الصحيح المسند من أسباب النزول  58

الصحيح المسند من أسباب النزول 58

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 58، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب نزول آية ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ ومناقشة الرواية وتصحيح الوهم

يتناول المحور سبب نزول آية ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ في سورة مريم حين سأل النبي ﷺ جبريل عن قلة زيارته، مع تحليل أسانيد الحديث وتصحيح وهم الحاكم في ظنه عدم وجود الحديث في البخاري. كما يوضح الفرق بين إقرار الذهبي وسكوته عن الخطأ، مبيناً أن السكوت لا يعني الإقرار بل التزام بعدم التنبيه على كل وهم.

فضل زيارة أهل العلم وسبب نزول آيات سورة مريم (77-80)

يبرز المحور فضل زيارة أهل العلم والصلاح والاستفادة من مجالستهم مستدلاً بحديث جبريل وتبويب البخاري، مؤكداً أن المحبة في الله موجبة لمحبة الله. ويذكر سبب نزول الآيات (77-80) من سورة مريم فيمن كفر بالآيات وادعى أنه سيوتى مالاً وولداً.

قصة خباب بن الأرت مع العاص بن وائل ومطالبته بالدين

يروي المحور قصة خباب بن الأرت رضي الله عنه مع العاص بن وائل في الجاهلية حيث كان لخباب دين عليه، فامتنع العاص من سداده مشترطاً كفر خباب بمحمد ﷺ، فرفض خباب متمسكاً بإيمانه. وتبرز القصة ثبات الصحابة على الدين رغم الإغراءات والضغوط المادية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه الصحيح المسند من أسباب النزول: سبب في سورة مريم، سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عمر بن ذر، قال: سمعت أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» فنزلت: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾. قال: الحديث عاده أي البخاري في كتاب التوحيد، وأخرجه الترمذي، قال: حدثنا، وقال: حديث حسن غريب، وأحمد، وابن جرير، والحاكم، قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، وقره الذهبي. وهذا من أوهامهما، فقد أخرجه البخاري بهذا السند الذي أخرجه به، لأن كتاب الحاكم - بارك الله فيكم - إنما هو استدراك على البخاري فيما لم يخرجه وهو على شرطه، وهو على شرطه، وهذا الحديث هو أصلا في البخاري وبنفس السند، فعد ذلك من أوهام الحاكم، فعد ذلك من أوهام الحاكم. وأما الإمام الذهبي، فقد نبهنا على هذا كثيرا، لو تذكرون أن الصواب أن يقال مثلا: قال الحاكم: هذا حديث على شرط البخاري، ما يقال: وأقره الذهبي، وإنما يقال: وسكت عليه الذهبي، لأن الإمام الذهبي عليه رحمة الله ما اشترط في تعليقاته، وما التزم أن ينبه على كل خطأ وقع فيه الحاكم، ما اشترط ذلك، وما التزم بهذا، فمن الخطأ أن نلزمه بما لم يلزم له، فلا نقول: أقره الذهبي، إنما سكت عليه، سواء كان هذا السكوت عن عدم علم، أو عن إقرار، أو نحو ذلك، الله أعلم. من سكت عليه الذهبي، وفرق بين الإقرار والسكوت، ما هو الفرق بين الإقرار والسكوت؟ لما نقول: أقره، معناه: وافقه، وافق الحاكم، لكن لما نقول: سكت، ما يلزم من السكوت الإقرار، وهذا حتى في كلام الناس، لو إنسان مثلا يقول لك: يقول لك مثلا: أنا فعلت بفلان كذا وكذا، وفلان ساكت، الذي يكلم الساكت ما تكلم، هل معناه أنه يقره على كلام هذا؟ لا، قد يكون سكت ما يريد مشاكل مع هذا المتكلم، وقد يكون سكت يعني ما يرى فائدة في الكلام ونحو ذلك، فإذن يفرق بين هذا وذلك. لذلك قولهم هنا: وهذا من أوهامه، ما علق الشيخ هنا في الحاشية عندكم تعليق؟ ها، علق شيخنا في الحاشية، وقال: الأولى أن يقال: وهذا من أوهام الحاكم التي سكت عليها الذهبي، وليس أقره، إنما سكت عليها الذهبي، ولا يقال: أقره، لماذا قال؟ لأن الذهبي لم يلتزم أن ينبه على كل خطأ أخطأ فيه الحاكم، كما يعلم من مقدمة تلخيص الذهبي. قال شيخنا: وقد جمعته بحمد الله من الأوهام التي حصلت للحاكم وسكت عليها الذهبي ما يزيد على ألف وخمسمائة، وعند إكمالها إن شاء الله تنشر، يسر الله ذلك، وقد فعل، يعني قد نشر ذلك، وما يسمى بأوهام الحاكم لشيخنا الوادعي في عدة مجلدات. طيب، نرجع إلى الحديث: يقول ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» وقد جاء في بعض طرق الحديث في خارج الصحيح أن سبب قول النبي عليه الصلاة والسلام لجبريل ذلك لأن جبريل يتأخر في زيارته، يتأخر ولا يزوره دائما، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب زيارة الأمين جبريل عليه السلام، يحب ذلك، فقال له: «ما يمنعك؟ لماذا ما تكثر من الزيارة؟ ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» فنزلت هذه الآية: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾، ومعنى ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ ﴾ يعني: ما نأتي لزيارتك إلا بأمر الله، أي بإذنه، بأمر الله، أي بإذنه، فالله عز وجل متى ما أذن لي وأمرني أن أزورك زرتك، وأما إذا لم يأذن لي لم أزررك، فالأمر لله، فالأمر لله سبحانه وتعالى، فهذا معنى قوله: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ ﴾ أي إليك ونزورك إلا بأمر ربك، إلا بأمر الله، إلا بإذنه. ﴿ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ﴾، قال قتادة: ما بين أيدينا الآخرة، وأن له الآخرة والأولى، وما خلفنا الدنيا، وما بين ذلك، قال قتادة: ما بين النفختين، ما بين النفختين. ومن فوائد هذا الحديث ما بوبا عليه البخاري في صحيحه، إمام البخاري ذكر هذا الحديث في صحيحه فقال: «باب زيارة أهل الخير ومجالستهم وصحبتهم ومحبتهم وطلب زيارتهم»، فيعلم من هذا التبويب فضل زيارة أهل الفضل وأهل الصلاح، وأنه شيء مطلوب، فمجالسة أهل الصلاح ومحبتهم وزيارتهم ينتفع منها الزائر، ولذلك طلب النبي عليه الصلاة والسلام من جبريل أن يكثر الزيارة، أن يكثر الزيارة. فالزائر يستفيد علما، وهذا كان مما يستفيده النبي عليه الصلاة والسلام من جبريل، فإنه ينزل بالوحي والعلم، وهكذا إذا زرت أهل الفضل من العلماء وطلاب العلم فإنهم ينصحونك، بل وتستفيد من سمتهم ومن أخلاقهم ومن كذلك علومهم، فهذا أمر مطلوب وأمر مرغب فيه، فإذا كانت الزيارة لأهل العلم ولأهل الفضل فأكثر من ذلك ولا تتردد، لا تتردد، أكثر من زيارة أهل الخير وأهل الصلاح، فإن زيارتهم بركة، وزيارتهم فائدة عظيمة، مع ما تنال من محبتهم ومودتهم. وقد جاء عند الإمام مالك من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه: «وجبت محبتي للمتحابين فيها، وللمتزاورين فيها، وللمتجالسين فيها، وللمتباذلين فيها»، فكيف إذا كانت هذه الزيارة لأهل العلم، فلا شك أن هذا فضله عظيم وأجره كبير، فاحرصوا على هذا بارك الله فيكم. ومن فوائد هذا الحديث أيضا: طلب الزيارة من أهل الفضل ومن أهل العلم، فلا بأس أن تقول للعالم أو للشيخ أو للمدرس: «زورنا في بيتنا، أو في مسجدنا، أو في حارتنا»، تطلب منه ذلك وتقول له: «ما يمنعك أن تزورنا زيارات كثيرة؟» فهذا أمر أيضا يدل عليه الحديث، يدل عليه الحديث. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ﴾... الآيات: سبع وسبعون، وثمان وسبعون، وتسع وسبعون، وثمانون، يعني أربع آيات. قال شيخنا رحمه الله تعالى: قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن خباب بن الأرت، قال: كنت قينا في الجاهلية، قينا بفتح القاف وسكون الياء، قينا، قال: كنت قينا في الجاهلية، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا