الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 31، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المحور هجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة في السنة الخامسة من البعثة فراراً من تعذيب قريش، حيث أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم باللجوء إلى أرض النجاشي الآمنة. بلغ عدد المهاجرين اثني عشر رجلاً وأربع نساء، من أبرزهم عثمان بن عفان وزوجته رقية، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة وأم سلمة رضي الله عنهم.
يناقش المحور تفاصيل إقامة المهاجرين ثلاثة أشهر وعودتهم لسماع خبر كاذب عن إسلام قريش، ثم ينتقل لنقد حديث الغرانيق وبيان ضعفه سنداً ومتناً عند كبار العلماء كالألباني وابن كثير. يؤكد المحور أن سجود المشركين كان لتأثرهم بسورة النجم لا لقول مزعوم، وأن عودة المهاجرين كانت لظنهم صلح قريش، ثم تجدد الأذى بعد تمسك النبي بإنكار آلهتهم.
يختتم المتحدث الجلسة العلمية معلناً الاكتفاء بما تم طرحه من مسائل الهجرة وحديث الغرانيق. يختم كلامه بقوله: والله تعالى أعلم.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": قال: الهجرة الأولى إلى الحبشة. قالوا: في السنة الخامسة، أي من البعثة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، لما اشتد عليهم العذاب والأذى، وقال: «إن فيها رجلا لا يظلم الناس عنده». وهذا يذكره أهل السير، وممن ذكره ابن إسحاق في سيرته بسند صحيح إليه. وأمر الهجرة إلى الحبشة جاء ذكر ذلك بدون هذه التفاصيل في الصحيح، ذكرت الهجرة في بعض الأحاديث، هذا أمر معروف ومتداول بين أهل العلم، لكن التفاصيل جاءت بمراسيل يذكرها أهل السير في سيرهم. وقوله: «لما اشتد عليهم العذاب والأذى»، أي: نكل بهم المشركون، ولم يستطع المسلمون تحمل هذا الأذى لاجتداده، فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالهجرة. والهجرة هي الانتقال من بلاد الكفر إلى بلاد أخرى، إما بلاد الإسلام، ولم تكن الحبشة مسلمة أنذاك، وإما إلى بلاد يأمنون فيها على دينهم فيستطيعون القيام بدينهم دون أذى ولا منع ونحو ذلك. فقد تكون الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وقد تكون من بلاد الكفر إلى بلاد كفر أخرى أهون بكثير من البلاد الأولى التي هم فيها. وإلى الآن بعض العلماء يفتون بذلك في بعض بلاد الكفر اليوم، فربما بعض بلاد الكفر اليوم تؤذي المسلمين وتلزمهم بالقوانين الطاغوتية الكفرية مما لا يستطيع المسلم أن يقيم عندهم، فيفتي العلماء أن ينتقل. والأصل أن ينتقل إلى بلاد الإسلام، هذا الأصل، أن المسلم لا يقيم في بلاد الكفر، فإن المسلم والمشرك لا تتراءى ناراهما كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. لكن إن ضعف المسلم وما هاجر إلى بلد مسلم، فلا أقل أن يهاجر إلى بلد أخرى هي أهون من البلد التي هو فيها، من باب «حنانيك» بعض الشر أهون من بعض. فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام لما اشتد الأذى بالمسلمين أمرهم أن يهاجروا إلى الحبشة، وعلل عليه الصلاة والسلام ذلك بقوله: «إن فيها رجلا لا يظلم الناس عنده»، يريد النجاشي ملك الحبشة. قال: وكانت الحبشة متجر قريش، أي يذهبون إليها للتجارة. وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلا وأربع نسوة، وقيل أحد عشر رجلا، وقيل عشرة، والمشهور أنهم اثنا عشر. قال: وكان أول من هاجر إليها عثمان بن عفان رضي الله عنه ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وستر قوم إسلامهم، يعني: ما هاجروا، ولكنهم ستروا إسلامهم بحيث أن المشركين لا يعلمون بهم، فيظنون أنهم لا يزالون على الكفر وهم على الإسلام. قال: وممن خرج، أي: إلى الحبشة أيضا في هذه الهجرة، الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وأبو سلمة وامرأته أي أم سلمة، رضي الله عنهم. خرجوا متسللين سرا. كم لأن ذكر هاون عثمان من الرجال أولا: عثمان بن عفان، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وأبو سلمة، هؤلاء خمسة. هؤلاء خمسة من الرجال. وبعض أهل السير أيضا ذكر تمام الاثني عشر رجلا، فذكروا كذلك عثمان بن مظعون رضي الله عنه أيضا ممن هاجر معهم، وهكذا أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وهكذا أبو يسار بن أبي رهم أو رهاء، رهم نعم. وأيضا ذكروا سهيل بن بيضاء، ومصعب بن عمير، وعامر بن ربيعة. فلو جمعت هؤلاء لكان المجموع اثني عشر رجلا. وأما النساء فقد ذكر المؤلف بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية، وأم سلمة رضي الله عنهما. وذكروا أيضا سهلة بنت سهيل، امرأة أبي حذيفة المتقدم. وذكروا أيضا أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، هذا ممن كذلك ذكروهم، فصار المجموع أربع نسوة. نعم في الهجرة الأولى. ها في الهجرة، في الهجرة الأولى والثانية، ها في الثانية ليست في الأولى. إذن هذه أربع نسوة واثنا عشر رجلا ذكرهم أهل السير فيمن هاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة، لما اشتد الأذى بهم. قال: خرجوا متسللين سرا حتى لا يعلم بهم المشركون، فإنهم سيمنعونهم. قال: فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار، وهذا دليل على أنهم خرجوا طريق جدة، فهو الطريق الساحل، فهو الطريق الساحل. قال: فحملوهم إلى الحبشة. وخرجت قريش في آثارهم لما علمت قريش بتسللهم وخروجهم تتبعوهم، ولكن ولله الحمد قد مشوا وغابوا عنهم. قال: وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر فلم يدركوا منهم أحدا. وكان خروجهم في رجب، فأقاموا بالحبشة، يعني مثل هذا الشهر نحن الآن في رجب، وهذه من الموافقات، نحن الآن في رجب، فخرجهم في مثل هذا الشهر في رجب، فأقاموا بالحبشة شعبان ورمضان، يعني ثلاثة أشهر أو ما يقاربها، ثم رجعوا إلى مكة في شوال. لماذا رجعوا؟ قال: لما بلغهم أن قريشا صافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفوا عنه، يعني سمعوا بذلك. ووشيع هذا، وسيأتي سبب ما، أي: ووشيع وسبب كذلك ما بلغهم. قال: وكان سبب ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم، فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، ألقى الشيطان على لسانه: «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى». فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، ولقد علمنا أن الله يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ولكن آلهتنا تشفع عنده. فلما بلغ السجدة في آخر السورة سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون كلهم، إلا شيخا من قريش رفع إلى جبهته كفا من حصى فسجد عليه، وقال: يكفين هذا. فحزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا، وخاف من الله خوفا عظيما، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾. هذا الحديث يسمى عند العلماء بحديث الغرانيق، بحديث الغرانيق. وهذا الحديث الصحيح فيه أنه ضعيف جدا، بل هو منكر في لفظه ومتنه، بل هو منكر في لفظه ومتنه. فقد جاء هذا الحديث بمراسيل، وكذلك بمنقطعات لا يرتقي بها إلى درجة الحسن. وقد فند ذلك العلامة الألباني عليه رحمة الله، إذ ألف رسالة مستقلة في نقد هذا الحديث سماها "نصب المجانيق في نسف قصة الغرانيق"، في نسف قصة الغرانيق. فخلص رحمه الله إلى ضعف ونكارة هذا الحديث، والنكارة في متنه واضحة. فقد جاء في هذا الحديث أن الشيطان ألقى على لسان النبي: «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى»، والغرانيق المراد بها الأصنام، يعني أن هذه الأصنام شفاعتها ترتجى، ومعنى ترتجى: يعني تطلب وتنفع، تنفع شفاعتها. وهذا الذي أنكره النبي صلى الله عليه، فكيف يقوله عليه الصلاة والسلام؟ لأن معنى الغرانيق كما تقدم: أي الأصنام. قال أهل اللغة: أصل الغرانيق: الشيء اللين الناعم، فالمراد بها الأصنام الجميلة الناعمة، ولذلك بعض النبات يسمى غرانيق لنعومته وليونته، بل وبعض الطيور كذلك تسمى بهذا الاسم. فقوله: «ألقى الشيطان على لسانه»، لا شك أن هذا فيه نكارة، والشيطان لا يتسلط على الأنبياء، فإن في ذلك فتنة للخلق، فكيف النبي عليه الصلاة والسلام يقول ما يلقيه الشيطان على لسانه، ما يلقيه الشيطان على لسانه؟ فهذا الحديث ظاهر النكارة. وكذلك ممن ضعف الحديث الحافظ ابن كثير في تفسيره، وكذلك شيخنا الوادعي كان ينكر هذا الحديث إنكارا شديدا، ونبه على ذلك في بعض كتبه رحمه الله تعالى، رحمه الله تعالى. فهذا الحديث لا يصح. وكذلك ممن ضعفه أبو بكر بن العربي، والقاضي عياض، وابن خزيمة، وجمع من العلماء. ومن باب الفائدة أن هذا الحديث صححه بعض أهل العلم، منهم الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، ولكنه لم يأخذ اللفظ على ظاهره، فتأول الغرانيق بتفسيرات متكلفة، فرد العلماء قوله. والصحيح أن هذا الحديث ضعيف، فلا يحتاج إلى يعني تأويل ولا مخرج ولا شيء من ذلك. وأيضا ممن صحح الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، ولكن شيخ الإسلام قال: إنه لا تصح هذه اللفظة أنها من لسان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما هي ممن ألقاه الشيطان على أسماع المشركين، يعني أن المشركين سمعوا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وإن تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى»، سمع المشركون ذلك، والشيطان ألقى في أسماعهم أن الذي قال هذا هو النبي صلى الله عليه، ونبي صلى الله عليه، ونبي ما قاله. هكذا أول شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث، وقال: لفظة «ألقى الشيطان على لسانه» يعني على لسان نبينا، هذا غير صحيح، وإنما ألقى الشيطان على أسماع المشركين، على أسماع المشركين. وكل هذا أيضا مما يريح الإنسان نفسه إذا ذهب مذهب من ضعف هذا الحديث، لأن الحديث جاء كما تقدم بمراسيل، بل بعضها فيها الكذب، وهو ضعيف جدا. فالخلاصة أن هذا الحديث وهذه القصة، قصة الغرانيق، لا تصح. طيب، نرجع مثلا: ما هو السبب الذي بسببه رجع المهاجرون من الحبشة إلى مكة؟ السبب في ذلك أنه ورد حديث عند الترمذي، الحديث، الحديث أورده الإمام الترمذي في جامعه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، قال ابن عباس: سجد رسول الله، يعني لما سجد سجد التلاوة من سورة النجم. قال ابن عباس: سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون، والمشركون، والإنس، والجن. وهذا الحديث ما فيه ذكر الغرانيق، وذكر هذه القصة، ولذلك صحح العلامة الألباني هذا الحديث في صحيح الترمذي تحت رقم خمسة وسبعين وخمسمائة، صحح هذا الحديث. فيحمل أن سجود المشركين مع النبي عليه الصلاة والسلام لتأثرهم بالقرآن، لتأثرهم بالقرآن، فإن القرآن معجز، وإن القرآن له حلاوة وله تأثير، كما جاء في حديث جبير بن مطعم، لما سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور، قال: فلما بلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، كاد قلبي أن يطير، يعني تأثر بالقرآن. وهكذا المشركون، سمع النبي عليه الصلاة يقرأ سورة النجم، وهذه سورة عظيمة فيها نقد لهم، وفيها بلاغ وفصاحة: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ﴾، هم يقرون بهذا، وأن هذه الآلهة هم الذين صنعوها وهم الذين اخترعوها، فأثرت فيهم هذه السورة، فما شعروا إلا وسجدوا مع النبي عليه الصلاة والسلام تأثرا بالقرآن. فلما شاع هذا الأمر، وأن المشركين سجدوا مع النبي عليه الصلاة والسلام، فهم من ذلك أن المشركين صالحوا النبي، أو كما ذكر المؤلف هاهنا: صافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفوا عنه، لأنهم وافقوا في السجود. فوصل هذا الخبر إلى المهاجرين في الحبشة، فظنوا أن الأمور تحسنت، وأن المشركين قد صافوا رسول الله واصطلحوا معه، فقدموا. فحديث ابن عباس الصحيح هو الذي عليه المعتمد، هو الذي عليه المعتمد. وأما حديث الغرانيق فهو حديث لا يصح كما تقدم. قال: ولما استمر النبي صلى الله عليه وسلم على سب آلهتهم، عادوا إلى شر مما كانوا عليه. كما تقدم قلنا: المراد بالسب هو الإنكار على عبادة غير الله، وأن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، هكذا يحمل السب كما تقدم. قال: عادوا إلى شر مما كانوا عليه، وازدادوا شدة على من أسلم، يعني أنهم استمروا على عداوتهم وعلى أذيتهم لمن آمن بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.