شرح تعظيم العلم  20

شرح تعظيم العلم 20

الدرس في شرح تعظيم العلم 20، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة في التحفظ وآداب سؤال العالم

يستهل الشيخ الحديث بالمعقد الثامن عشر من تعظيم العلم متناولاً مفهوم التحفظ في مسألة العالم، مبيناً أن ليس كل ما يخطر بالبال يُسأل فيه بل يُقتصر على النافع المسترشد. ويذكر أن الفلاح في هذا التحفظ يقوم على أربعة أصول، أولها التفكر في القصد من السؤال محذراً من الأغراض الخفية كإثارة الفتنة أو الإطاحة بالعلماء.

فطنة العلماء في كشف مقاصد السائلين

يسرد المقطع نماذج من فطنة العلماء في كشف مقاصد السائلين، كقصة الإمام القرافي مع مستفتي نكاح التحليل، وموقف ابن تيمية مع مكرر السؤال المحرم، وأحمـد بن حنبل مع السؤال غير النافع. ويؤكد على أهمية التفكر في السؤال قبل طرحه والاقتصار على ما ينفع السائل ويعنيه في دينه.

الأصل الثالث والرابع: مراعاة حال الشيخ وحسن الصياغة

يشرح الشيخ الأصل الثالث في آداب السؤال وهو مراعاة حال العالم واختيار وقت صفاء ذهنه وطيب نفسه، والأصل الرابع وهو حسن صياغة السؤال بألفاظ مؤدبة مختصرة خالية من الأخطاء. ويشدد على توقير العالم في الخطاب والدعاء له قبل السؤال، وينهى عن السؤال في أوقات الانشغال أو بأسلوب سوقي رديء.

تأديب السائل غير المحسن وختام المجلس

يشير المقطع إلى منهج العلماء في تأديب من يسأل دون حسن صياغة مستشهدين بكلام زيد بن أسلم في ذلك. ويختتم المتحدث الجلسة بالشكر للمشاهدين على المتابعة والدعاء بالتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الشيخ صالح العصيمي حفظه الله تعالى في كتابه "تعظيم العلم"، المعقد الثامن عشر: التحفظ في مسألة العالم. ومعنى التحفظ: يعني متى تسأل العالم، وكيف يكون سؤال العالم. فليس كل ما يخطر على بالك تسأل فيه العالم، ولو كان سؤالاً تافهاً، أو سؤالاً لم يقع، أو سؤال تعنت، وليس سؤال مسترشد، أو نحو ذلك. فينبغي على طالب العلم أن يختار السؤال المناسب الذي يسأل فيه العالم، فراراً من مسائل الشغب، وحفظاً لهيبة العالم. فإن من السؤال ما يراد به التشغيب، وإيقاظ الفتنة، وإشاعة السوء. ومن آنس منه العلماء هذه المسائل لقي منهم ما لا يعجبه، كما مر معك في زجر المتعلم. فلا بد من التحفظ في مسألة العالم، ولا يفلح في تحفظه فيها إلا من أعمل أربعة أصول. فلربما سأل السائل العالم من أجل التشغيب، ومعنى التشغيب: يعني إثارة الشغب والفوضى، سواء كان في المجلس، أو في المجتمع، أو في الدعوة، وبين الدعاة إلى الله عز وجل، أو نحو ذلك. أو إيقاظ الفتنة: أراد من هذا السؤال أن يثير فتنة ما، حتى يختلف طلاب العلم، وحتى يتباغض طلاب العلم، ونحو ذلك. فما ينبغي أن يسأل مثل هذه الأسئلة. ولعلكم أحياناً ترون العالم عندما تعرض عليه بعض الأسئلة في أوراق، في محاضرة مثلاً، أو في ندوة، أو نحو ذلك، بعض الأسئلة يطويها ولا يقرأها. تلاحظون هذا في كثير من مجالس العلم التي تعرض فيها الأسئلة مكتوبة. لربما أحياناً الشيخ ينظر في السؤال ثم يطويه ويضعه في سلة المهملات. وكان شيخنا الوادعي كذلك، ربما يقرأ ورقة ثم يقلب وجهه وينظر، فيعرف الطلاب أن السؤال فيه شيء من هذه المعاني: إما تشغيب، وإما إيقاظ فتنة، وإما إشاعة سوء. أمر مثلاً وقع بين اثنين من الطلاب، فرفع سؤال يريد الناس كلهم يسمعون بهذه الفتنة، أو بهذا الخلاف، أو نحو ذلك. فالعالم يكون متيقظاً. فما ينبغي للطالب أن يسأل مثل هذه الأسئلة. نعم، سؤال فيه علم، وفيه فائدة، وفيه استرشاد، وفيه استشكال، فلا بأس أن تسأله. أما غير ذلك فلا. قال: «وَلَا يُفْلِحُ فِي تَحَفُّظِهِ فِيهَا إِلَّا مَنْ أَعْمَلَ أَرْبَعَةَ أُصُولِ». أي: عند سؤال العالم. أولها: الفكر في سؤاله، لماذا يسأل؟ قبل أن تضع السؤال، تسأل نفسك أولاً: لماذا تسأل هذا السؤال؟ ما الفائدة من طرح هذا السؤال؟ اسأل نفسك. فيكون قصده من السؤال التفقه والتعلم، لا التعنت والتهكم. فإن من ساء قصده في سؤاله يحرم بركة العلم ويمنع منفعته. فالعالم إذا رأى من الطالب مثل هذه الأسئلة التي فيها من التعنت والتهكم، لربما طرده من المجلس، ولربما تحفظ العالم عن الإجابة، أو عن تعليم هذا المتعنت، فيحرم هذا السائل العلم. قال: وفي الناس من يسأل، وله في سؤاله قصد باطن، يريد التوصل به إلى مقصود له. يعني مثلاً: يسأل العالم، ويريد بهذا السؤال... طالب علم مستفيد وعنده خير، لكن مثلاً زل في أمر ما، فيسأل العالم دون ذكر اسم، فيظن العالم أن هذا المخطئ هو من أهل البدع، أو من أهل الضلال، أو من أهل الزيغ، فيجيب العالم إجابة فيها من الشدة، وفيها من الإنكار الشديد. فيذهب هذا السائل ويقول: انظروا ماذا قال الشيخ الفلاني في فلان، ماذا قال الشيخ الفلاني في فلان، والشيخ ما يدري ما قصد هذا السائل. يجيب الشيخ على أنه من أهل البدع، هذا المخطئ، أو من أهل الضلال، وليس من إخوانه من أهل السنة. وكما تقدم أن الرد على المبتدع ليس كالرد على السني من حيث الأسلوب والتلطف ونحو ذلك. فهذا أمر يقع فيه بعض طلاب العلم، في نفسه شيء على أخيه، أو على عالم ما، فيذهب يدور على العلماء بسؤال، ولا يذكر اسم هذا المقصود وهو يقصده. فإذا أجاب العلماء، نشر هذه الإجابات على أنها على فلان، وهذا ما قصده الشيخ. يريد التوصل إلى مقصود له، يريد الإطاحة بهذا المسؤول عنه. قال: فإذا غفل عنه المفتي وأفتاه بما يريد، فرح به وأشاعه. وإذا تنبه إلى قصده، حال بينه وبين مراده، وزجره عن غيه. وهذا تراه كثيراً في العلماء: الشيخ مقبل، والشيخ الفوزان أيضاً. ربما واحد يأتي بسؤال يقول: ما تقول في بعض... ممن ينتسب إلى العلم، وهو يقذف إخوانه المسلمين. يقول له الشيخ الفوزان: هذا أمر مرده إلى المحاكم، ليس إلينا. فيزجر هذا السائل. وذا قصده عالم من العلماء، ولم يكن هذا الأمر صريحاً، ولم يكن هذا الأمر صادراً منه، وإنما فيه لبس، أو فيه كذلك اشتباه في لفظ، أو نحو ذلك. فيتنبه العالم، ويقول: هذا مرده إلى المحاكم، ليس إلينا. فيزجر هذا الطالب. وهكذا الشيخ مقبل كذلك، في بعض الفتن الحاصلة بين بعض الدعاة، ينتبه الشيخ رحمه الله إلى سؤال بعضهم، فلا يجيبه، بل يزجره، ويحث على الألفة، وعلى المحبة والتعاون، ونحو ذلك. قال القرافي رحمه الله في كتابه "الإحكام": سئلت مرة عن عقد النكاح بالقاهرة، هل يجوز أم لا؟ واحد سأله: لو أحب يعقد في القاهرة، هل يجوز أو ما يجوز؟ مثل ما تسأل: هل يجوز العقد في اليمن أو ما يجوز؟ هل يجوز العقد في حضرموت أو ما يجوز؟ هل يجوز العقد في إندونيسيا أو ما يجوز؟ السؤال يعني غريب، صح؟ السؤال غريب. قال: سئلت مرة عن عقد النكاح بالقاهرة، هل يجوز أم لا؟ قال: فارتبت، شككت في هذا السؤال، وهذا من فراسة العالم. وقلت له: أي للسائل: ما أفتيك حتى تبين لي ما المغزى بهذا الكلام. فإن كل أحد يعلم أن عقد النكاح بالقاهرة جائز. ما الذي حملك على هذا السؤال؟ كل أحد يعلم أن عقد النكاح بأي مكان جائز. ما في هناك مكان حرمت فيها عقد النكاح إلا للمحرم، صح؟ أما الباقي فجائز في أي مكان أن يعقد. فقال له: قال فلم يزل به، يعني القرافي لا يزال بهذا السائل، ويريد أن يعلم لماذا سأل هذا السؤال، حتى قال: أي هذا السائل: إن أردنا أن نعقده خارج القاهرة، فمنعنا، لأنه استحلال، يعني نكاح تحليل. يعني هو من القاهرة، ورجل طلق امرأته، فطلقها الأخيرة الثالثة، ثم ندم وأراد أن يرجع زوجته، فأتى بمحلل يتزوجها حتى يخرج من قول الله عز وجل: ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، ثم يتزوجها الأول بعدما يطلقها المحلل. فقالوا: بما أننا نعقد في القاهرة، نخرج خارج القاهرة، فمنعوا من ذلك. فهم الآن أرادوا رخصة أن يعقدوا في القاهرة، جاءوا عند القرافي. يقول: لا يصح النكاح في القاهرة. لو قال: يجوز، عقدوا، وقالوا: أفتانا الشيخ أن العقد في القاهرة يجوز. لكن ماذا قال له هذا العالم؟ قال له: قال: لأنه استحلال، يعني نكاح تحليل، ونوع من الأنكحة المحرمة. فجئنا للقاهرة. فقلت له: لا يجوز، لا بالقاهرة ولا بغيرها. نكاح التحليل ما يجوز في أي مكان. وهذا من الحيلة، أنك تريد أن تأتي بمحلل من بلد أخرى، من أجل أن تجيز هذا النكاح. فانظر إلى فطنة هذا العالم، استغرب هذا السؤال، استغرب هذا السؤال. قال: ووقع مثل هذا لأبي العباس بن تيمية الحفيد، في فتوى تتعلق بأهل الذمة، ذكرها تلميذه البار ابن القيم رحمه الله في كتابه "إعلام الموقعين". ردت عليه غير مرة، يعني يسأل، يسأل هذه الفتوى في عدة مرات، يسأل، فيفتي بعدم الجواز. فبعد فترة يسأل هذا السؤال، وإن تغيرت بعض الصيغة، صيغة هذا السؤال، لكن مفاده السؤال الأول، مفاده السؤال الأول. فكلما أفتاه، ردت عليه غير مرة، في وجه غير الوجه السابق لها، يعني بأسلوب آخر، والمفاد واحد. فكان يقول: لا يجوز، لا يجوز، وإن اختلفت صيغة السؤال. حتى قال في آخر مرة: هي المسألة المعينة، وإن خرجت في عدة قوالب. يعني هي نفس المسألة الأولى، لا تجوز، لا تجوز، وإن خرجت في عدة قوالب، يعني عدة أساليب وصيغ، واختلاف كلمات وعبارات، لكن المقصود واحد. فهذا من تنبه العلماء. أحياناً إنسان في نفسه قصد وأمر، فيسأل العالم، فيفتيه بعدم الجواز، فيذهب فترة، ثم يغير صيغة السؤال، ويأتي بوجه آخر، لعل وعساه ألا ينتبه العالم، فينتبه العالم ويجيب بعدم الجواز. وهكذا. هذا هو الأصل الأول: أن تفكر في هذا السؤال قبل أن تسأله، هل فيه نفع، هل فيه خير، هل فيه فائدة، أم أنه سؤال تعنت وتزمت، وكذلك مجادلة ومخاصبة، وقصد سيء، أو نحو ذلك. قال: أما الأصل الثاني: فالتفطر إلى ما يسأل عنه. فلا تسأل عما لا نفع فيه، إما بالنظر إلى حالك، أو بالنظر إلى المسألة نفسها. إلى حالك: يعني ما تحتاج إلى هذا السؤال لأنك غير واقع فيه، فلا تفترض المسائل. أو بالنظر إلى المسألة نفسها: أي أن هذه المسألة غير واقعة أصلاً، لا فيك ولا في غيرك، فلا تسأل عن شيء ليس له حقيقة. قال: سأل رجل أحمد بن حنبل عن يأجوج ومأجوج: أمسلمون هم؟ فقال له: أحكمت العلم حتى تسأل عن ذا؟ إيش الفائدة أن تعرفهم مسلمين؟ ماذا يترتب على هذا؟ هل أتقنت العلم الذي تنتفع به في يومك وليلتك حتى تسأل عن هذه المسألة الغريبة العجيبة؟ قال: ومثله السؤال عما لم يقع، أو ما لا يحدث به كل أحد، وإنما يخص به قوم دون قوم. عما لم يقع: يسأل عن أشياء يعني خيالية، ما وقعت أصلاً، ما وقعت أصلاً. يسأل ويقول مثلاً: أرأيت لو كنت في مكان ليس فيه ماء، وليس فيه تراب، وليس فيه ما يصعد من الأرض حتى يقوم مقام التراب؟ سبحان الله، هل هذا شيء واقع؟ الإنسان يعني ما يجد شيء أبداً يتوضأ أو يتطهر به، ولو بشيء مرتفع، ولو بشيء مرتفع من الأرض. يعني أسئلة بعضها ما يمكن أن تقع، لا يمكن أن تقع. فمثل هذه المسائل ما ينبغي لطالب العلم أن يسأل عنها. وكذلك هناك أشياء لا ينتفع بها كل أحد، وإنما هي خاصة لقوم دون آخرين، خاصة لقوم دون آخرين، فلا تسأل عنها لأنها لا تعنيك. هذا الأصل الثاني. أما الأصل الثالث: قال: فالانتباه إلى صلاحية حال الشيخ للإجابة عن سؤاله. يعني أن تتحين وتتربص الوقت المناسب للشيخ حتى تسأله. فلا تسأل الشيخ حال غضبه، أو حال جوعه، أو حال نومه وراحته، أو نحو ذلك. فهذا معنى قوله: فالانتباه لصلاحية حال الشيخ للإجابة عن سؤاله. فلا يسأله في حال تمنعه، ككونه مهموماً، أو متفكراً يفكر في أمر، ويشغله أمر، أو ماشياً في طريق، أو راكباً سيارته. بل يتحين طيب نفسه. وهذا ليس في العالم فحسب، حتى لو تريد حاجة من أبيك، أو من إخوانك، من أخيك، فتتحين الفرصة التي، كما يقال، هو يعني ذو مزاج طيب، ما شيء يعكره، لا شيء يعكره، لا غضب، لا هم، لا يعني انشغال بشيء. فهذا أدعى إلى استجابة العالم وإجابة العالم. قال: غتادته سألت أبطفيل مسألة، فقال: إن لكل مقام مقال. لكل مقام مقال. فبعض المواقع، بعض المواقع أو المواقف، ليس من المناسب أن يجيب العالم، أن يجيب العالم. ومن ذلك: إذا علمت أن العالم إذا أجاب يكون فيه شيء من الحرج عليه، كأن تكون مسألة تتعلق بولاة الأمر، أو تتعلق كذلك بفتنة حاصلة في البلد، أو نحو ذلك، وتعلم أن الشيخ إذا أجاب لربما يتعرض لشيء من الحرج، أو نحو ذلك. فأيضاً في مثل هذا لا تسأل، ويمكن أن تسأله في مكان آخر، أو في وقت مناسب، أو نحو ذلك. قال: وسأل رجل ابن المبارك عن حديث وهو يمشي، فقال: ليس هذا من توقير العلم. ليس هذا من توقير العلم. لأنه يمشي، ويريد أن يقطع هذه المسافة ليصل إلى المكان الذي يريد. قال: وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يكره أن يسأل وهو يمشي. هذا الأصل الثالث في سؤال العالم. قال: أما الأصل الرابع: فتيقظ السائل إلى كيفية سؤاله، بإخراجه في صورة حسنة متأدبة. يعني أن ينتقي أجمل العبارات، وأحسن الألفاظ، وأخصر الجمل. فإن العالم إذا عرض عليه السؤال مختصراً وواضحاً، فهو أدعى إلى أن يجيب عليه. شيخنا الوادعي رحمه الله كان أحياناً يؤنب السائل إذا وجد خطأ إملائياً، أو خطأ نحوياً في سؤاله، ويقول: السائل أولاً يتعلم النحو ثم يسأل، أو يتعلم الصرف ثم يسأل، أو يتعلم الإملاء ثم يسأل. يؤنب السائل. فينبغي على السائل أن يضع الأسلوب الحسن، والألفاظ الحسنة، والتراكيب المستقيمة في سؤال العلماء. فيتيقظ السائل لكيفية سؤاله، بإخراجه بصورة حسنة متأدبة. فيقدم الدعاء للشيخ: يا شيخ، حفظك الله، ونفع الله بك، وغفر لك ولوالديك. تدعو للشيخ قبل أن تسأله: ما حكم كذا وكذا؟ قال: ويبجله في خطابه، ولا تكون مخاطبته له كمخاطبته أهل السوق. فيقول له مثلاً: يا شيخ مقبل، يا شيخ فلان. لا، يقول له: يا فضيلة الشيخ، يا شيخنا المبارك، حفظك الله. تكون ألفاظ فيها من التوقير، وفيها من الأدب، وفيها من الأخلاق الطيبة. «وَلَا تَكُنْ مُخَاطَبَتُكَ مُخَاطَبَةَ أَهْلِ السُّوقِ وَأَخْلَاطِ الْعَوَامِّ». قال جعفر بن أبي عثمان: كنت عند يحيى بن معين، فجاه رجل مستعجل، فقال: يا أبا زكري، حدثني بشيء أذكرك به. هكذا حاف: يا أبا زكري، حدثني بشيء أذكرك به. فقال يحيى، أي ابن معين: اذكرني أنك سألتني أن أحدثك فلم أفعل. هذا الشيء ليس تذكرني به. يعني: اذكرني بأنك جئت تسألني أن أحدثك فلم أحدثك. اذكرني بهذا الشيء. يريد أن يؤنبه، يريد أن يؤدبه. قال: وإذا تأملت السؤالات الواردة على أهل العلم اليوم، رأيت في كثير منها سلب التحفظ، وسفساف الأدب. سلب التحفظ: يعني ما يتحفظ في سؤاله، ويسأل السؤال النافع المفيد. سفساف الأدب: يعني سوء الأدب. فترى من يسأل متهكماً، الشيخ يقول مثلاً في مسألة ما: يقول: يا شيخ، أنتم قلتم كذا وكذا، فماذا تقولون في قولي كذا وكذا؟ يتهكم من الشيخ، وكأنه يرد على الشيخ. هذا من سوء الأدب. قال: فترى من يسأل متهكماً، أو يسأل محتقراً، احتقر الشيخ. يسألون عما لم يقع، أو ما وقع ولا ينفع. لا يتخيرون وقت الإيراد المناسب، كما تقدم في الأصل الثالث. ولا يتلطفون في عرض المطالب. فسؤالاتهم مفاتيح الفتن، وأسباب المحن، وويل لهم مما يصنعون. قال: وما أحوج هؤلاء لمقالة زيد بن أسلم، لما سأله رجل عن شيء فخلط عليه. ومعنى خلط عليه: أي السؤال لم يكن واضحاً، ولم يكن ذا تركيب سليم يفهم. خلط عليه في السؤال. فقال زيد: اذهب فتعلم كيف تسأل، ثم تعال فسأل. قال: اذهب أولاً تعلم كيف تسأل، ثم تعال وسأل. أما تريد أن تسأل وأنت تخلط، ولا تكاد تفهم؟ فهذا لا يكون. كما ذكرت لكم أن أحياناً في مجلس شيخنا، يكتب واحد: يا شيخ، مثلاً، ما حكم قول أبو العباس؟ يقول له أبو العباس: اذهب أولاً تعلم النحو، ثم اسأل. هكذا بهذا المعنى. أو يجد أخطاء نحوية، أخطاء إملائية في كتابته، قل له: يا بني، اذهب وادرس الإملاء، ثم اسأل. وهذا من تأديب العلماء لمن يسأل ولم يحسن السؤال. قال: وكم هم المحتاجون اليوم إلى مثل مقالة زيد بن أسلم، والله المستعان. طيب، نكتفي بهذا. وإلى هنا، والله، شكراً للمشاهدة.