الدرس في آداب الطعام والشراب 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل أهمية استخدام اليمين في تناول الطعام مستندًا إلى أحاديث نبوية تشير إلى تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم لليمين. يُفهم من الأدلة أن استخدام اليمين واجب مع وجود أعذار للبعض.
يُناقش هذا الفصل حكم الأكل بالشمال ويحذر من آثاره، مشيرًا إلى أنه معصية وذنب وتشبه بالشيطان. يُشدد على ضرورة الأكل باليمين وتدريب الأولاد عليه منذ الصغر.
يتضمن هذا الفصل الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معربًا عن الرغبة في نيل رضا الله تعالى والتأكيد على أن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، كان الكلام في دروس سابقة حول الأدب الأول من آداب الطعام، ألا وهو مسألة التسمية، وفي هذا المقام، إخواني في الله، ندخل وإياكم في أدب ثاني من آداب تناول الطعام، ألا وهو الأكل باليمين. فإن الإسلام، بشكل عام، أرشد المسلمين والمسلمات إلى الترغيب في استخدام اليمين في الأمور الطيبة. وقد كان على ذلك هديه عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله، أي في كل أموره، كان عليه الصلاة والسلام يستخدم اليمين. وهذا أدب عظيم، إخواني في الله، يحتاج إليه المسلم في أيامه ومزاولة حياته، أن يكثر من استخدام اليمين في أخذه وعطائه. وما جاء ذكره في حديث عائشة من التنعل والترجل، أي من جهة اليمنى، ويدخل في هذا الباب كذلك تناول الطعام، يكون باليد اليمنى. ويؤيد هذا ويدل عليه ما جاء أيضا عند أبي داود، بإسناد صحيح، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه، لطهوره وطعامه. فكان نبينا يحرص على استخدام اليمين في تناول الطعام. وهنا تأتي المسألة، فما حكم استخدام اليمين؟ ظواهر الأدلة تدل على الوجوب، وعلى أن المسلم ينبغي أن يلتزم بهذا الأدب، لا اختيارا، لا استحبابا، وإنما يلتزم به وجوبا. والأدلة كثيرة متكاثرة في هذا الباب تدل على ذلك، منها ما جاء في حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه، في قصة ذاك الرجل الذي أكل بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه كان يأكل بشماله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بيمينك». وهذا أمر. وهذا الشاهد لم يترك على وضعه، وإنما أغير المنكر، قال: «كل بيمينك». فقال الرجل: لا أستطيع. لكن هل هذا العذر كان واقعيا؟ الجواب: لا. ولهذا قال الراوي: ما منعه إلا الكبر، ما منعه إلا الكبر. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا استطعت»، فما رفعها إلى فيه، أي شلت يده. فهذا يدل على الإلزام وعلى الإيجاب، وأن المسلم لا يأكل بشماله. ويدل كذلك على ذلك ما جاء من حديث عمر بن أبي سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا غلام، بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». وجاء كذلك من حديث عبد الله بن عمر، كما في صحيح مسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه». فجاء الأمر بهذه الأدلة الواضحة الصريحة التي تدل على الوجوب. فحكم استخدام اليمين في تناول الطعام واجب من الواجبات. لكن هل هناك من يعذر في هذا الباب؟ نعم، هناك من يعذر. هل يتصور هذه المسألة أن نجد أنفسنا نرخص في أناس يأكلون بشمالهم؟ نعم، يمكن هذا. وهذا لمن كان عنده مانع. يقول علماء: فمن كانت يده مثلا مقطوعة أو مشلولة أو مجروحة، هذه أعذار واقعية. تخيل رجل يده مقطوعة، لماذا سيأكل، أو مشلولة، لماذا يأكل، أو كانت مجروحة عليها جبيرة، كيف يأكل؟ فهذه الأعذار مسوغة في أن الرجل يترك الأكل باليمين، وحين يأكل بشماله، فهذا لا مانع فيه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. لكن يأتي عذر آخر يدلي به بعض الناس، وهو قولهم: أنا معتاد على الأكل بالشمال. العادة تأتي في بعض المجالس، فتجد أحد الناس يأكل بالشمال، يقول الأخ: كل باليمين، يقول الأخ: أنا ما أستطيع. لماذا ما أستطيع؟ خير إن شاء الله. يقول الأخ: أنا معتد، أنا تعودت من صغري على الأكل بالشمال. هل هذا العذر، الإخوان في الله، مسوغ؟ الجواب: لا. هذا ليس بمسوغ. هذا عليه أن يجاهد نفسه في أنه لا يأكل بعد هذا بشماله، وإنما يرغم نفسه ويربي نفسه على هذا، ولو كان في الكبر. كمن يكون مثاله قد يجد هذا في حق من كان بالأمس كافرًا ثم أسلم لتوه، فتجد أنه قد اعتاد على الأكل بالشمال، فيرى أن الأكل باليمين ما يمكنه. قد يسقط اللقمة. ولو عود نفسك، جاهد نفسك، اتق الله ما استطعت. أما أن تجد أن هذا مسوغ، لا، ليس من المسوغ. فالشخص يعتاد على الأكل باليمين. فالعادة ليس بعذر شرعي. وهذا يجرنا إلى مسألة، إخواني في الله، وهي التربية، تربية الصغار على هذا الأدب، وعلى سائر الآداب. مر معنا قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». فهذه الآداب ألقاها نبينا على مسمع صغير، على مسمع طفل، يربيه منذ نعومة أظفاره على التحلي بهذه الآداب. «كل بيمينك». فلا عذر الإخواني فيها لأولياء الأمور أن يتركوا أولادهم الصغار يفعلون ما شاءوا. كأن يجد ابنه يأكل بشماله، يقول له: صغير، لا تقول صغير، علمه يا عبد الله، لأنه على الصغر سينشأ، فإذ به يكبر على هذا الخلق، على أكله بشماله. وهذا لا يجوز. تأتي مسألة، إخواني في الله، وهي: ما هي أضرار الأكل بالشمال؟ لو وجد أن أحدا من الناس تعنت وأراد أن يأكل بشماله، هل وراء هذا الأكل على هذه الهيئة من محاذير؟ نعم، هناك محاذير كثيرة. أولاها أن هذه معصية من المعاصي التي يأثم عليها العبد، ولو كان في مسألة الطعام والشراب. فهذا كذلك فيه رغب على كثير من الناس، من يظن أن الحلال والحرام إنما في الأمور التعبدية، أما في الأمور العادات الشخصية، هذا ليس فيها حلال ولا حرام. لا، فيها حلال، وفيها حرام، وفيها معاصي، وفيها ذنوب، ولو كان في مسألة الأكل والشراب. فمن أكل بشماله فقد أثم ووقع في معصية. والأدلة الكثيرة تدل على ذلك، ما مضت معنا منها أن النبي دعا دعا على ذاك الذي أكل بشماله، فقال: «لا استطعت»، فشلت يده. وكذلك ما جاء من حديث جابر، عند إمام مسند، إمام أحمد، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تأكلوا بالشمال، لا تأكلوا بالشمال». والنهي يقتضي التحريم. وهكذا ما جاء من حديث ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه». مفهوم المخالفة: لا يجوز الأكل بالشمال. يقول الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى: قال: فمن أكل بشماله أو شرب بشماله، وهو عالم بالنهي، حتى نخرج الجاهل أو من لا علم له، قال: وهو عالم بالنهي، ولا عذر له، فقد عصى الله ورسوله. بهذه القيود، عنده علم بالنهي، ولا عذر له بالمنع، فهذا قد عصى الله ورسوله. فهذا من أعظم المحاذير التي يجنيها العبد إن أكل بشماله. وهكذا من المحاذير، إخواني في الله، أن فيه التشبه بالشيطان، هذا المخلوق المبغوض من رب العالمين، والذي أمر الإنسان المسلم بأن يمتنع من التشبه به. وأي فلاح ترجوه يا عبد الله وأنت تتشبه بالشياطين؟ فإن علمت كيف يأكل الشيطان، اعلم أن الشيطان يأكل بشماله. قال عليه الصلاة والسلام: «فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله»، رواه مسلم من حديث ابن عمر. «فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله». فإذا أردت أن تتشبه فافعل ذلك. وحاشاك يا عبد الله أن تتشبه بهذا المخلوق البغيض المذموم المصفوف عليه من رب العالمين. كذلك من المحاذير المتعلقة بالأكل بالشمال أن هذا الفعل، وهو أكلك بالشمال، مسوغ للشيطان أن يشاركك في الأكل. الشيطان ما يأكل إلا إذا أنت أتحت له المجال بالأكل، فيأكل معك. فتخيل أنت تربيه، أنت تنميه. والمسلم مأمور بماذا؟ على أنه يضيق على الشيطان. وما شرع الصيام بمثل ما كان فيه التضييق على الشيطان، يضعف في جسمك، يضعف، يضعف بكثرة الصوم. لكن تخيل أنك تتيح له المجال، فتغذيه، تنميه، تكبره. قد يقول قائل: وكيف أتربى الشيطان؟ تربيه يا عبد الله بالأكل بالشمال، لأن الشيطان ما يشاركك الأكل إلا إذا أنت أكلت بشمالك. ولهذا صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أكل بشماله أكل معه الشيطان». «من أكل بشماله أكل معه الشيطان». فالشيطان يأكل معك. فما تضم بشيطانك؟ هل تستطيع أن تقاومه وقد ربيته بالأكل الوفير والغذاء الكثير؟ لا يا عبد الله. فلتأكل بيمينك حتى تحرمه من أن يشاركك الأكل. ورابعا، كذلك من المحاذير، يا عبد الله، أنه في الأكل بالشمال مضر، مضر يعود إلى بدنك وإلى جسدك. لأن الإسلام كما أنه شرع استخدام اليمين في الأمور الطيبة، فإنه بالمقابل شرع لك أن تستخدم اليد الشمال فيما ليس بطيب، فيما يكون مثل إزالة النجاسات. فالإسلام ندب إلى أن مسألة الاستجمار والاستنجاء والاستنثار وإخراج الماء من الأنف، كله بالشمال. فهي محل ماذا؟ إزالة النجاسات والخبث والدرن من الأجساد. فتخيل أن هذه اليد وهي مليئة بهذه الأشياء من الميكروبات ونحوها من الأوصاخ، عساها أن تتعلق باليد وبالأصابع وبالأظفار، فإذا به تستخدمها في الأكل، فإن الأوصاخ ستنتقل دائما وأبدا. فكان من حكمة الشرع أن فصل بين الأيدي، الطعام يكون في الجهة الطيبة، والأمور الطيبة في يد، وإزالة النجاسات في يد. وهذا من شرعة الله سبحانه وتعالى. فكان في استخدام اليمين، يا عبد الله، سلامة لصحة الأبدان والأجساد. وأخيرا، إخواني في الله، في الأكل بالشمال فيه التشبه بالكفار، بأعداء الدين. فإن الكفار يأكلون بشمائلهم. يقول العلامة ابن العثيمين رحمه الله تعالى، ويتحدث عن هذه المسألة، قال: والعجب أن بعض السفهاء من المسلمين يرون أن الأكل بالشمال تقدم. قال: فلا أدري كيف يرونه كذلك، وهم إنما يتشبهون بالكفار بهذا الفعل الرديء. فهذا عين التقليد، وعين التشبه. والمسلم حريص، إخواني في الله، لا يتشبه بأعداء الدين. فهذه، إخواني في الله، محاذير خمس تذكر في هذا المقام، في أن المسلم يجتنب الأكل بالشمال. ومما يذكر كذلك في مسائل البحث، حتى تتم به الفائدة، مسألة اللعق، لعق الأيدي. فكما أن الأكل بالشمال منهي عنه، كذلك لعق الأيدي، لعق أيدي الشمال، كذلك مدخول في النهي، فلا تفعل، لا أكلا ولا لعقا. كذلك مسألة الذي يستخدم كلا اليدين في أكله، كحال من يعيش في بعض المجتمعات، فتعود على الأكل بالمنعقة والشوكة أو السكين والشوكة. فأحيانا بعض الناس ربما يجعل التقطيع، تقطيع السكين باليد اليمنى، والشوكة باليد اليسرى يغلب، ثم يأكل. هذا ما يجوز، ما يجوز، ما هو يجوز. لا تجعل، يا عبد الله، التناول أو إيصال الطعام إلى الفم عن طريق الشمال. إن كنت ولابد باستخدام كلتا اليدين، اجعل التقطيع بالشمال والتناول باليمين. من أراد أن يتناول ذلك كما يفعل بعض المجتمعات في تلك البلدان، فلتفعل هذا. أما أنك تجعل إيصال الطعام باليد اليسرى بحجة أن اليمين مشغول بالسكين، لا، بل يا عبد الله اجعل السكين في اليسرى، والتناول بالملعقة أو بالشوكة يكون باليمنى. هذه أهم المسائل، إخواني في الله، المتعلقة بهذا الأدب الثاني من آداب الطعام، ألا وهو استخدام اليمين. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.