الصحيح المسند من أسباب النزول  81

الصحيح المسند من أسباب النزول 81

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 81، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

نزول سورة الفتح وبشارات الحديبية للصحابة

تناول المقطع نزول الآيتين الأوليين من سورة الفتح على النبي ﷺ عند رجوعه من الحديبية، حيث كان الصحابة في حزن لحيلولة المشركين بينهم وبين مكة، فبشرتهما الآيات بالفتح المبين وغفران الذنوب، وقال ﷺ إنهما أحب إليه من الدنيا وما فيها. ولما سأل صحابي: "فما يفعل بنا؟"، نزلت الآية التالية مبشرة المؤمنين والمؤمنات بدخول الجنات، فطابت نفوسهم وذهب حزنهم، مع بيان تخريج الحديث وإدراج قول عكرمة.

تفسير الفتح المبين وبداية حديث المسور: الخروج للعمرة وتغيير الطريق

يشرح المقطع أن الفتح المبين في سورة الفتح يشير إلى صلح الحديبية لا خيبر، مبيناً فوائده كاختلاط المسلمين بالمشركين وانتشار الإسلام. ثم يستعرض بداية حديث المسور بن مخرمة ومروان عن خروج النبي ﷺ للعمرة، وتغيير الطريق لتجنب خالد بن الوليد، وبركة ناقة النبي، ونزولهم على ثمد الحديبية القليل الماء، ومعجزة تكثير الماء بسهم من كنانة النبي.

بروك الناقة القصوى وتأويله النبوي: حبس إلهي لحقن الدماء

بركت ناقة النبي ﷺ (القصوى) عند الحديبية وامتنعت عن السير، فظن الصحابة أنها عجزت (خلأت)، لكن النبي ﷺ بيّن أن ذلك ليس من خلقها بل حبسها الله كما حبس الفيل عن دخول مكة عام أبرهة. وعلل الحافظ ابن حجر الفرق بأن حبس الفيل كان لمنع هدم الكعبة على يد أهل الباطل، بينما حبس الناقة كان لحقن دماء المسلمين المستضعفين في مكة وتجنب قتال المشركين ليدخلوا في الإسلام لاحقاً، فقبل النبي ﷺ الصلح تعظيماً لحرمات الله.

معجزة تفجر الماء من ثمد الحديبية وإرواء الجيش

عندما نزل النبي ﷺ وأصحابه بالحديبية وجدوا ماءً قليلاً في حفيرة (ثمد) لا يكفي الجيش، فشكوا العطش، فأمر النبي ﷺ بوضع سهم من كنانته في الحفيرة، فتفجر الماء منها بغزارة حتى روى جميع الجيش البالغ عددهم 1500 صحابي، واستمر الماء يفور حتى ارتحلوا من المكان، وهي من دلائل نبوته ﷺ.

التفريغ النصي الكامل

ترجمة نانسي قنقر قال: نزلَتْ على النبي صلى الله عليه وسلم ورجعُه من الحديبية، وأصحابه يخالطون الحزن والكآبة، وقد حيل بينهم وبين مساكنهم، ونحروا الهدي بالحديبية. وهذا قد مرّ معنا في الأحاديث التي قبله: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وجدوا في نفوسهم، وكذلك خالطهم شيء من الحزن والكآبة؛ لأنهم خرجوا وهم مشتاقون لبلدهم وللمسجد الحرام، وقد فارقوه سنواتٍ عدة، فلا شك أن هذا يكون شديدًا على النفس. أنت ربما إذا تريد أن تصل إلى بلدٍ ما ثم مُنعتَ، وهي بلدٌ ليست معظمة، لربما تذهب فيها للسياحة أو الزيارة أو لعمل دنيوي أو نحو ذلك، فإذا مُنعتَ لا شك أنك تحزن ويصيبك شيء من الكآبة. فكيف بهؤلاء الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم، وفارقوا أوطانهم، وزادت أو كانت الفترة فترة غيابهم عن بلدهم ليست بقليلة، فاشتاقوا إلى بلدهم وإلى المسجد الحرام، فكانوا فرحين بقدومهم إلى مكة، فمنعوا، فلا شك أن هذا أورثهم ذلكم الحزن والكآبة. قال: «أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ورجعُه من الحديبية، وأصحابه يخالطون الحزن والكآبة، وقد حيل بينهم وبين مساكنهم، ونحروا الهدي بالحديبية؛ لأنهم أحصروا، وقد أحرموا. ومن كان حاله كحالهم فحكمه حكمهم: فمن منع من الوصول إلى البيت وقد أحرم، فإن عليه هديًا، هديًا يذبحه، وبذلك ينتهي إحرامه، ينتهي إحرامه». قال: «ونحر الهدي بالحديبية: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ﴾ إلى قوله: ﴿ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴾»، يعني الآيتين الأوليين من سورة الفتح: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴾. كل هذه الآية في بشارات للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال: أي النبي عليه الصلاة والسلام: «لقد أنزلت علي آية هما أحب إلي من الدنيا جميعا». لا شك الآية الأولى فيها أن ما وقع في الحديبية فتحًا مبينًا، فتحًا مبينًا، وهذا لا شك مما يفرح العبد. والأمر الثاني: غفران ذنبه، وليس الذنب المتقدم فحسب، بل والمتأخر: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾. ها، نعم: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾. نعم، فلا شك أن هذه، أو أن هاتين الآيتين، فيهما بشارات عظيمة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلذلك قال: «لقد أنزلت علي آيتان هما أحب إلي من الدنيا جميعا». وهذا فيه أن المؤمن يفرح بما يسعده في أمر آخرته، لا يفرح بالدنيا، بل يفرح بالآخرة. لربما الواحد منا لو رُزق رزقًا كثيرًا أو طيبًا في هذه الدنيا لفرح فرحًا عظيمًا، ولكن لو وُفق لأعمال صالحة تكون سببًا في غفران ذنوبه وفي قربه من ربه وفي سعادته في آخرته، لا يفرح أحدنا بذلك. فالله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾. هذا الذي ينبغي أن يفرح به المؤمن: يفرح بالقرآن حين يُوفق لقراءته وحفظه والعمل به، يفرح بالفقه في الدين حين يُوفق لفهم مسائله والتفقه في أحكامه، يفرح بمواظبته ومحافظته على الواجبات من الصلوات الخمس، ومن كذلك الصيام والقيام ونحو ذلك، يفرح بهذه الأعمال. هذا الذي أمر الله عز وجل أن نفرح به. أما أمور الدنيا، فإن العبد وإن فرح، لكن لا يكون فرحه كفرح ما وُفق إليه من أمور الآخرة. لذلك ذم الله عز وجل الكفار الذين يفرحون بهذه الدنيا، قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴾، ركنوا إليها وفرحوا بهذه الدنيا، فذمهم الله سبحانه وتعالى. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما أنزلت عليه هاتان الآيتان، قال: «لقد أنزلت علي آيتان هما أحب إلي من الدنيا وما فيه»، أحب إلي من الدنيا وما فيه. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيه». إذا وُفقتَ إلى هاتين الركعتين فهما خير لك من الدنيا وما فيه. انظر إلى عظيم الأعمال الصالحة، وأن العمل اليسير منها أحب إلى الله من الدنيا وما فيها. ركعتا الفجر، يعني السنة التي تصليها قبل صلاة الفجر، هاتان الركعتان الخفيفتان اللتان كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ فيهما بماذا؟ بسورة الكافرين وسورة الإخلاص. ركعتان خفيفتان، قال فيهما النبي عليه الصلاة والسلام: «أحب إلي من الدنيا وما فيها»، من الدنيا كلها وما فيها، من القصور والدور والذهب والفضة والقناطير المقنطرة، ليس من المليون الذي معك، أو من البيت الذي معك، أو السيارة التي معك، لا، من الدنيا كلها وما فيها، وما فيها من زينة وزخارف وأموال وذهب وفضة، وكل هذه، ركعتان خيرٌ منه وأحب إلى الله منه. انظر إلى أثر الأعمال الصالحة وفضل الأعمال الصالحة، فينبغي للمسلم أن يستثمر وقته وعمره في الطاعات وعمل الصالحات، ولا يغتر بهذه الدنيا والإقبال عليها والركون إليها والتنافس فيها، وإنما يأخذ منها ما يعينه على القيام بأمر آخرته، ولا يركن إليها، ولا ينسى نصيبه من الدنيا، ولكن لا يركن إليها، ولا تكون أكبر همه ولا مبلغ علمه. قال: «فلما تلاهما»، يعني قرأ على الصحابة هاتين الآيتين، «قال رجل: هنيئًا مريئًا يا رسول الله، قد بيّن لك ما يفعل أو ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟» آيتان، آيتان، فيهما بيان ما يفعل بك وما أكرمك الله عز وجل به، فماذا لنا نحن؟ الصحابة رضي الله تعالى عنهم يقولون: ماذا يفعل بنا؟ ماذا لنا من بشارات؟ قال: «فأنزل الله عز وجل الآية التي بعدها: ﴿ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾». هذا الأمر للصحابة رضي الله تعالى عنهم، والنبي عليه الصلاة والسلام داخل فيها، ولكن هي عام له ولأصحابه. فبشر ربنا عز وجل المؤمنين بهذه الجنان وما فيها من أنهار ومن نعيم، فهذا هو للمؤمنين. ففرح الصحابة، فرح الصحابة بهذه البشارة. ولذلك فإن أصحاب الحديبية، وهم أصحاب البيعة، لا تمسهم النار، مبشرون بالجنة على وجه العموم، فهذه فضيلة عظيمة لهم. فطابت نفوسهم وفرحوا بهذا فرحًا عظيمًا، فزال ما بهم من هم وكآبة، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. قال: «الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأخرجه البخاري، وبين أن قوله: هنيئًا مريئًا، من قول عكرمة، يعني ليس من قول هذا الرجل الصحابي الذي سأل النبي عليه الصلاة والسلام، وعكرمة ليس من الصحابة، وليس ممن شهد الحديبية. فأراد الحافظ، أو أراد البخاري، من هذه الرواية أن هذا القول مقطوع على عكرمة، وليس هو من قول الصحابي، فهو مثل المدرج، أدرجه عكرمة. قال: ومسلم عنده أصل الحديث، وليس عنده نزول الآية، والترمذي وابن حبان كما في موارد الظمآن، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وسكت عليه الذهبي. وفيه: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ﴾، قال: فتح خيبر، والصواب أنه الحديبية، سماها الله عز وجل فتحًا، ومن فتح، ومن معاني هذا الفتح: فتح خيبر، لأن فتح خيبر وقع بعد الحديبية، وقع بعد ماذا؟ بعد الحديبية، فكل ما وقع من نصر للمسلمين بعد الحديبية فهو من هذا الفتح المبين. كما ذكر ابن القيم فيما قرأ عليكم في الدرس الماضي: أن من معاني هذا الفتح اختلاط المسلمين بالمشركين، وانتشار الدعوة، وإدخال الناس في الإسلام، وتفرغ النبي عليه الصلاة والسلام لبقية الأعداء، وكذلك جعل الهدف منصبا على عدو واحد، ولم يتشتت جيش المسلمين في جهات مختلفة، ونحو ذلك من الفوائد، ومن الأمور التي هي من الفتح الذي بسبب هذا الصلح العظيم، الذي ظاهره فيه الغضاضة، لكن باطنه فيه الخير والنصر للإسلام والمسلمين». ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: «سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ ﴾». ثم ذكر شيخنا رحمه الله تعالى حديث المسور بن مخرمة ومروان، وهو حديث طويل فيه تفصيل ما وقع من أحداث في الحديبية، فنحن نقرأ هذا الحديث على جزء جزء، ونأخذ معاني بعض الكلمات الغريبة أو الكلمات غير الواضحة المعنى، ثم هكذا ننتقل إلى جزء آخر حتى نأتي إلى نهايته. قال الإمام البخاري رحمه الله: «حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه. قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين. فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش. وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها، بركت به راحلته، فقال الناس: حلّ، حلّ، فألحت، فقالوا: خلأت القصوى. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ما خلأت القصوى، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها. ثم زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، يتربضه الناس تربضًا، يتبرضه الناس، يتبرضه الناس التبرض، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه. وشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهمًا من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زالوا يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه». طيب، ما قرأ، نحاول إن شاء الله أن نبين أولًا معناه، ثم ما تيسر من فوائده ومسائله. أولًا: الحديبية، في قوله: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية». الحديبية: قيل إنه بئر سُمّي المكان بها، وقيل شجرة، قالوا لها: الحديبية، كذلك سُمّي المكان بها، وهي قرية قريبة من مكة، قرية قريبة من مكة، أكثرها في الحرم، يعني بعضها في حدود الحرم وبعضها في خارج الحرم، فهي قريبة من مكة. فقوله: «زمن الحديبية»، يعني في هذه الحادثة، وهو خروج النبي صلى الله عليه وسلم للعمرة حتى منع منها، فكان آخر موضع نزل فيه هو الحديبية، كما سيأتي. قال: «حتى إذا كانوا ببعض الطريق»، يعني يمشون من المدينة قاصدين مكة، فبينما هم في الطريق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن خالد بن الوليد بالغميم»، أي أن خالد بن الوليد رضي الله عنه قبل أن يسلم، قبل أن يسلم، وكان مع المشركين، فخرج بجيش لما علم بخروج النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه من المدينة، فخرج خالد بن الوليد بالغميم، يعني وصلت الأخبار إلى النبي عليه الصلاة والسلام أن خالد بن الوليد في مكان يقال له الغميم، والغميم والغميم مكان بين رابغ والجحفة، بين رابغ والجحفة، أي أنه في الطريق يريد لقاء جيش المسلمين، أو يريد كذلك معرفة خبر جيش المسلمين. قال: «في خيل لقريش طليعة»، يعني خرج في جيش، في خيل، يعني في جيش، جاء في بعض الروايات عند ابن سعد أنه كان معه مئتا فارس، مئتا فارس بفرسانهم، بفرسانهم. قال: «طليعة»، ومعنى طليعة: يعني مقدمة الجيش، أن هذه الخيل في مقدمة الجيش، في مقدمة الجيش. فقال النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة: «خذوا ذات اليمين». وفي هذا أن القائد المسلم ينبغي عليه أن يرسل عيونه، أي يرسل من يأتي له بخبر العدو. فكيف علم النبي عليه الصلاة والسلام بخبر خالد بن الوليد؟ أرسل عيونه، ومن يأتي له بالخبر، وهذا من أساليب الحرب: أن تعرف ما عند عدوك، وأن تعرف خبر عدوك، حتى من خلال هذه الأخبار تصيب مقتله وتصيب مكانه، وتعلم عدده وعدته ونحو ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: «إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة»، يعني معه فرسان في طليعة هذا الجيش، «فخذوا ذات اليمين»، أي الطريقة التي فيها خالد وأصحابه، ذات اليمين، يعني يمشوا في الطريق التي فيها خالد وأصحابه. لأن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في بعض الروايات الأخرى، لما علم بقدوم المشركين إليهم، استشار الصحابة. هم خرجوا من المدينة لا للقتال، وإنما للاعتمار، أرادوا العمرة، ما أرادوا القتال. فلما علم النبي عليه الصلاة والسلام بمقدم المشركين وإرادتهم الشر والقتال، استشار الصحابة، فأشار إليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أنك يا رسول الله خرجت لا للقتال، فلا تقاتل إلا من بدأك به، فامش في طريقك، فمن قابلك وعارضك فقاتله. أنت تمشي للاعتمار، ما تبدأ بالقتال، لكن إذا بدأك أحد بالقتال فقاتله وامض في طريقك. فكان في أول الأمر هذا هو الرأي، هذا هو الرأي. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما سمع بخالد بن الوليد وما معه من المقاتلين، تعمد عليه الصلاة والسلام المشي في الجهة التي فيها هذا الجيش، فقال للصحابة: «فخذوا ذات اليمين»، أي الطريق التي فيها خالد وأصحابه. قال: «فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش». القترة: أي الغبار الأسود، الغبار الأسود، بمعنى أن المسلمين قد قربوا من جيش المشركين حتى أنهم رأوا غبار الجيش. «حتى إذا هم بقترة الجيش»، أي الغبار الأسود لجيش المسلمين. فلما رأى خالد ذلك، انطلق يركض نذيرًا لقريش، يعني هرب ورجع إلى مكة، رجع إلى مكة لينذر قريش حتى تستعد للقتال، فأخبرهم أن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه قادمون إلى مكة، قادمون إلى مكة. قال: «فانطلق يركض نذيرًا لقريش»، ينذرهم قدوم الجيش، الجيش جيش المسلمين. قال: «وسار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها». الثنية: هي طريق في الجبل تؤدي إلى مكان يشرف على الحديبية، يشرف على الحديبية. وقلنا الحديبية في مكة، بل جزء كبير منها في حدود الحرم، في حدود الحرم. فهذه الثنية هي طريق تؤدي إلى مرتفع يطل على ماذا؟ على الحديبية، خلاص، بالقرب من ماذا؟ بالقرب من مكة، بالقرب من مكة. قال: «بركت به راحلته»، الراحلة التي هو عليها عليه الصلاة والسلام، بركت: جلست في مكانها ولم تستمر في السير. «فقال الناس: حلّ، حلّ»، وحلّ، حلّ، هذه كلمة تقال للناقة إذا تركت السير. وهذه الكلمات، المصطلحات عند من يرعون بالإبل أو الغنم أو كذلك الخيول ونحو ذلك، لهم ألفاظ تفهم البهائم معناها، وهذا معروف عند الرعاة. فالناقة إذا بركت وأردتها أن تقوم تقول لها: حلّ، حلّ، يعني تحثها على القيام والاستمرار في السير والاستمرار في السير. فهي جلست، فقالوا لها: حلّ، حلّ، أي قومي، سيري، واستمري في السير. «فألحت»، ومعنى ألحت: أي استمرت وتمادت في عدم القيام، في عدم القيام، استمرت وتمادت في عدم القيام، وهو من الإلحاح، تلح على الشيء أي تبقى عليه وتستمر عليه ولا تتراجع عنه. وهكذا هذه الناقة ألحت، كل ما أرادوها تمشي وتقوم، ما تتحرك من مكانها أبدًا، ما تتحرك من مكانها. «فقالوا: خلأت القصوى». ومعنى خلأت: يعني عجزت وخارت وضعفت، فلا تستطيع المشي، لا تستطيع المشي، ضعفت وتعبت. فالقصوى: هو اسم لناقة النبي عليه الصلاة والسلام، وسميت بالقصوى، قيل من القصو وهو قطع طرف الأذن، كان طرف أذنها مقطوعًا، هذا قيل، وهذا وقيل وهو الأقرب والله أعلم: أنها كانت لا تسبق، أنها كانت لا تسبق، فقيل لها القصوى لأنها بلغت في السبق أقصاه، لا أحد يستطيع أن يسبقها، فسميت القصوى. هذا كله يعني اجتهاد من بعض أهل اللغة، ولم يرد هناك دليل صحيح صريح في هذه المعاني، في هذه المعاني. المهم أنه اسم لناقة النبي عليه الصلاة والسلام. فقال الناس: «خلأت القصوى»، هل استعصت، ضعفت، ما استطاعت الاستمرار. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما خلأت القصوى، ما خلأت القصوى، وما ذاك لها بخلق»، يعني هذا ليس لها بعادة. ما خلأت، والناس يرونها أنها باركة ولا تستطيع السير، لكن النبي عليه الصلاة والسلام فهم، فهم لماذا لا تريد هذا السير، وأنه أمر إلهي، وأنه أمر إلهي. فرأى النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل لا يريد لهم الدخول إلى مكة، لا يريد لهم الدخول إلى مكة، والخيرة فيما اختاره الله. ولذلك قال: «ما خلأت القصوى، وما ذاك لها بخلق، هذا ليس من عادتها أبدًا، هذا ليس من عادتها». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولكن حبسها حابس الفيل». ومعنى «حبسها حابس الفيل»: أي حبسها الله عز وجل عن دخول مكة، كما حبس الفيل عن دخولها. يريد ما وقع في قصة أبرهة الحبشي، لما قدم من الحبشة بجيشه يتقدمهم الفيل، أرادوا هدم بيت الله، أرادوا هدم بيت الله، كما في سورة الفيل: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾. فالفيل كلما أرادوا، كلما أرادوا الاتجاه به إلى بيت الله، إلى الكعبة، رجع وخلأ ولم يستطع التقدم إلى البيت الحرام. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ولكن حبسها حابس الفيل»، يعني عن مكة، حبسها الله عز وجل عن دخول مكة، كما حبس الفيل عن دخولها. وقد بيّن الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث الفرق بين حبس الفيل وحبس القصوى، بين حبس الفيل وحبس القصوى. فقال رحمه الله تعالى وهو يبين الفرق، قال في الحكمة من عدم دخول النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلى مكة: «لو دخلوا مكة على تلك الصورة، لأن المشركين سيقاومون ويقاتلون ويمنعون، فلو دخل الصحابة على تلك الصورة وصدهم قريش عن ذلك، لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال، كما لو قدر دخول الفيل وأصحابه مكة. لكن سبق في علم الله في الموضعين أنه سيدخل في الإسلام خلق منهم، ويستخرج من أصلابهم ناس يسلمون ويجاهدون. وكان بمكة في الحديبية جمع كثير مؤمنون من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، فلو طرق الصحابة مكة كما، لما أمن أن يصاب ناس منهم بغير عمد، كما أشار الله تعالى في قوله: ﴿ وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾، أي في مكة، أي أن تقتلوهم وتضربوهم، ماذا قال؟ ﴿ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةُ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾، يكون ظلمًا لهم وهم مسلمون، فكيف تقتلونهم؟ فكان من حكمة الله عز وجل أن منع الصحابة من دخول مكة، لأن في دخولهم ستحصل مفاسد عظيمة، من قتل بعض المسلمين، ولربما من قتل هؤلاء المشركين على شركهم، على شركهم، على شركهم، فعدم دخولهم إلى مكة فيه حقن لدمائهم. فلذلك لما فتحت مكة، هؤلاء دخلوا في الإسلام، بل ومن كان من أصلابهم دخل في الإسلام، ومن خلف الإسلام، فكانت هذه مصلحة عظمى، كانت هذه مصلحة عظمى». فإذا فرق بين حبس الفيل وحبس النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه عن دخول مكة، فحبس الفيل كان كما قال الحافظ: أصحاب الفيل كانوا على باطل محض، وأصحاب هذه الناقة كانوا على حق محض، ففرق بين الفريقين. ولكن الحكمة في عدم، أو الحكمة في حبس الفيل حتى لا يهدم بيت الله، وحتى لا يقتل أهل الحرم، وأما حبس الناقة حتى لا تحصل مفسدة بقتل بعض المسلمين، وقتل المشركين فيموتون على الشرك، ولا يدخلون في الإسلام، فمن حكمة الله أن جعل هذا الصلح الذي فيه هذه المنافع، والذي فيه هذه المصالح العظيمة. وفي هذا، كما قال الحافظ، التشبيه من الجهة العامة، وإن اختلفت الجهة الخاصة. فكون النبي عليه الصلاة والسلام شبه ما وقع للناقة بما وقع للفيل، ليس هذا التشبيه يعني متفقًا في جميع، في جميع الصفات، وفي جميع المعاني، وإنما في ما أراد الله عز وجل من حكمة بالغة في حبس الفيل، وحبس كذلك الناقة. هكذا ينبغي أن يفهم مثل ذلك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما خلأت القصوى، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل». ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها». يعني: ما يسألوني صلحًا، وإن كان فيه ما فيه من الشروط، إلا أعطيتهم إياه. ومعنى قوله: «يعظمون فيها حرمات الله»، معنى ذلك: أي ترك القتال في الحرم، فإن ذلك من تعظيم حرمات الله، فإن ذلك من تعظيم حرمات الله. وكذلك الجنوح إلى المسالمة والكف عن إراقة الدماء، هذا أيضًا من تعظيم حرمات الله. فمعنى كلام النبي عليه الصلاة والسلام: أنهم ما صالحوه في، في هذا الأمر، بأي شيء، إلا ويصالحهم فيه، يصالحهم فيه. فهذا معنى قوله: «إلا أعطيتهم إياه». قال: «ثم زجرها فوثبت»، يعني قامت، بعدما كان المشور والرأي أن يبقوا في مكانهم وينتظرون الصلحة مع قريش، ولا يدخلون مكة، ولا يدخلون مكة. قال: «فعدل عنهم»، يعني لم يدخل مكة، عدل عنهم، يعني ترك دخول مكة، حتى نزل بأقصى الحديبية. وعرفنا ما معنى الحديبية: هو موضع، قيل فيه ماء، وهذا الذي جاء في هذا الحديث أنه فيها ماء قليل، فهي بئر سُمّي بها هذا الموضع. «على ثمد قليل»، ومعنى ثمد: أي حفيرة فيها ماء، وفيها ماء، حفيرة فيها ماء، هذا معنى ثمد. ليش الثمد هذا الحوت اللي في البحر؟ امتبهوا: ثمد، بفتحي الثاء والميم، يعني حفرة صغيرة، وفيها ماء، فيها ماء. قال: «وثمد من مثمود»، أي قليل، قليل، قليل. قوله: «ولذلك هنا قال: قليل الماء»، وهذا تأكيد، هذا تأكيد لما سبق، لأن الثمد هي الحفرة الصغيرة، حفيرة، تصغير لحفرة، وفيها ماء، فهو ماء قليل. والجيش كم عدده؟ ألف وخمسمائة، كما مر معنا. انظر: حفيرة صغيرة فيها ماء، ماذا سيكفي في هذا العدد؟ أيكفي في شربهم، أو في وضوئهم، أو في غسلهم؟ ما قليل، ما عندهم إلا هذا. قال: «يتبرضه الناس تبرضًا». ومعنى يتبرضه: البرد اليسير من العطاء، البرد في اللغة: اليسير، القليل من العطاء. فمعنى «يتبرضه الناس»: أي يأخذه الناس قليلًا قليلًا، يحافظون عليه. وفي هذا الماء إذا كان شحيحًا قليلًا، ينبغي المحافظة عليه، ينبغي المحافظة عليه في الاستعمال، في الغسل، في مقدار ما يتوضأ به ونحو ذلك. فانظروا: كانوا يأخذون من هذا الماء القليل قليلًا قليلًا، محافظة عليه. وقيل: أن البرد، أن البرد هو جمع الماء بالكفين، تجمع الماء بالكفين، يعني تأخذ ماء قليلًا، تأخذ ماء قليلًا بكفيك. قال: «فلم يلبثه الناس حتى نزحوه»، لم يلبثه الناس، بضم الياء، يلبثه الناس حتى نزحوه، أي لم يتركوه يلبث، أي يبقى ويقيم في هذا المكان، حتى انتهى هذا الماء. «نزحوه»: يعني أخذوه، لأن منهم كثير، لأن منهم كثير. «وشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش»، يعني الضمأ، انتهى الماء، ما عندهم ماء، وهم نازلون في هذا الموضع، فجاءوا يشتكون إلى النبي عليه الصلاة والسلام العطش، الناس في عطش. قال: «فانتزع سهمًا من كنانته»، انتزع سهمًا من كنانته، يعني أخرج سهمًا من جعبته، الجعب التي يوضع فيها السهام، فأخرج سهمًا منها. وماذا فعل به؟ «ثم أمرهم أن يجعلوه فيه»، يعني يجعلوه في هذه الحفيرة الصغيرة، يغرزوه في هذه الحفيرة الصغيرة. قال: «فوالله ما زالوا يجيش لهم»، ومعنى يجيش: يعني يفور. الله أكبر، هذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته. كان الماء يفور من بين أصابعه، ويؤتى بالماء القليل فيدعو فيه وينفث فيه، فيشرب منه الفئام من الناس. وهذا في هذا الموضع، أعطاهم سهمًا من كنانته، فغرزوه في هذه الحفرة، فقال الراوي: «ما زالوا يجيش لهم بالري»، يعني يفوروا بالماء، «حتى صدروا عنه»، يعني حتى رجعوا وذهبوا من هذا الموضع، وذهبوا من هذا الموضع بعد انتهاء الصلح، وبعد انتهاء ما وقع من أحداثها، في كل هذه الفترة وهم يأخذون من هذا الماء. وهذا كما تقدم من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. ثم بدأت المفاوضات بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين رسل قريش، وسيأتي إن شاء الله في درس قادم تفاصيل، أو بقية أحداث هذه القصة. فنكتفي بهذا اليوم إلى هنا، والله تعالى أعلم، أعلم. بسم الله، بسم الله، بسم الله، الله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد...