا الإنسان فمن باب أولى أن يعلم ما هو أعظم من ذلك، ما هو أعظم من ذلك. وهكذا الأثر الآخر عن ابن عباس: أن محمد بن عباس بن جعفر سأل ابن عباس: يا ابن عباس، ويريد ابن عباس: ما يثنون صدورهم؟ ما معنى يثنون صدورهم؟ قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحي، يعني يستحي من أن يفعل ذلك وأن الله ينظر إليه، أو يتخلى فيستحي. وعرفنا ما معنى يتخلى: يعني يقضي حاجته، فيضطر إلى أن يكشف عورته، إلى أن يكشف عورته. فنزل ذلك فيهم. يعني هذا الأمر لا يستحق الحياء، فالله عز وجل مطلع عليهم سواء كان هذا المتخلي أو ذاك المجامع، فعل هذا في الفضاء أو في البناء والخفاء، فكل ذلك سواء. ﴿فَإِنَّهُ سَوَاءٌ مِّنْكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، كل ذلك سواء في علم الله سبحانه وتعالى. هذا معنى هذه الآية، ويؤخذ منها مراقبة الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل يعلم ما في صدور العالمين، فوجب على المؤمن أن يراقب الله وأن يستحي من الله أن يراه على معصية. إذا كان المؤمنون يستحون أن يراهم الله وهم ليسوا على معصية، وهم ليسوا على معصية، إنما كانوا يجامعون زوجاتهم مما حل الله لهم، وكانوا يقضون قضاء حوائجهم من التبرز ونحو ذلك، وهذا مما لا بد منه. ومع هذا كانوا يستحيون من الله أن يراهم على هذه الحال، فكيف بذاك العاصي الذي ربما يجامع بالحرام، أو كذلك يخلو بمحارم الله فينتهكها؟ كيف لا يراقب الله ولا يستحي من الله ولا يستخفي من الله؟ ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. هذا هو المعنى المراد من هذه الآية. وفيه ما تقدم من سؤال أهل العلم. إذا مثلا كنت في مجلس فمرت بك آية أو لفظة أو حديث وما فهمت معناها، واستشكل عليك بعض ألفاظها، فتسأل من هو أعلم ومن هو أدرى بمعنى هذه الآية، أو بمعنى ذاك الحديث، أو بمعنى هذه اللفظة. وهكذا في باب العبادات وفي باب العقيدة ونحو ذلك. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ورب سؤال حصل به نفع عظيم واستفاد منه خلق كثير، فلا يستهان بأمر السؤال، سؤال أهل العلم. فهذا التابعي بسؤاله هذا نقل لنا هذا العلم في هذه الآية من ذاك الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال الرجل: يا رسول الله، ألي هذا؟ قال: «لجميع أمتي كلهم». الحديث عاده أيضاً في كتاب التفسير، وأخرجه مسلم والترمذي من طريقين إلى ابن مسعود، وفي كليهما يقول: حسن صحيح. وابن ماجة، وعزاه الحافظ في كثير من النسخ، وأخرجه أحمد، والطبراني، وابن جرير، والواحدي في أسباب النزول، والخطيب في موضع أوهام الجمع والتفريق. ومعنى هذا الحديث وهو أيضاً يبين معنى الآية: أن رجلاً جاء هنا بالإبهام، وسيأتي معنا في رواية الترمذي أن نسمي هذا الرجل أو كنيته: أبو اليسر، كنيته أبو اليسر، سيأتي إن شاء الله في رواية الترمذي. فهذا الرجل أصاب من امرأة قبلة، يعني استزله الشيطان فقبل امرأة قبلة شهوة، وهذه المرأة ليست بزوجة وإنما هي أجنبية عنه. فشعر بألم المعصية، شعر بألم المعصية، كما سيأتي في رواية الترمذي أنه ذهب أولاً إلى أبي بكر، ثم ذهب إلى عمر، وكلاهما يأمرانه بالستر، لكنه لم يصبر، لم يصبر حتى ذهب إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بما يشعر من حرقة المعصية. فإن القلب الحي، القلب الذي خالطت بشاشته الإيمان، يتألم من المعاصي، وسرعان ما يندم ويعتصر قلبه ألماً وحزناً على ما اقترف من معصية. وهذا قد ورد في أحاديث كثيرة: حديث المجامع في نهار رمضان، جامع امرأته كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، جامع امرأته في نهار رمضان فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله هلكت، هكذا جاء في اللفظ: هلكت. قال: وما أهلكك؟ فذكر له هذه المعصية. يعني يشتد حرقة وألم وندم وبكاء. وهكذا هذا الرجل: ماذا فعل؟ قبل امرأة، لم يجامعها ولم كذلك يطأها، وإنما قبلها فقط، إنما قبلها. وهذا لا يحل له، وهذا لا يحل له، لكنه شعر بالذنب، وكذلك ألم هذه المعصية، فأتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، مع أنه له أن يستر نفسه، له أن يستر نفسه، ولكنه لم تطب نفسه، لم تطب نفسه أن يستر، أن يسترها، بل سارع لإخبار النبي عليه الصلاة والسلام بفعله هذا، وكان في ذلك خير وسبب نزول هذه الآية التي هي للأمة جميعاً. فأنزل الله عز وجل، وهذا هذه الآية طابت نفسه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾، يعني أدي الصلاة. وطرفي النهار يعني أول النهار وآخره، وزلفاً من الليل يعني طرفاً من الليل، ويريد صلاة المغرب والعشاء، المغرب والعشاء. والمعنى: أقم بالصلوات الخمس، أقم بالصلوات الخمس، فإن الحسنات يذهبن السيئات. يعني إذا اقترفت السيئات فهناك مكفرات، هناك مكفرات بها تمحى هذه السيئات، ومن ذلك الصلوات، ومن ذلك الصلوات. وكما قال عليه الصلاة والسلام عند مسلم من حديث أبي هريرة: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر، إذا اجتنبت الكبائر». وما جاء في هذا الحديث إنما هو دون الكبائر، القبلة والنظرة هذه ليست كبيرة، ليست كبيرة، إنما هي دون الكبيرة. الكبيرة كما جاء حدها عن بعض أهل العلم: وما جاء فيها ما جاء فيها حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو ما جاء فيها لعن، أو وعد بنار، أو نحو ذلك. فهو لم يزني وإنما قبل. فهذا الحديث مطابق تماماً لحديث أبي هريرة: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر. فتكفير الصلوات إنما هو لصغائر الذنوب التي هي دون الكبائر، والذي ربما ما يسلم منه أحد في يومه وليلته، ما يسلم. كم نظرة ينظرها الإنسان في يومه وليلته لا تحل له، وكم كذلك من تقصير في الطاعات، وكم من تفريط في الواجبات ونحو ذلك. فهذه الأعمال سبب لتكفيرها وذهابها بإذن الله سبحانه وتعالى. فهذا الرجل قال: يا رسول الله، ألي هذا؟ هذه الآية لي خاصة، أو للأمة جميعاً؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لجميع أمتي كلهم». وهذا فيه القاعدة المشهورة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. هذا هو معنى هذا الحديث. قال الإمام الترمذي: وهو حديث آخر بمعنى الحديث المتقدم، لكن فيه زيادة ألفاظ وزيادة معنى، فلذلك أورده الشيخ لأنه ثابت. قال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا يزيد، قال: أنبأنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا قيس بن الربيع، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر، قال: أتتني امرأة تبتاع تمراً، يعني تريد أن تشتري تمراً، فقلت: إن في البيت تمراً أضيب منه، يعني مما هو عندي. قال: فدخلت معي في البيت، فهويت إليها فقبلتها، يعني استزلته نفسه والشيطان ففعل ذلك. قال: فأتيت أبا بكر، فذكرت ذلك له، قلنا: لما يجد من حرقة المعصية، فقال: استر على نفسك وتب، ولا تخبر أحداً. فلم أصبر، فأتيت عمر، فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك وتب، ولا تخبر أحداً. فلم أصبر، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال: «أخلفت غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟» هذا يسمى سؤال استنكار وتوبيخ، وبخه النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. قال: هذا الرجل حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار. قال: وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً حتى أوحي إليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَٰلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أصحابه: يا رسول الله، ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: «بل للناس عامة». قال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وقيس بن الربيع ضعفه وكيع وغيره. وروى عن شريك عن عثمان بن عبد الله هذا الحديث مثل رواية قيس، أو رواية عن شريك عن عثمان بن عبد الله هذا الحديث مثل رواية قيس بن الربيع. قال: وفي الباب عن أبي أمامة، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك. وأبو اليسر اسمه كعب بن عمرو، يعني أبو اليسر كنيته واسمه كعب بن عمرو. قال: الحديث حسن لغيره، يعني مع ضعف قيس بن الربيع لكن الحديث جاء عن جماعة من الرواة، وعن جماعة من الصحابة، كما ذكر جاء عن أبي أمامة، وعن واثلة بن الأسقع، وعن أنس بن مالك، فالحديث يرتقي إلى درجة الحسن بمجموع طرقه. ولذلك قال: الحديث حسن لغيره، لأن قيس بن الربيع قد توبع كما سيأتي إن شاء الله. قال: والحديث أخرجه ابن جرير، والبخاري من طريق شريك عن عثمان بن موهب به، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول من طريق شريك به. قال: عن عثمان بن موهب به، وأخرجه الواحدي في أسباب النزول من طريق شريك به، وقد تصحف عند الواحدي إلى السويد والصوأم، ما أثبتناه. طيب، والحمد لله، يعني الحديث إن شاء الله ثابت وحسن بمجموع الطرق. ورواية الترمذي فيها زيادة تفصيل لهذه القصة، ففيها أن هذه المرأة جاءت لتبتاع تمراً، تشتري تمراً، وفيه ما فعله هذا الصحابي من إدخالها إلى البيت، وفيه كذلك ذكر هذا الرجل وهو أبو اليسر كعب بن عمرو، وفيه كذلك ذهابه أولاً إلى أبي بكر ثم إلى عمر. كل هذه التفاصيل لم تجرد في حديث البخاري، في رواية البخاري. وفيه أنه لم يصبر حتى أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الحديث مع الذي قبله فيه فوائد كثيرة، فمن أهم هذه الفوائد: فيه أن من طبيعة البشر الخطأ والزلل والذنب، وهذا أمر قد وضح في الكتاب والسنة، فالإنسان ليس بمعصوم. قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. فليس الشأن كل الشأن ألا يعصي الإنسان، فهذا ربما لا يستطيع له هذا الإنسان، وإنما الشأن كل الشأن أن بني آدم كلما عصى أحدث استغفاراً وتوبة، أحدث استغفاراً وتوبة. لأن من طبيعته الخطأ والزلل. ولذلك جاء عند مسلم من حديث أبي ذر: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، إنكم تخطئون بالليل والنهار». إذن هذه من طبيعة البشر. وهكذا الحديث الذي يحسنه العلامة الألباني: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، وخير الخطائين التوابون». فالواجب على المسلم إذا ضعف أمام معصية من المعاصي واستزله الشيطان أن يبادر إلى التوبة والاستغفار وكثرة العبادة. وهذا من فوائد هذا الحديث: أن المعصية إذا تبت منها، وإذا أردت أن يغفرها لك ربك، فأكثر من عمل الصالحات، فإن الحسنات يذهبن السيئات. أكثر من عمل الحسنات. ومن فوائد هذا الحديث أيضاً: أن القبلة ونحوها ليست من الكبائر، بل هي دون الكبائر، بل هي دون الكبائر. ومن فوائد حديث ورواية الترمذي: فيه خطورة فتنة النساء، خطورة فتنة النساء، خصوصاً من يتعامل معهن كصاحب دكان، أو صاحب وظيفة يأتي إليه الرجال والنساء، أو كذلك يعني كل من له علاقة بمخاطبة أو مجالسة النساء، فليحذر من هذه الفتنة، يحذر من هذه الفتنة. صاحب سيارة مثلاً أجرة، أو باص أجرة، أو نحو ذلك، فهذا يحذر. فانظروا إلى هذا الرجل وصاحب دكان، صاحب دكان ومتاجرة، فسولت له نفسه ذلك، لأن المرأة مضطرة إلى أن تخرج وتبيع وتشتري وتقضي حاجاتها ونحو ذلك. فإذا كان هذا البائع لا يخاف الله ولا يتقي فتنة النساء، لا محالة أنه سيقع في هذه الفتنة. وهذا حال كثير ممن ضعف إيمانه وخوفه من الله سبحانه وتعالى. فكم وقعت من حوادث بسبب التساهل في هذا الأمر؟ فالرجل عنده دكان في بيع ملابس النساء، ماذا تتوقع؟ الزبون كلهم حقهم نساء، ها؟ فلا شك تحدث كلمات وخلوات ومحادثات. وللأسف أن بعض المخيطين ربما يأخذ القياس، قياس المرأة، وكم طول هذا الثوب وكم عرضه وكم كذا. هذا من الفتنة التي يجب أن تجتنب. وإذا أراد أن يأخذ القياس تأتي بثوب آخر من أثوابها ويقيس عليه، أو تأتي بخمار أو بعباءة قديمة ويأخذ عليها القياس. أما أن يمسها ويقرب منها ويأخذ طولها وعرضها، فهذا من الفتن ومن الأمور المنكرة. وكما قال القائل: ألقاه في اليم مكتوفاً، وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء. كيف تريد هذا الرجل يبتعد عن الفتنة وقد ألقي في اليم مكتوفاً؟ تأتي إليه هذه المرأة وتخلو به وتضحك معه وتتكلم معه، كيف لا يفتن؟ لا سيما مع قلة الدين والعلم والإيمان. فهذه فتن. فانظر في هذا الحديث كيف إن هذه المرأة إنما جاءت للبيع والشراء فوقع هذا الأمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكذلك من فوائد هذا الحديث: فيه أن الرجل إذا وقع في معصية بينه وبين الله، الواجب عليه أن يستر نفسه. ولذلك هذا الرجل لما ذهب إلى أبي بكر، أمره بماذا؟ أبو بكر أمره بالستر، أن يستر على نفسه، وأن يستغفر. قال له أبو بكر: استر على نفسك وتب، خلاص، تب بينك وبين الله، واستر نفسك، ولا تخبر أحداً. ولكن هذا الرجل لا يبالي بكلام الناس أو بعلم الناس، لماذا؟ لأنه قد أشغلته هذه المعصية وأحرقت قلبه، وهو يريد المخرج، ويريد الراحة والتوبة، فأراد أن يسأل ما يلزمه وماذا عليه، فلم يهنأ حتى وصل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ففيه: أن المسلم يستر نفسه، سلك الشيطان فوقعت في أمر، ولم يطلع ولم يكشف، سترك، فلا تكشفه ولا تتحدث به، بل توب إلى الله وأكثر من عمل الصالحات، والله عز وجل غفور رحيم. وفيه أيضاً: أن التائب يستر عنه، التائب يستر عنه. لأن هذا الرجل جاء إلى أبي بكر وإلى عمر تائباً، جاء إلى أبي بكر وإلى عمر تائباً، فأبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما أمراه بالستر والتوبة، أمراه بالستر والتوبة. ففيه: أن من صدقت توبته يستر عليه، ومن أراد الإصلاح يستر عليه. وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن ستر مسلماً في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة». كيف تستر المسلم في الدنيا؟ أخبرك بأمر فيه فضح له، أو رأيت أمراً فيه فضح له، فأنت إذا شعرت من هذا الشخص الندم والتوبة وعدم الاستمرار والإفساد في الأرض، فوجب عليك أن تستره. أما ذاك الذي يقع في الذنب ولا يبالي، ويستمر ويفسد في الأرض ويخرب غيره، فهذا يجب فضحه، ويجب كذلك إبلاغ من يستطيع ردعه، من يستطيع ردعه، هذا يجب، لأن في ستره فساد وإفساد، فيجب فضحه. لكن من الذي يستر عليه؟ من استزلته نفسه فندم وتاب وأصلح، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَن تَابَ وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، تاب وأصلح. أما إذا لم يصلح واستمر وكان فيه خطر على العباد والبلاد، فيجب فضحه. وستره، وكل هذا إذا لم يرفع أمره إلى السلطان. فمن رفع أمره إلى السلطان، فلا تجوز الشفاعة ولا الستر ولا شيء، لأنه قد فضح، وقد رفع أمره إلى أولي الأمر، فلا شفاعة. وفي هذا الحديث أيضاً من الفوائد: كما تقدم، ما كان يشعر به الصحابة من ألم المعصية، هذا دليل على حياة القلب، من دلائل حياة القلب وصحة إيمانه: التألم عند المعصية، والندم، والبكاء، والحزن على ما حدث منه، كما في هذا الحديث وفي غيرها من الأحاديث. وفي هذا الحديث أيضاً: الحث على أن يخلف الناس أهل المجاهدين بخير. الغازي الذي يغزو وينصر دين الله ويترك أهله في البلد، يجب على المسلمين أن يحفظوا، أن يحفظوا أهل هذا الغازي، وأن لا يمسوهم بسوء. فانظر كيف النبي عليه الصلاة والسلام وبخ هذا الرجل وأنكر عليه بقوله: «أخلفت غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟» كيف هذا الرجل خلف أهله، وأنت خنته وفعلت بأهله هذا الفعل وهذا الأمر؟ فهذا هو المعنى. طيب، ثم أورد شيخنا رواية أخرى، وإن كان لم يحكم الشيخ على هذا الحديث حكماً جازماً، فقال: قال البزار كما في كشف الأستار: حدثنا يوسف بن موسى، ومحمد بن عثمان بن كرامة، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب امرأة، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة، فأذن له، فانطلق في يوم مطير، يعني يوم مطر، فإذا هو بالمرأة على غدير، يعني المرأة هذه التي كان يحبها تغتسل، فلما جلس منها، يعني راودها عن نفسها وقرب منها، فلما جلس منها مجلس الرجل من المرأة، يعني أراد أن يجامعها، ذهب يحرك ذكره، فإذا هو به هدبة، يعني انكمش ولم ينتصب، ولم ينتصب، فصار مثل الهدبة، يعني مثل الخرقة. قال: فقام، قام هذا الرجل من على هذه المرأة، لأنه ليست به قدرة على إتيانها، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلي أربع ركعات». فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. قال البزار: لا نعلم بهذا اللفظ إلا عن ابن عباس، ولا نعلم رواه عن ابن عيينة إلا عبيد الله بن موسى. كأنه يشعر إلى ضعف هذه الرواية، وهي مغايرة للروايتين المتقدمتين. فإن الروايتين المتقدمتين فيهما التقبيل فقط، وما فيها هذا التفصيل. وفي الروايتين المتقدمتين أيضاً ليس فيه أنه يحب هذه المرأة، أو أنه ذهب إلى غدير أو نحو ذلك، وإنما في رواية الترمذي أن هذه المرأة جاءت تبتاع تمراً، تبتاع تمراً. فالعمدة على ما جاء في رواية البخاري ورواية الترمذي، والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا، وإلى هنا والحمد لله.