آداب الطعام والشراب 4

آداب الطعام والشراب 4

الدرس في آداب الطعام والشراب 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية التسمية عند الطعام وحكمها

التسمية عند الطعام واجبة وتقي من الشيطان وتحقق البركة، وقد وردت نصوص شرعية تدل على أهميتها ووجوبها عند البدء بالأكل.

تفاصيل أحكام التسمية عند الأكل

التسمية تكون عند بداية الأكل، وتكفي تسمية واحدة للمائدة، ولكن يعاد إذا قدم طعام جديد، وهناك اختلاف في الجهر بالتسمية ومسألة النيابة فيها.

النيابة في التسمية وآثارها

هناك اختلاف بين العلماء حول النيابة في التسمية، حيث يرى البعض أن تسمية أحد الأفراد تكفي الجميع، بينما يرى آخرون أن كل فرد يجب أن يسمي بنفسه.

أثر التسمية في البركة ودروس من السنة النبوية

تسمية الله عند الأكل تجلب البركة وتمنع الشيطان من المشاركة، وقد وردت في السنة النبوية دلائل على أهمية التسمية كما في قصة الأعرابي مع النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وأما بعد، من آداب الطعام والأكل، كما مضى ذكره، ما يتعلق بالتسمية، ومن أهم مسائلها ما تم ذكره في الدرس السابق، ما يتعلق بحكمه، وأن الصحيحة في المسألة أن التسمية واجبة، وذلك لظواهر الأدلة التي يأمر فيها نبينا صلى الله عليه وسلم كل آكل أن يسمي الله على طعامه. ثم كانت المسألة الأخرى وهي صيغة البسملة أو صيغة التسمية، وأن الروايات جاءت على لفظ «بسم الله»، لكن تم الخلاف هل يزاد عليها «الرحمن الرحيم» لكي تكون بسملة «بسم الله الرحمن الرحيم»؟ قلنا: الخلاف ذلك حاصل، ومن أهل العلم من توسع وترك الأمر بالخيار، إن شئت بهذا «ببسم الله»، وإن شئت أضفت «بسم الله الرحمن الرحيم»، وإلا الأفضل هو الذي ذهب إليه جماعة من العلماء أن تقتصر على التسمية، فلا تضف إليها شيئًا، وإنما تقول «بسم الله». وكانت هناك مسألة كذلك تتعلق بهذا الباب، وهي من نسي التسمية، قد يقع هذا ويحصل في حق بعض الناس أن ينسى التسمية، فلا يذكرها إلا في أثناء طعامه، أو قل حتى بعد طعامه، بعد أن يتناول الطعام يتذكر أنه ما سمى الله، هل في فائدة من التسمية؟ نعم، يسمي الله، وجاءت في بعض الألفاظ أنه يقول «بسم الله أوله وآخره»، أو «بسم الله أوله وآخره»، فهذا جاء من حيث عائشة رضي الله تعالى عنها. وهناك مبحث مهم جدًا نبهنا عليه، وهو الذي ينبغي أن يكون في القصد، وهي ما هي الفائدة من التسمية عند الطعام خاصة؟ الإسلام شرع لك أن تسمي الله سبحانه وتعالى على طعامك، فما هي الحكمة؟ وما المعاني التي ينبغي أن يستشعرها كل مسلم ومسلمة إذا قُرّب له طعام فسمى الله عليه؟ من هذه المعاني يا إخواني في الله، قلنا أولًا طلب الإعانة، لأن الباء في «بسم الله» بمعنى أستعين، فأنت تستعين بالله جل وعلا على تناول هذا الطعام، فلولا الله جل وعلا لما تمكنت أن ترفع لقمة، فتستعين بالله في كل أحوالك وفي كل شؤونك، ومنها أكلك للطعام. والفائدة الثانية من تسمية الله جل وعلا في الطعام حصول البركة، حصول البركة، فإن اسم الله جل وعلا ما يُذكر على شيء إلا تعاظم وتكاثر ونما وكثر، ويدل على ذلك ما جاء في السنن أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما جاء عند النسائي والترمذي، قالوا: يا رسول الله، إن نأكل ولا نشبع، إن نأكل ولا نشبع، فقال عليه الصلاة والسلام: «اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه، يبارك لكم فيه، يبارك لكم فيه»، واذكروا اسم الله عليه، فبذكر الله جل وعلا تحصل البركة، تحصل البركة. وكما قلنا، وهذا اجعله يا عبد الله في كل أمورك، في مدخلك، في مقرك، في تناولك «بسم الله»، فإذا وقعت «بسم الله»، سمي الله في كل أشياء، فإن الله سيجعل فيه البركة. والفائدة الثالثة أيضًا مما تضاف إلى مسألة فائدة التسمية على الطعام خاصة، أنك تبعد الشيطان عنك، الشيطان يزاحمك، الشيطان يزاحمك في كل أحوالك، يزاحمك لكي يشوش عليك، لكي يضيع عليك الأجر، لكي يدخل عليك الضيق والهم والحزن، يشاركك في كل شيء، هو معك في مدخلك ومخرجك، في قيامك وقعودك، في مضجعك، فكيف تتخلص من شره ومن خبثه؟ بتسمية الله، سمي الله، فلما تسمي الله جل وعلا فتخلص منه، يبتعد عنك، يهرب منك. ويدل على هذا ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام، قال: «إذا دخل أحدكم» من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قال عليه الصلاة والسلام، وجاء في صحيح مسلم أيضًا من حيث جابر، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا دخل الرجل إلى بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم، ولا عشاء، لا مبيت لكم، ولا عشاء»، يحرم الشيطان من الطعام، بل كذلك يحرم حتى من الدخول إلى البيت، هذا إذا دخلت إلى بيتك وسميت الله. وكما أشرنا، احرص يا عبد الله على ملازمة ذكر الله في كل أحوالك، في مدخلك ومخرجك، فإن هذا من أعظم ما يضر الشيطان عن أحوالك، لا يزاحمك في شؤونك. فهذه يا إخواني في الله من فوائد التسمية، كذلك من مسائل التسمية الذي قد يحتاج إليها المسلم، ما يتعلق بإعادتها، متى يمكن أن تعاد التسمية؟ الأصل أن الإنسان إذا وضع له طعام أو عدة أصناف من الأطعمة، فإنه له أن يسمي الله مرة واحدة، تغنيه عن هذه الأطعمة برمتها، لا يحتاج إلى بسملة أو تسمية أخرى، تسمية المائدة الواحدة تكفيها تسمية واحدة. لكن قد يحتاج الإنسان إلى أن يعيد التسمية، هذا مثل في بعض الأحوال، قال علماء: إذا رفعت هذه المائدة، ثم جئ بمائدة أخرى، رفع هذا الطعام وجئ بطعام آخر، هنا يشرع لك أن تعيد التسمية، مثاله كما يقع في بعض البيوت أو في بعض المناسبات، بعدما ترفع المائدة يؤتى بفاكهة، هذا طعام آخر، لأن أضيف، جئ بطعام آخر، فهذا يستفتح بإعادة «بسم الله»، سمي الله مرة أخرى. أو كما يكون في بعض المناسبات أن يقدم الشراب أو يقدم الشاي، يرفع الطعام بعد مدة، بعد مهلة يؤتى بهذا، أنواع الشراب لأشربه من الشاي ونحوه، هذا طعام آخر، هل نعيد التسمية؟ نعم، هنا يا عبد الله أعد التسمية، لأن هذا صنف آخر وضع بعدما رفع الأول. أو أنت تأكل الطعام الأول، ثم انصرفت، ابتعدت، اكتفيت بالذي أكلت، فطلب منك أن ترجع، وألح عليك صاحب البيت مثلًا: أترجع؟ أفتذهب؟ أو أضاف إليك شيء خير، ارجع، فإن بذلك أن ترجع، هنا يعد التسمية، لأنك نويت المفارقة عن المادة، فالرجوع إليها استئناف جديد، فحينها يا عبد الله تحتاج أن تعيد التسمية. كذلك من المسألة المهمة المتعلقة بالتسمية، مسألة الجهر بها، هل يشرع الإنسان أن يرفع صوته ويقول «بسم الله»، يسمع الحاضرين؟ نعم، جماعة من الفقهاء يرون هذا، يرون أن الأفضل وأنه يستحب ويشرع لمن حضر الطعام أن يرفع صوته فيجهر، بحيث يسمع غيره «بسم الله»، هذا «بسم الله»، «بسم الله»، وقالوا: العلة في ذلك أنه ماذا؟ ينبه الغير، قد يكون هناك في المجلس من هو غافل، تذكره بالتسمية، أو كذلك عبر بعضهم بأن فيه طرد للشيطان من المائدة، هنا ذكر الله تعالى، فينخنس الشيطان ويهرب من المائدة. لهذا ذهب جماعة من أهل العلم إلى استحباب الجهر بها، لكن الصحيح ما عندي دليل يدل على الجهر، والأصل أن الإنسان يجهر أو يذكر الله ولو كان سرًا، يجهر الله يذكر الله عز وجل ولو كان سرًا. لكن مع التنبيه يا إخواني في الله، ما هو ضابط السر؟ الكثير من أهل العلم، وهذه يا إخوان فائدة، ليس فقط في باب الأطعمة أو في تناول التسمية عند الطعام، بل هذا في كل ذكر، من أدعية الصباح، من أدعية المساء، من أدعية أذكار الصلاة، كل ذكر يرى جماعة من أهل العلم أن لا يحسب لك أي ذكر يحسب لك فيه أجر، حتى أقل ما يقال في الكلام أنك تسمع نفسك، ومنهم من يعبر بتحريك اللسان، اللسان يتحرك. والأفضل خروجًا من الخلاف أنك تسمع نفسك، ليس من الشرط أن تسمع غيرك، لا، كل واحد يعرف هذا عن نفسه، أنت لو كنت في مكان، ربما عندك أناس بجانبك، تذكر الله تسمع نفسك ولا تسمع غيرك، اسمع النفس، هذا يرى العلماء، وطائفة من العلماء منهم من يرى الإجماع على أن هذا واجب في كل ذكر، إن أردت منه الأجر تريد أجرًا؟ اسمع نفسك، اسمع التسبيح، ليس شرطًا أن يسمع الذي بجوارك، لا، وهذا هو الصحيح في المسألة. احرص يا عبد الله على أن تفعل ذلك، فمن الخطأ من يرى أن ذكر الله يمكن أن يكون والفم مطبق، تجد الشفتين يتحركان دلالة على التسبيح، لكن تنظر في الفم، الفم مطبق، هذا ما يحسب لك أجر، تقول: أنا أذكر الله في نفسي، لا، ما يحسب لك أجر، ولو أردت الإجماع، سيكون إجماع قد حصل على هذه المسألة، لا ما يحسب لك أجر. احرص يا عبد الله على تحريك الفم مع إسماع النفس، حتى أخرج من الخلاف في هذه المسألة، أما أنك تسمع الذي بجوارك، هذا ليس بلازم، ومنه التسمية، نقول: الأصل أنك تسمي الله، لكن في حالة نعم، قد يكون هناك استحباب الجهر إذا كان في المجلس من تخشى أنه ناسي مثلًا، أو تجد رجل يعني شيء مسرع، سيتناول الطعام، وأنت تعلم أن هذا الرجل على سرعته قد ما يتفضل للتسمية، فقل له: «بسم الله»، «بسم الله»، تجهر حتى تذكر هذا، هذا يمكن في هذا الموطن يمكن، لكن لا على الاستمرار، الاستمرارية في هذا. مسألة أخيرة نقتم بها المقام، ومتعلقة بالتسمية، مسألة النيابة، هل يمكن لأحد أن ينيب عن الكل في التسمية؟ حضر الطعام مجموعة، فأنا أقول «بسم الله»، أنا أو اللي بجواري، علم أني سميت الله، فهل يكتفي بهذا؟ نعم، هذا قول قائل من علماء، وهذه مسألة فيها خلاف بين مجيز وبين مرخص وبين مانع. ففي المذاهب، بعضهم يرى أن إن أحدًا في المجلس سمى الله، كفى، قياسًا على رد السلام، قياسًا على تشميت العاطس، إن قام به البعض سقط عن البقية، وهذا المشهور في المذهب، يسقط عن البقية ما يلزم الكل بالتسمية، إن وافق، إن سمى يكفي، وأنت إن سميت فإنك زيادة أجر. لكن هل هذا القول صحيح؟ لا، هذا ليس بصحيح، هذا القول ليس بصحيح، وصحيح في هذه المسألة يا إخواني في الله، أن الكل ملزم أن يسمي الله عن نفسه، عن نفسه، هذا يسمي، وإن علمت أن هذا سمى، أنا أسمي، وهذا يسمي، وذلك أولًا لدلالة النصوص، «إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل بسم الله»، هذا خطاب لكل واحد منا. وكذلك ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما جلس على طعام، فجاءت جارية أرادت أن تأكل وهي لم تسم الله، فلو كانت النيابة كافية، لكانت تسميته كفت عن هؤلاء، لكن ما دفع نبيه لما علم أن جارية أرادت أن تأكل ولم تسم الله، مسك بيدها، وجاء أعرابي كذلك يتدافع يريد أن يمد يده للطعام، وعلم نبيه أن هذا ما سمى الله، فمسك بيده، فمسك هذا ومسك هذا، لماذا؟ لأنه ما سموا الله. قال: «ألم يكن يسمي الله؟» لو كانت النيابة كافية، لكانت تسميته صلى الله عليه وسلم تكفي عن الجميع، لكن ما اعتبرها نبينا كافية، كذلك ما جاء من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يأكل طعامًا في ستة من أصحابه، ستة من أصحاب يأكلون طعامًا، هل تظن أن النبي يأكل بدون تسمية؟ حاشا، سمى وأكل، صلوات ربي وسلامه عليه، فجاء أعرابي، دخل معهم، فأكل الطعام كله في لقمتين، أكل الطعام كله، وهم ستة، كفاهم الأكل، لكن لما دخل أعرابي هذا، أكل الطعام في لقمتين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينها: «لو سمى الله لكفاه، لو سمى الله لكفاه»، إذن هذا ما سمى الله، إذن السؤال هنا، فتسمية النبي ما أغنت عن هذا، ما أغنته. فدل ذلك على أن كل واحد يا إخواني في الله يلزم بأن يسمي الله جل وعلا على طعامه، هذه مسألة مهمة يا إخواني في الله، متعلقة بهذا الأدب الأول من آداب الطعام، وهي ذكر الله جل وعلا بتسميته. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.