شرح مختصر سيرة الرسول  43

شرح مختصر سيرة الرسول 43

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 43، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الإسراء والمعراج في مختصر سيرة ابن عبد الوهاب

يشرح المقطع أحداث الإسراء والمعراج كما وردت في مختصر سيرة الرسول للإمام محمد بن عبد الوهاب، متناولاً انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وصلاته بالأنبياء. ثم يعرج به عبر السماوات السبع ولقاؤه بالأنبياء وفرض الصلاة وتخفيفها ورؤيته لجبريل عند سدرة المنتهى.

حقيقة الإسراء بالروح والجسد ومقدمات الهجرة

يؤكد المقطع أن الإسراء والمعراج وقع بالروح والجسد معاً مستدلاً بركوب البراق ووصف النبي الدقيق للقدس، مبيناً تكذيب المشركين وتصديق أبي بكر الذي لُقب بالصديق. ثم ينتقل لذكر مقدمات الهجرة النبوية وكيف كان النبي يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج تمهيداً لبيعتَي العقبة.

دعوة النبي في الأسواق وإيمان الأنصار

يوضح المقطع مواصلة النبي ﷺ دعوته في مواسم الحج وأسواق العرب رغم صدود كفار قريش، مبيناً أن يهود المدينة كانوا يبشرون الأوس والخزرج ببعثة نبي. فلما رأت الأنصار النبي ﷺ أدركوا أنه الموعود فآمنوا به ونصروه، بينما كفر اليهود حسداً وكبراً.

كفر اليهود بالرسول بعد معرفتهم به

توضح الآية أن اليهود الذين كانوا يبشرون العرب بقدوم نبي كفروا به حين جاءهم رسول الله ﷺ لعلمهم به، فاستحقوا لعنة الله بسبب الحسد والكبر. ويمهد هذا الموقف لذكر أحداث بيعة العقبة الأولى والثانية في السيرة النبوية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا مباركًا. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فوددنا لو أخذنا كتابًا آخر نتدارسه، ولكن نظرًا لقرب العيد فأخرنا ذلك إلى ما بعد العيد إن شاء الله، ونكتفي في هذه الأيام بالقراءة في مختصر السيرة. قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الإسراء والمعراج». وحديث الإسراء والمعراج غالبًا ما سيذكره في الصحيحين: في البخاري وكذلك في مسلم. وكما رأيتم عنوان هذا الكتاب «مختصر سيرة الرسول»، فهو لم يتوسع في ذكر روايات هذا الحديث وتفاصيل أحداثه الإسراء والمعراج، فاختصر هذا الحديث. وهذا من تربية العلماء للطلاب، فالعلماء منهم من يؤلف المختصر، ومنهم من يؤلف المتوسط، ومنهم من يؤلف المطول. فمن عنوان هذا الكتاب «مختصر سيرة الرسول» اختصر أحداث هذه السيرة مع استيعاب لكثير من حوادثها. فقال: ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس راكبًا على البراق، وهي دابة. قال: صاحبه جبريل عليه السلام، فنزل هناك، يعني في بيت المقدس. وهذا معنى الإسراء من الذهاب والمشي ليلًا. وأما المعراج فهو من العروج وهو الصعود، والمعراج بعد الإسراء، ولذلك يذكر أولًا الإسراء ثم يذكر المعراج. فنزل هناك، أي في بيت المقدس في الشام في بلد فلسطين، وصلى بالأنبياء إمامًا. وهذا أيضًا جاء في روايات حديث الإسراء، وربط البراق بحلقة باب المسجد، أي مسجد بيت المقدس. ثم عرج به إلى السماء الدنيا. وفي تقديم النبي عليه الصلاة والسلام بالصلاة بالأنبياء دليل على أفضليته، وأنه أفضل الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام. قال: ثم عرج به إلى السماء الدنيا، سميت السماء الدنيا لأنها أدنى إلى الأرض، فرأى فيها آدم، أي نبي الله آدم، ورأى الأرواح السعداء عن يمينه والأشقياء عن شماله. ثم إلى الثانية، يعني عرج به إلى السماء الثانية التي تلي السماء الدنيا، فرأى فيها عيسى ويحيى عليهما السلام. ثم إلى الثالثة فرأى فيها يوسف. ثم إلى الرابعة فرأى فيها إدريس. ثم إلى الخامسة فرأى فيها هارون. ثم إلى السادسة فرأى فيها موسى. وقلنا: اختصر، وإلا فقد وقع بينه وبين موسى أحداث. فلما سأله موسى: ماذا فرض عليك ربك؟ قال له: خمسين صلاة. قال: ارجع فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك. فلا يزال النبي عليه الصلاة والسلام يراجع ربه حتى صارت خمس صلوات في العمل وخمسين صلاة في الأجر. قال: فلما جاوز وعظه بكى، أي موسى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي أن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي. وهذا فيه فضيلة هذه الأمة، فمن فضل الإسلام أن هذه الأمة أكثر الأمم دخولًا إلى الجنة. وكما جاء كذلك في حديث ابن عباس: لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم سوادًا عظيمًا فظن هذا السواد أنهم أمته، فقيل له: هذا موسى وقومه. فهذا دليل على أن موسى له أتباع كثر، لكن أتباع النبي عليه الصلاة والسلام أكثر. قال: ثم عرج به إلى السماء السابعة فلقي فيها إبراهيم، ثم إلى سدرة المنتهى، ثم إلى البيت المعمور. وهذا كله في السماء بعد السماء السابعة. فرأى هناك جبريل في صورته، له ستمائة جناح، أي رأى جبريل على صورته الحقيقية، على صورته الحقيقية. وقد رآه كذلك كما ورد في بعض الروايات لما انقطع عليه الوحي عليه الصلاة والسلام، ثم عاوده جبريل فرآه على صورته الحقيقية، له ستمائة جناح، كل جناح يملأ الأفق، الجناح الواحد يملأ الأفق. فهذا يدل على عظيم خلق جبريل عليه السلام. قال: وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾. فقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾، الضمير هنا يعود على جبريل، أي أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى جبريل نزلة أخرى، يعني مرة أخرى بعد المرة التي رآه في الدنيا عند انقطاع الوحي كما تقدم. ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى﴾، يعني وسدرة المنتهى في السماء بعد السماء السابعة. ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾، أي كلم نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام، وأعطاه ما أعطاه، وأعطاه الصلاة، أي فرضت الصلاة في السماء في ذاك المكان، فكانت قرة عين رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أنس: «عُبِّيَ إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة». الصلاة قرة عين النبي عليه الصلاة والسلام، وقرة عين أتباعه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والصحيح أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد، وهذا أدعى، أدعى، وكذلك أظهر في إظهار هذه المعجزة. فقد أخطأ من قال: إن الإسراء والمعراج بالروح فقط دون الجسد، بل كان الإسراء والمعراج بالروح والجسد. ودلت على ذلك أدلة كثيرة، منها ركوبه عليه الصلاة والسلام على البراق وخروجه من بيته، فلا يكون ذلك بالروح، لا يكون ذلك بالروح، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة التي تدل على هذا المعنى. فالإسراء والمعراج كان بالروح والجسد، كان بالروح والجسد، مثل ما يركب أحدنا الطائرة، ومثل ما يركب أحدنا السيارة بالروح والجسد، وهكذا كان الإسراء والمعراج: ركب عليه الصلاة والسلام في البراق بروحه وجسده. وهذا كما تقدم أظهر في هذه المعجزة، في هذه المعجزة. قال: فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه وأخبرهم، اشتد تكذيبهم له، بل وظنوا أن قوله عليه الصلاة والسلام ذلك سببًا لترك كثير ممن اتبعه ويتبعه، لظنهم أن هذا لا يعقل، وأن هذا لا يصدقه أحد. فأتوا عند أبي بكر وقالوا: أما سمعت ما يزعم صاحبك؟ يزعم أنه في ليلة واحدة أسري به إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماوات العلا، ونحن نشد الرحل إلى بيت المقدس في كذا وكذا من الأشهر. فقال أبو بكر: إن كان قد قال فقد صدق. ولذلك لُقب بالصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لشدة تصديقه للنبي عليه الصلاة والسلام، لأنه يعلم أنه يوحى إليه، وأنه مؤيد من ربه سبحانه وتعالى. فهذا الأمر ما زاد الصحابة إلا ثباتًا، إلا يقينًا بما هم عليه من الحق، ومن اتباع هذا الرسول عليه الصلاة والسلام. قال: وسألوه أن يصف لهم بيت المقدس، فجلاه الله له حتى عاينه. وهذا أيضًا مما ثبت: جلاه الله له، أي جعله أمامه، والله على كل شيء قدير، فهو يصف لهم البيت كأنه أمام البيت، فيقول لهم: البيت كذا وكذا، وهم يعرفونه لأن بعضهم قد سافر أو قد ذهب إلى ذاك المكان وهو يعرف وصفه. فجلاه الله عز وجل لنبيه حتى عاينه، يعني رآه بعينيه، وجعل يخبرهم به، ولا يستطيعون أن يردوا عليه شيئًا، ما استطاعوا أن يقولوا له: كذبت، ليس هذا الأمر في هذا المكان، وليس هذا الباب في هذا المكان. ما ردوا شيئًا مما قاله عليه الصلاة والسلام، لأنه يصفه وصفًا دقيقًا، وصف راءٍ له، وصف راءٍ له. قالوا: أخبرهم عن عيرهم التي رآها في مسراه، يعني القافلة التي كانت ذاهبة إلى الشام، ومرجعها، ومرجعها التي رآها في مسراه ومرجعها، وعن وقت قدومها، وعن البعير الذي يقدمها. هذه أوصاف دقيقة، فكان كما قال، فلم يزدهم ذلك إلا ثبورًا، وأبى الظالمون إلا كفورًا. انظروا: آيات واضحة بينات، لو كانوا أهلًا لطلب الحق لكفتهم هذه الآيات إيمانًا، مصدقًا برسالة نبينا عليه الصلاة والسلام. لكنهم أهل عناد وأهل كبر، والعياذ بالله، فلم يؤمنوا ولم ينقادوا مع ما رأوا من هذه الآية الواضحة البينة. قال: فصل في الهجرة، ويريد الهجرة الأولى، وهي هجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. فذكر هنا مقدمات هذه الهجرة وكيف تهيأت الأمور لنبينا عليه الصلاة والسلام، وذلك لما بايع من ينصرونه ويؤيدونه ويفدونه بأنفسهم وأموالهم وأهليهم. فسيذكر شيئًا من بيعتين: العقبة الأولى والعقبة الثانية، فهي كالمقدمة لهجرة النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. قال: قد ذكرنا أنه صلى الله عليه وسلم كان يوافي الموسم كل عام، يتبع الحجاج في منازلهم. والموسم يعني موسم الحج. وقد ذكرنا سابقًا أن العرب كانت عندها بقايا دين إبراهيم عليه السلام، ومن ذلك حج بيت الله الحرام. فكانت العرب تحج البيت، لكن حجها للبيت فيه تبديل وتغيير، فكانوا يطوفون عُراة، أو يطوفون في ثياب خاصة، فإن وجدوها وإلا خلعوا ثيابهم باعتقادهم أنهم عصوا الله فيها، وأنهم لا يقفون بعرفة، وإنما حدهم، خصوصًا أهل البيت، إلى مزدلفة، وأنهم يشركون بالله، ويلبون تلك التلبية: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك»، ونحو ذلك من تلك المناسك المخالفة لدين إبراهيم. فكانت العرب تجتمع في موسم الحج، وتأتي من المشرق والمغرب، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يتبع الحجاج في منازلهم، لعله يجد أنصارًا من غير بلده، لعله يجد أنصارًا من غير بلده. وهذا فيه أن الداعي إلى الله عز وجل إذا سدت عليه مدينة أو قرية أو بلد أو مسجد، فإنه ينتقل إلى بلد أخرى، ويدعو في مكان آخر، ويدرس في مسجد آخر، لعله يجد من الأنصار، ويجد من يفتح الله عز وجل قلوبهم لدعوته، لدعوته. فهذا نبي عليه الصلاة والسلام كان يوافي الموسم، يذهب عند الوافدين للموسم للحج، بل ويتبع الحجاج في منازلهم، في أماكن نزولهم، في خيمهم، في تجمعاتهم، عليه الصلاة والسلام، ما كلَّ ولا يئس، وإنما استمر في الدعوة وفي البحث عن الأتباع والأنصار. قال: وفي عكاظ وغيرهم. وعكاظ كما قال المعلق: هي سوق بصحراء بين نخلة والطائف، يعني خارج مكة، خارج مكة، تبعد عن مكة قليلاً. وقد مرت معنا نخلة والطائف قريبًا، وأنه صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف نزل بنخلة، وموضع قبل الدخول إلى مكة. فسوق عكاظ بين نخلة ومكة، يعني بين موضع ومكان يقال له نخلة، وبين الطائف المعروف البلد المشهور. قال: كانت تقوم هلال ذي القعدة، يعني أول ما يهل ذي القعدة، وتستمر عشرين يومًا، لأن الحجاج يتوافدون في مثل هذا الوقت، تستمر إلى عشرين ذي القعدة. تجتمع قبائل العرب فيتعاكضون، أي يتفاخرون ويتناشدون. كانوا أهل لغة وأهل بلاغة وفصاحة، ومباراة في الشعر، فكانوا يجتمعون ويتناشدون، يتناشدون. وقوله: يتعاكضون، يعني من المفاخرة، إذا قال: أي يتفاخرون، ولذلك سميت سوق عكاظ، يعني سوق المفاخرة والمباراة في الشعر ونحو ذلك. قال: يدعوهم إلى الله، فلم يجبه أحد منهم، ولم يؤوه. كذلك يعرضون عنه، وما ذاك إلا لتشويه دعوته من قبل كفار قريش، فيحذرون الناس. وقد أورد شيخنا الوادعي حديثًا في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخرج إلى أسواقهم فيقول: «يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا». وخلفه أبو لهب يقول للناس: لا تصدقوه، إنه صاب. ومعنى صاب: الصاب هو الذي ترك دين آبائه، يقولون له: صاب، الذي ترك دين آبائه. فكانوا يحذرون الناس منه ويشوهون دعوته، فلعل هذا هو السبب في انصراف كثير من القادمين عن دعوة النبي عليه الصلاة والسلام. فكان مما صنع الله لرسوله أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من جيرانهم يهود المدينة أن نبيًا يبعث في هذا الزمان، فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد. المدينة كان يسكنها من العرب قبيلتا الأوس والخزرج، وكانت ثلاث قبائل من قبائل اليهود كذلك تسكن المدينة، ما هي؟ آه: بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو... أنت تعرفها، لعلك ما تستطيع تنطقها، ها؟ نعم، ها، ورفع صوتك: بني قينقاع. هذه ثلاث قبائل من اليهود كانت في المدينة. فكانت هذه القبائل من اليهود تقول لقبيلتي الأوس والخزرج من العرب: في هذا الزمان سيبعث نبي، هذا النبي نحن سنتبعه، أي اليهود ستتبعونه، فيؤيده الله، فنقتلكم، ونكون من أنصار هذا النبي. هكذا تقول اليهود لمن؟ للعرب. وهذا الكلام حق من اليهود في كون أن هناك نبيًا سيبعث في هذا الزمان، لكن أنهم هم الذين يكونون من أتباعه، فهذا أماني منهم، ولذلك لم يتبعوا. قال: وكانت الأنصار، لأنهم عندهم علم، اليهود عندهم علم، عندهم كتب أنزلت، فهم يعرفون، كما جاء في قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾. الأب يعرف ابنه حق المعرفة، صح. وهكذا اليهود يعرفون نبينا حق المعرفة، لكنه الكبر والعناد منعهم من اتباعه ونصرته عليه الصلاة والسلام. قال: وكانت الأنصار تحج كغيرها من العرب، تأتي الوفود من المدينة وتحج، دون اليهود، فاليهود لا يحجون. فلما رأى الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الله، وتأملوا أحواله، قال بعضهم لبعض: تعلمون والله يا قوم أن هذا الذي توعدكم به اليهود، فلا يسبقنكم إليه. قالوا: سمعتم ماذا يقول اليهود، يتوعدون به، وأن هناك نبيًا سيخرج آخر الزمان، لعله هذا النبي عليه الصلاة والسلام، لعله هذا النبي الذي يذكره اليهود، فنحن سنسبقهم، وسنؤمن به، وسنتبعه، وسننصره. وقدر الله بعد ذلك أن اليهود يكفرون به، فهو قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾، أي التوراة، ﴿مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾، يعني القرآن، يعني القرآن مصدق لما معهم، يعني التوراة، مصدق لما صدق ما معهم من الكتاب، ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ﴾، يعني قبل أن ينزل الكتاب على نبينا عليه الصلاة والسلام، ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني يقولون لكفار العرب: نحن سنتبعه وسنقتلكم معه، يستفتحون على الذين كفروا. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾، فلما جاءهم هذا الرسول، جاء اليهود كفروا به، فلم يتبعوا، ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. هذا هو تفسير هذه الآية، ما كان يقوله اليهود للعرب من الأوس والخزرج، فصار العكس: آمن الأوس والخزرج، وكفر اليهود. هذه مقدمة لبيان أحداث بيعة العقبة الأولى ثم العقبة الثانية، وانتهى الوقت، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.