الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الشيخ قصة المختار بن أبي عبيد الذي أظهر الصلاح ثم ادعى النبوة، فأجمعت العلماء على كفره وقتله وامتنعت زوجته عن تكفيره فقتلت أيضاً. يثبت هذا أن النطق بالشهادتين وإقامة الصلاة لا ينفعان من وقع في مكفر صريح كادعاء النبوة أو الاستغاثة بغير الله.
يذكر المقطع قصة الجعد بن درهم الذي أنكر صفات الله فقتله الوالي خالد بن عبد الله القسري بإجماع العلماء، وحال بني عبيد القداح الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر والشرك. أجمع العلماء على كفرهم وأن دارهم دار حرب، حتى وصفهم أحد الصالحين بأنهم أشد خطراً من النصارى.
يبين المقطع أن المنافق في بلاد المسلمين أخطر من العدو الظاهر، مستعرضاً موقف ابن تيمية وابن القيم في تكفير الباطنية لإظهارهم الكفر ودعوتهم لعبادة غير الله. يؤكد أن مجرد النطق بالشهادتين لا يكفي مع الإخلال بمقتضاها، مستدلاً بأحكام الردة في عهد الصحابة، ويختم بوجوب التبرؤ من الباطل.
يؤكد المقطع أن الدعاء بالثبات على التوحيد والسنة والعلم والاستقامة سبب لتثبيت الله للعبد، محذراً من أن حتى أهل العلم قد يقعون في الشرك في باب التوحيد. لذا يجب الإلحاح في الدعاء بأن يثبت الله القلب ويبعد الشبهات المفسدة للعقيدة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": قال: الدليل الرابع، على أيش؟ الدليل على أن ليس كل من قال لا إله إلا الله يكون موحداً مسلماً، وإن خالفها ووقع فيما يناقضها من الكفر والشرك ونحو ذلك. قال: ما وقع في زمن الصحابة أيضاً، وهي قصة المختار بن أبي عبيد الثقفي، وهو رجل من التابعين، والتابعي هو من رأى الصحابة. قال: مصاهر لعبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه، مظهر للصلاح، وانتبه إلى قوله: "مظهر"، لكن في نفسه خبيئة سيئة ظهرت عليه فيما بعد. قال: فظهر في العراق يطلب بدم الحسين وأهل بيته، لأن الحسين رضي الله عنه، الحسين بن علي، قتله أهل العراق، فجاء بهذه الدعوة التي ظاهرها الحق والغيرة على الحسين رضي الله عنه وأهل بيته. قال: فقتل ابن زياد، وكان والياً على أهل العراق، ومال إليه من مال، يعني من المسلمين، لطلبه دم أهل البيت ممن ظلمهم ابن زياد، يعني مال إليه بعض الناس ممن ظلمهم هذا الحاكم. قال: فاستولوا على العراق، أي المختار بن أبي عبيد الثقفي، وأظهر شرائع الإسلام، ونصب القضاء والأئمة من أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه، يعني ممن كانوا على مذهبه ودرسوا عنده، وكان هو الذي يصلي بالناس الجمعة والجماعة. لكن في آخر أمره، انظر الآن إلى ما وقع منه: يطلب دم الحسين، ويظهر الشعائر، ويولي وينصب القضاء، بل ويؤم الناس في الجمعة والجماعات، لكن في آخر أمره زعم أنه يوحى إليه. في آخر أمره زعم أنه يوحى إليه، وهذا كفر لأنه ادعاء للنبوة، ادعاء لأنه لا يوحى إلى أحد بعد نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، لأنه آخر الأنبياء والمرسلين. فزعم أنه يوحى إليه، فسير إليه عبد الله بن الزبير جيشاً، وكان عبد الله بن الزبير في مكة، فهزموا جيشه وقتلوه، يعني هزموا جيش المختار بن عبيد وقتلوه، وأمير الجيش مصعب بن الزبير. قال: وتحته امرأة أبوها أحد الصحابة، يعني تحت المختار بن عبيد، فدعاها مصعب إلى تكفيره، دعا هذه المرأة زوجة المختار إلى أن تكفر المختار لأنه أتى بكفر واضح بين وهو ادعاءه النبوة. فدعاها مصعب بن الزبير إلى تكفيره، تكفير زوجها المختار بن عبيد، فأبت، رفضت هذا، فكتب إلى أخيه عبد الله يستفتيه فيها، يعني عبد الله بن الزبير، يستفتيه فيها، وهذا فيه مشاورة أهل العلم بعضهم لبعض. فكتب إليه ابن الزبير: إن لم تبرأ منه فاقتلها، إن لم تبرأ منه فاقتلها، فامتنعت، فقتلها مصعب رضي الله عنه. قال: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ عَلَى كُفْرِ الْمُخْتَارِ ابن عبيد مع إقامته شعائر الإسلام، لما جنى على النبوة، لأنه قال: يوحى إلي. قال: وَإِذَا كَانَ الصَّحَابَةُ قَتَلُوا الْمَرْأَةَ التي هي من بنات الصحابة، أبوها رجل من الصحابة، لما امتنعت من تكفيره، فكيف بمن لم يكفر البدو مع إقراره بحالهم؟ يقول: ما عندهم شعر من الإسلام، لكنهم يقولون لا إله إلا الله، إذن لا يكفرون. كيف هذا؟ فكيف بمن زعم أنهم هم أهل الإسلام، ومن دعاهم إلى الإسلام هو الكافر؟ يا ربنا نسألك العفو والعافية. فهذا دليل على أن الإنسان قد يقول لا إله إلا الله، وقد يصلي، ويظهر الشعائر، ويخطب الجمع والجماعات، لكنه يأتي بمكفر: يدعو غير الله، يستغيث بغير الله، أو يدعي نبوة، أو يصدق من يدعيها ولا يكفره، أو نحو ذلك، فهذا لا تنفعه هذه الكلمة. هذا ما أراده الشيخ رحمه الله من مثل هذه الأدلة. قال: الدليل الخامس، ما وقع في زمن التابعين. ننظر، يتدرج الشيخ: ذكر ما وقع في زمن الصحابة، وذكر لنا عدة أدلة، الدليل الأول والثاني والثالث والرابع، كل هذه الوقائع والأدلة وقعت في عهد الصحابة. ثم ذكر الحديث الخامس، أو الدليل الخامس، قال: ما وقع في زمن التابعين، وذلك قصة الجعد بن درهم، وكان من أشهر الناس بالعلم والعبادة. انظر، من أشهر الناس بالعلم والعبادة، فلما جحد شيئاً من صفات الله، مع كونها مقالة خفية عند الأكثر، ومعنى "مقالة خفية" لأنه يتعلق بالصفات، والصفات لا يعلم علمها وما ورد فيها من الإثبات أو النفي إلا العلماء وطلاب العلم، وأما عامة الناس فلربما افتتنوا عند التفصيل في هذه المسائل. فالجعد بن درهم أنكر الصفات، أنكر الصفات، وقال: إن الله لم يكلم موسى، فنفى الكلام وغيرها من الصفات، ودعا بهذه الدعوة ونشر هذا المذهب. فماذا حكم عليه هؤلاء العلماء؟ قال: ضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى، ضحى به، يعني قتله، قتله في هذا اليوم التي تذبح فيه الأضاحي. فقال بعدما خطب الناس بخطبة عيد الأضحى: «يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم من أهل البدع والضلال». قال: «فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما»، هذا كمثال، وإلا نفى وقال غير ذلك من الأقوال الضالة المنحرفة في هذا الباب، باب الأسماء والصفات. قال: ثم نزل فذبحه، ولم يعلم، ولم يعلم أن أحداً من العلماء أنكر ذلك عليه، بل ذكر ابن القيم إجماعهم على استحسانه، بل فرحهم، فرح العلماء لما قتل هذا الضال المبتدع، لأن شره بدأ يستشري وينتشر في المجتمع، فلما قتله هذا الوالي فرح العلماء واستحسنوا ذلك. ومن ذلك ما ذكره ابن القيم كما قال هنا: بل ذكر ابن القيم إجماعهم على استحسانه، فقال: «شكر الضحية كل صاحب سنة»، يعني بالضحية قتل هذا المبتدع الجعد بن درهم، «شكر الضحية كل صاحب سنة لله ذرك من أخي قرباني». قال: فإذا كان رجل من أشهر الناس بالعلم والعبادة، أخذ العلم عن الصحابة لأنهم من التابعين، أجمعوا على استحسان قتله، فأين هذا من اعتقاد أعداء الله في البدو، يعني أنهم مسلمون مهما فعلوا من الشركيات، ومن كذلك إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة؟ قال: الدليل السادس، قصة بني عبيد القداح، وبنو عبيد هؤلاء الذين أظهروا البدع والخرافات كما سيأتي من كلام الشيخ رحمه الله، ورأسهم ومؤسس دولتهم هو هذا الذي سيأتي ذكره: عبيد الله القداح. قال: فإنهم ظهروا على رأس المئة الثالثة، فادعى عبيد الله أنه من آل علي بن أبي طالب من ذرية فاطمة، وهذا الدعاء، وإلا فليس هم كذلك بل هم خبثاء، قال: من ذرية فاطمة، وتزيى بزي أهل الطاعة والجهاد في سبيل الله، فتبعه أقوام من البربر من أهل المغرب، والبربر يعني من غير العرب، وصار له دولة كبيرة في المغرب، ولأولاده من بعده، ثم ملكوا مصر والشام، وأظهروا شرائع الإسلام وإقامة الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة والمفتين، لكن أظهروا الشرك ومخالفة الشريعة، وهم أول من ابتدع بدعة المولد في مصر وغيرها من البلاد، وهم الذين بنوا القباب ودعوا الناس إلى عبادة القبور ونحو ذلك. قال: وظهر منهم ما يدل على نفاقهم وشدة كفرهم، فأجمع أهل العلم أنهم كفار، وأن دارهم دار حرب، مع إظهارهم شعائر الإسلام، لأنهم أظهروا الكفر ودعوا إلى دعاء غير الله ونحو ذلك من البدع والخرافات. قال: وفي مصر من العلماء والعباد ناس كثير، وأكثر أهل مصر لم يدخل معهم فيما أحدث من الكفر، وإنما دخل معهم من أتوا به معهم من هؤلاء الغوغاء، أما أهل مصر من العلماء والعباد والزهاد فإنهم أنكروا ذلك ولم يكونوا معهم. قالوا: ومع ذلك أجمع العلماء على ما ذكرنا من كفرهم، وأن دارهم دار حرب، حتى إن بعض أكابر أهل العلم المعروفين بالصلاح قال: لو أن معي عشرة أسهم لرميت بواحد منهم النصارى المحاربين، ورميت بالتسعة بني عبيد. وهذا يقال في كل منافق وخائن للإسلام والمسلمين، ولو كان في بلاد المسلمين، لأن من كان بينك وفي بلدك خطره أعظم، لأنه ينخر فيك من الداخل، أما العدو الخارجي اليهودي أو النصراني أو الكافر، فإن كفره ظاهر وواضح وهو بعيد عنك، والمسلمون يجمعون على قتاله وجهاده، لكن هذا في بلدك، بل ويحكم ويصول ويجول، فهذا أخطر. هذه المقولة حتى يقولها بعض الساسة وبعض كذلك الحكام في من خان بلده ووطنه، ويقول: لو عندك عشرة من الرصاص فاضرب واحدة في بلاد الكفار عن النصارى واليهود، وعشرة وتسع اضربها في من خان بلده وإسلامه ودينه. قال: ولما كان زمان السلطان محمود بن زنكي أرسل إليهم جيشاً عظيماً بقيادة صلاح الدين، أي الأيوبي، فأخذوا مصر من أيديهم، ولم يتركوا جهادهم بمصر لأجل من فيها من الصالحين، فعدوا، أو فجعلوا بلاد مصر بلاد حرب، لأن حاكمها والمستولي عليها قد كفر بالله العظيم، وهم بنو عبيد. قال: فلما فتح السلطان محمود فرح المسلمون بذلك أشد الفرح، وصنف ابن الجوزي في ذلك كتاباً سماه "النصر على مصر"، وهذا يدل على إقرار العلماء لهذا الفعل من صلاح الدين رحمه الله. قال: وأكثر العلماء التصنيف والكلام في كفرهم، ومنهم شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم، كفروا هؤلاء لأنهم أتوا بالكفر الصراح، ودعوا إلى عبادة غير الله، وإلى البدع والخرافات، مع ما ذكرنا من إظهارهم شرائع الإسلام الظاهرة، فهم يقولون لا إله إلا الله، لكن لم يفهموها ولم يعملوا بمقتضاها. فانظر ما بين هذا وبين ديننا، أول أن البدوي إسلام، يعني أنهم مسلمون، مع معرفة بما هم عليه من البراء من الإسلام كله إلا قول لا إله إلا الله، ولا تظن أن أحداً منهم يكفر إلا إن انتقل يهودياً ونصرانياً. يعني بعض الناس يقول: الكفار إنما هم اليهود والنصارى فقط، هؤلاء هم الكفار، أما من كان يقول لا إله إلا الله وهو في بلاد المسلمين فهو مسلم، هذا ليس بصحيح. أين أحكام الردة؟ وأين مثل هذه الأدلة التي وقعت في زمان الصحابة؟ هل هؤلاء كانوا يهوداً ونصارى؟ هل بنو عبيد كانوا يهوداً ونصارى؟ ليسوا في بلاد المسلمين. هل كذلك المختار بن أبي عبيد الثقفي كان يهودياً أو نصرانياً؟ كان من التابعين، ومن كذلك المصاهرين للصحابة، ومع هذا لما أتى بما يناقض كلمة التوحيد قتله الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وحكموا عليه بالكفر، وحكموا عليه بالكفر. قال: فإن آمنت بما ذكر الله ورسوله، وبما أجمع عليه العلماء، وتبرأت من دين آبائك في هذه المسألة، لأنه يتكلم عن واقعه رحمه الله، وكان الناس في زمانه إذا دعوا إلى التوحيد قالوا: هذا ما كان عليه الآباء والأجداد، فنحن على ما هم عليه، والشيخ دائماً ينبه على هذه المسألة، حتى في مسائل الجاهلية ذكر تقليد الآباء من هذه المسائل، وطول في هذه المسألة ونوع مسائلها. قال: وتبرأت من دين آبائك في هذه المسألة، وقلت: آمنت بالله وبما أنزل الله، وتبرأت مما خالفه باطناً وظاهراً، مخلصاً لله الدين في ذلك، وعلم الله ذلك من، من ماذا؟ عندي قلبك، أنا عندي خطأ، قدم الباء على اللام، قبلك صواب: من قلبك، نعم، وعلم الله ذلك من قلبك، فأبشر، ولكن اسأل الله التثبيت، واعرف أنه مقلب القلوب. وهذا فيه أن المؤمن يخاف على نفسه من الشرك والوقوع فيه، وانطلاء مثل هذه الشبه عليه، فهذا إبراهيم يدعو ويقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، يخاف على نفسه من عبادة الأصنام، وهو إمام الموحدين الذي كسر الأصنام بيده عليه السلام، والذي أعلن بالتوحيد وحذر من الشرك، فأوذي أشد الأذى وألقي في النار ونحو ذلك، فيقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. قال إبراهيم التيمي رحمه الله: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ من يأمن البلاء؟ فأكثر من قولك: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، كما قال، وعرف أنه مقلب القلوب، فكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، هم يكثر منه، قوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». هذا لفظ عام يشمل دعاء الله عز وجل أن يثبت قلبك على التوحيد، وعلى السنة، وعلى طلب العلم، وعلى المحافظة على الصلاة، وعلى الاستقامة بشكل عام. فالدعاء بمثل هذا الدعاء مما يكون سبباً في ثبات الله عز وجل، أو في ثبات العبد على السنة وعلى التوحيد وعلى الاستقامة. فانظر هؤلاء ممن ربما عرفوا العلم ويعلمون الناس أحكام الشريعة، ومع هذا في هذا الباب، باب التوحيد، وقعوا في الشرك والعياذ بالله، فادعوا الله أن يثبت قلبك، وأن يبعد عنك كل شبهة تكون سبباً في انحراف عقيدتك وتوحيدك، والله المستعان، نكتفي بهذا، وإلهنا الحمد لله، الحمد لله.