الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 35، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
بعد سنوات من الحصار في الشعب، بادر هشام بن عمرو بن لؤي سراً بإطعام بني هاشم، ثم اتفق مع زهير بن أبي أمية وثلاثة آخرين من ذوي الرحمة على نقض صحيفة المقاطعة الظالمة، فاجتمع الخمسة رجال وتعاقدوا على إنهاء الحصار وإبطال مفعول الصحيفة.
اجتمع الخمسة عند الحجون ثم توجهوا للكعبة حيث ناهض زهير الصحيفة جهاراً وأيده رفاقه، فاعترض أبو جهل زاعماً التدبير الليلي، فأنزل الله آية الأرضة التي أكلت الصحيفة ولم تترك إلا اسم الله، فأطلع الله نبيه على ذلك فصدقه عمه أبو طالب.
أحضر أبو طالب الصحيفة إلى الكعبة وأخبر قريشاً بخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن محو اسم الله منها، فلما فتحوها وجدوا الأمر مطابقاً فبطلت الصحيفة وخرج بنو هاشم من الشعب، وتوفي أبو طالب بعد ستة أشهر من رفع الحصار.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: آخر ما أخذنا -كما نبهنا بعض المتابعين لدرس مختصر السيرة- حصار بني هاشم في الشعب. قد قرأنا هذا، وقرأنا الأبيات التي قالها أبو طالب، وحصار بني هاشم في الشعب، ملخصة من باب التذكير: أن قريشًا لما رأت انتشار الدعوة، ومدافعة بني هاشم عن ابنهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ومنهم أبو طالب، غاضهم ذلك، فاجتمعت قريش وعقدوا صحيفة كتبوها: أنهم لا يجالسون بني هاشم، ولا يؤاكلونهم، ولا يبايعونهم، ولا يدخلون بيوتهم، حتى يسلموا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه. فكتبوا بذلك صحيفة، وتعاهدوا وتواثقوا عليها، فاشتد البلاء ببني هاشم، وحصروهم في الشعب، فبلغ بهم الجوع مبلغه، وكان حتى النساء والصبيان يتضاغون -أي يصيحون- من شدة الجوع، وهم صامدون في هذا الشعب. وقد تقدم قول: إن هذا الحصار مدته سنتان أو ثلاث سنوات؛ منهم من قال سنتين، ومنهم من قال ثلاث سنوات. وقصة الحصار أصلها في الصحيح، وأما تفاصيل هذه القصة فجاءت بمراسيل في السيرة عند البيهقي، عن الزهري، وعن غيره، فبمجموع الطرق -إن شاء الله- يصل إلى درجة الحسن في أصل أو في تفاصيل هذه القصة. ثم نقضت هذه الصحيفة، كيف كان نقض هذه الصحيفة؟ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله: "نقض الصحيفة". قال: ثم بعد ذلك مشى هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وكان يصل بني هاشم في الشعب خفية بالليل بالطعام -يعني فيه شيء من الرقة والرحمة واللين والقرب من بني هاشم-، كان كافرًا، لكنه كان يرحم، وكذلك يصل بني هاشم، وكان يأتيهم بالطعام ليلًا حتى لا يراه المشركون. فمشى هذا هشام بن عمرو إلى زهير بن أبي أمية المخزومي، وهو أيضًا من الكفار، وكانت أمه عاتكة -يعني أم زهير بنت عبد المطلب-، بمعنى أن بني هاشم أخواله. وقال: "يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام وتشرب الشراب، وأخوالك وأخوالك -بحيث تعلم- ما هم فيه من الجوع والحصار ونحو ذلك؟" فقال: "ويحك" -كلمة يراد بها الزجر- "فما أصنع وأنا رجل واحد؟ أيش تبغاني أفعل وأنا رجل واحد؟ ما أستطيع أن أنقذهم من هذا". قال هشام: "أما والله لو كان معي...". فقال زهير: "أما والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها". قال: "أنا". هشام يقول لزهير: "أنا معك". فقال: "أي زهير، ابغنا ثالثًا" -يعني اطلب لنا رجلًا ثالثًا يكون معنا حتى نكون أقوى وأكثر-. قال: "أبو البختري ابن هشام". وذكر هشام بن عمرو هؤلاء لما يعلم من رحمتهم ورقتهم لبني هاشم. قال: "ابغنا رابعًا، الآن وجدت الثالث، هات لنا رجلًا رابعًا". قال: "زمعة بن الأسود". قال: "ابغنا خامسًا". قال: "المطعم بن عدي". وكل هؤلاء كانت في قلوبهم رأفة ورحمة لبني هاشم. قال: فاجتمعوا عند الحجون -موضع معروف-، وتعاقدوا على القيام بنقض الصحيفة. هؤلاء الخمسة تعاقدوا جميعًا على أن ينقضوا هذه الصحيفة، وكذلك يلغوا الحصار الذي فرض على بني هاشم. قال: فقال زهير: "أنا أبدأ بها" -يعني أبدأ بالنقض-. فجاءوا -أي الخمسة جميعًا- إلى الكعبة، وقريش محدقة بها -يعني حولها حول الكعبة-. فنادى زهير: "يا أهل مكة، إنا نأكل الطعام ونشرب الشراب ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة". هكذا نادى في قريش. فقال أبو جهل: "كذبت، والله لا تشق، لا تشق هذه الصحيفة". فقال زمعة: "أنت والله أكذب". الآن اتفقوا الخمسة، زمعة من هؤلاء الخمسة. فقال زمعة -وهو ابن الأسود-: "أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت". وقال أبو البختري: "صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها، ولا نقار عليها" -يعني ما نقرها-. فقال المطعم بن عدي: "صدقت، ما لا نرضى ما كتب فيها". فقال المطعم بن عدي: "صدقت، ما... وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها". فقال هشام بن عمر نحو ذلك. فقال أبو جهل: "هذا أمر قضي بليل" -يعني اتفقتم على هذا الأمر، عرف-. فقال أبو جهل: إنهم اجتمعوا ولم يرهم، ولكن بالحال الذي هم عليه، كيف اتفقوا جميعًا على هذا؟ فقال أبو جهل: "هذا أمر قضي بليل، تشور أو تشاور فيه بغير هذا المكان، اعتمت المشورة فيه في غير هذا المكان". وهذه القصة ذكرت في كتب السيرة بغير إسناد صحيح، ولكنها وردت بمراسيل. وتعرفون أكثر أو كثير من أحداث السيرة إنما ذكرها ابن إسحاق في سيرته، أحيانًا عن الزهري، وأحيانًا عن غيره. ابن إسحاق، الزهري ذكرها أحيانًا عن نفسه يذكرها، وأحيانًا ينسبها إلى غيره، وغالبها من الإرسال، وغالبها من المراسيل. قال: "وبعث الله على صحيفتهم الأرضة". معروف الأرضة، نسميها الرَّضَاء عندنا هنا، التي تأكل الخشب وتنخر فيه. قال: "فلم تترك اسمًا لله إلا لحسته" -يعني مسحته-، وبقي ما فيها من شرك وظلم وقطيعة. وهذا ذكره ابن إسحاق، وموسى بن عقبة، وعروة، ورواية غير ذلك -يعني رواية العكس: أن هذه الأرضة أكلت كل شيء من الظلم والقطيعة، وتركت اسم الله-. وهذا رواية مرسلة عن عكرمة، فجاء بهذا وهذا، وأشار الحافظ إلى أثر عكرمة في الفتح، وأنه مرسل حسن. قال: "وأطلع الله رسوله على الذي صنع بصحيفتهم"، يعني أن الصحيفة صار فيها مسح وهم لا يعلمون، ولكن الله عز وجل يعلم، فأخبر نبيه بذلك. فذكر ذلك لعمه، فقال: "لا والسواقب، ما كذبتني"، بمعنى أنه حلف بالسواقب، وهي النجوم السواقط، وكان أهل الجاهلية يحلفون بما يعظمونه، إما في خلقته، وإما بما في نفوسهم من عظمته، فهم يحلفون بالشمس مثلًا والقمر والنجوم لعظم خلقها، ويحلفون بأصنامهم لأنهم يعظمونها في قلوبهم. فهنا يقول أبو طالب: "نعم، هذا صحيح، ما كذبتني، أنت لست بكاذب". فصدق نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم. قال: "فانطلق يمشي" -يعني أبو طالب بعصابة من بني عبد المطلب- حتى أتى المسجد، وهو حافل من قريش -يعني ممتلئ-. فلما رأوهم ظنوا أنهم خرجوا من شدة الحصار، وأتوا ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: "جاءوا استسلموا، خلاص أدى الحصار يعني فعله فيهم". فلما فتكلم أبو طالب فقال: "قد حدث أمر لعل أن يكون بيننا وبينكم صلحة، فأتوا بصحيفتكم". وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها فلا يأتون بها، وهذا من ذكائه. ما قال لهم: "فيها وجد مسح في هذه الصحيفة، فأتوا بها"، فلربما نظروا قبل أن يأتوا بها، فإذا تحققوا من ذلك لم يأتوا بها، لم يأتوا بها. فقال لهم ذلك حتى يأتوا بهذه الصحيفة فيريهم أمام الناس ما وقع فيها من مسح، وهذا من ذكائه. فأتوا بها معجبين، لا يشكون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفوع إليهم. قالوا: "خلاص، الآن سيدفعون لنا رسول الله". قالوا: "قد آن لكم، قد آن لكم أن تفيئوا وترجعوا عن خطر لهلكة قومكم" -يعني ترجعوا وتسلموا لنا رسول الله-. فقال أبو طالب: "لو أعطينكم أمرًا فيه نصف -يعني فيه إنصاف وعدل-: إن ابني أخبرني -يعني النبي عليه الصلاة والسلام- ولم يكذبني، أن الله عز وجل بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، وأنه محا كل اسم له فيها. وهذه آية تعتبر -ما مسح إلا لفظ الجلالة- لأن الله لا يرضى عما فيها من الظلم، وترك فيها غدركم وقطيعتكم. فإن كان ما قال حقًا، فوالله لا نسلمه إليكم حتى نموت عن آخرنا. إن كان ما أخبر به حقًا أن اسم الله قد مسح، فهذا دليل على صدقه. وإن كان الذي يقول باطلًا، دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه إن شئتم، قتلتموه، إن شئتم جعلتموه رقيقًا وعبدًا عندكم ولم تقتلوه". قالوا: "قد رضينا". ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر -يعني أن اسم الجلالة ممسوح-. فقالوا: "هذا سحر من صاحبكم". فارتكسوا وعادوا إلى شر ما هم عليه. فتكلم عند ذلك النفر الذين تعاقدوا كما تقدم. وقال أبو طالب شعرًا يمدح النفر الذين تعاقدوا على نقض الصحيفة، ويمدح النجاشي، ومنه -يعني من هذه الأبيات-: جزى الله رهطًا بالحجون تتابعوا على ملأ يهدي لحزم ويرشد أعان عليها كل صقر كأنه إذا ما مشى في زفر في الدرع أحردوا قعودًا لدى جنب الحجون كأنهم مقاولة، بل هم أعز وأمجدوا وأسلم هشام بن عمرو يوم الفتح -يعني تأخر إسلامه، تأخر إسلامه إلى يوم الفتح-. وخرج بنو هاشم من شعبهم بعد هذه الحادثة، خرجوا من شعبهم وخالطوا الناس، وانتقضت هذه الصحيفة. وكان خروجهم في سنة عشر من النبوة، فعلى هذا يكون الحصار -لمن قال ثلاث سنوات- في سنة سبع، ولمن قال سنتين في سنة ثمان. وأما نقض هذه الصحيفة في السنة العاشرة فهذا ورد في الصحيح. نعم. قال: "ومات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر". طيب، نكتفي بهذا ونكمل الباقي إن شاء الله. إلى السلام، إلى هنا.