الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 51، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يوم الجمعة وصلى في مسجد بني سالم بن عوف، ثم توجه إلى قباء حيث مكث أربعة عشر ليلة وبنى مسجدها. ترك الأنصار خطام ناقته تختار مكان النزول، فسارت حتى بركت في موضع المسجد النبوي الحالي بالمدينة.
بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في ديار بني النجار أخواله، فعد ذلك توفيقاً إلهياً لنزوله عندهم، وبادر أبو أيوب الأنصاري لاستضافته في بيته. تعكس الأبيات المنقولة ولاء الأنصار وبذلهم الأموال والأنفس في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم مظهرين معنى الموالاة في الله.
يستعرض المقطع فضائل الأنصار ونصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر تسلسل قدوم الصحابة وفرح أهل المدينة بدخوله. ينبه إلى عدم ثبوت رواية استقبالهم بـ "طلع البدر علينا"، ويختم بمقارنة أنس بن مالك بين نور يوم دخوله المدينة وظلمة يوم وفاته.
يوضح المتحدث أن المراد بالظلم في السياق هو الظلم المعنوي المتمثل في الحزن والألم الذي أصاب الناس لوفاة النبي صلى الله عليه وسلم. ويختتم الدرس بالإشارة إلى استكمال الموضوع في الجلسة القادمة.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": قال: فلما كان يوم الجمعة ركبا، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي. ثم ركبا، فأخذوا بخطام راحلته، يقولون: هلم إلى القوة والمنعة والسلاح. يعني: كلهم يرجو ويطمع أن ينزل عنده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وتقدم معنا أن النبي عليه الصلاة والسلام لما وصل إلى المدينة عدل ذات اليمين، فنزل بقباء. نزل بقباء، فكم جلس فيها؟ كم جلس في قباء؟ لم يدخل مباشرة إلى المدينة حيث بيوت الأنصار وكثرة الساكنين، وإنما نزل في طرف المدينة في قباء، وبن فيها مسجد قباء المشهور المعروف. فكم مكث؟ أخذناه في الدرس الماضي: عندك أربعة عشر يومًا، أربعة عشر يومًا على حسب ما ذكره المؤلف رحمه الله أنه أتى إلى قباء في ربيع الأول يوم الاثنين، وقرأنا الآن أنه انطلق من قباء يوم الجمعة، فمكث من يوم الاثنين - لو حسبت إلى يوم الجمعة - أربعة أيام، ثم من الجمعة إلى الجمعة قرابة الثمانية أيام أو يزيد، فمكث أربعة أو ثلاثة عشر يومًا في قباء؛ لأنه من عد الليالي جعلها أربعة عشر ليلة، ومن عد الأيام جعلها ثلاثة عشر يومًا. قال: يقولون: هلم إلى القوة والمنعة والسلاح، فيقول: خلوا سبيلها فإنها مأمورة. أي: اتركوا خطام هذه الراحلة، هذه الناقة، فإنها ستبرك وستقف في المكان الذي أمرت أن تبرك فيه، أمرت من رب العالمين أن تبرك فيه. قال: فلم تزل ناقته سائرة تمشي، ما وقفت. لا يمر بدار من دور الأنصار - وتعرفون حياة العرب الأوائل، كل فخذ أو كل قبيلة يسكنون في جهة وناحية من المدينة - وكان يمر بديار الأنصار، وكلهم يتمنى ويرجو أن ينزل عنده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي سائرة. لا يمر بدار من دور الأنصار إلا رغب إليه في النزول عليهم، لا شك أن هذا شرف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عند فلان أو فلان، فيقول: دعوها فإنها مأمورة. فسارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليوم فبركت، يعني: إلى موضع المسجد، مسجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم اليوم. وموضع المسجد القديم معروف، وإن تمت توسعات كثيرة للمسجد، ولكن مسجده الأول حدوده معلومة إلى اليوم، والروضة التي بين منبره وبيته معلومة إلى اليوم. قالت: ولم ينزل عنها لما بركت، لم ينزل، بقي عليها حتى نهضت وسارت قليلًا، قامت مرة أخرى وسارت قليلًا، ثم رجعت وبركت في موضعها الأول، يعني: في نفس الموضع الأول بركت مرة أخرى، فنزل عنها، وذلك في بني النجار أخواله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأصل هذه القصة في صحيح البخاري، لكن بعض هذه التفاصيل الله أعلم بها، كونها بركت المرة الأولى ثم قامت ونحو ذلك، فهذا الله أعلم به. ولكن أصل هذه القصة، وكذلك قوله: إنها مأمورة، ونحو ذلك، فهذا إن شاء الله ثابت. قال: وكان من توفيق الله لها فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم، فجعل الناس يكلمونه في النزول عليهم، والأرحام أو لا؟ فبن النجار كما هو معلوم أخوال النبي عليه الصلاة والسلام، فكونه ينزل عندهم والناق بركت في ديارهم فهذا من توفيق الله عز وجل، إذ لو نزل مكانًا آخر لامه الناس، ووجد أخواله في أنفسهم: كيف ينزل عند غيرنا ونحن أقرب الناس إليه؟ فلعل ذلك من توفيق الله عز وجل أن بركت هذه الناقة في ديار بني النجار. قال: وبادر أبو أيوب خالد بن زيد إلى رحله فأدخله بيته، وهو من بني النجار. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المرء مع رحله. وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بخطام ناقته، فكانت عنده، يعني: الناقة كانت عند أسعد بن زرارة. قال: وأصبح كما قال أبو قيس صرمة بن أبي أنس، وكان ابن عباس يختلف إليه ليحفظها عنه، يعني: يحفظ هذه القصيدة وهذه الأبيات: ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يعني سنة، وهو ثلاثة ثلاثة عشر سنة ثوى في قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى حبيبا مواطئا يعني: معاونًا وموافقًا له على دعوته، ويعرض في أهل المواسم نفسه، فلم ير من يؤوي، ولم ير داعية، يعني: أن القليل من استجاب له. فلما أتانا أي الأنصار واستقرت به النوى ... وأصبح مسرورًا بطيبة راضية وطيبة هي اسم من أسماء المدينة، يقال لها: طيبة. وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم ... يعني: ظلم ظالم بعيد، ولا يخشى من الناس باغيًا أنه صار بين أصحابه ... بذلنا له الأموال من جل مالنا وأنفسنا عند الوغى والتآسية يعني: أننا نبذل أموالنا وأنفسنا من أجله عليه الصلاة والسلام، والوغى هي الحرب. عند الوغى يعني: عند الحرب، نعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعًا، وإن كان الحبيب المصافية، يعني: نعادي كل من عاداه وآذاه، وإن كان هذا المعادي قريبًا لنا وحبيبًا لنا. وهذا فيه معنى الموالاة في الله والمعاداة في الله، فهو بمعنى قوله تعالى: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ [المجادلة: 22] الآية. قال: ونعلم أن الله لا رب غيره، وأن كتاب الله أصبح هاديًا. وكما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه: قوم هم أووا نبيهم وصدقوه ... وأهل الأرض كفار يريد بقومه الأنصار، إلا خصائص أقوام هم تبع في الصالحين مع الأنصار. أنصار: استثنى هنا من أهل الأرض من خصهم الله عز وجل وهم الصالحون مع الأنصار. مستبشرين بقسم الله قولهم لما أتاهم ... كريم الأصل مختار أي: النبي عليه الصلاة والسلام، استبشروا ورضوا بهذه القسمة العظيمة الحبيبة إلى قلوبهم. أهلا وسهلا ففي أمن وفي ساعة ... نعم النبي ونعم القسم والجار هذا كله مدح وثناء على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى الأنصار كذلك. فأنزلوه بدار لا يخاف بها ... أي: المدينة، من كان جارهم دارا هي الدار وقاسموه بها الأموال إذ قدموا مهاجرين ... وقاسم الجاحد النار أي: من آمن به قاسموه أموالهم. وكما قال أي حسان: نصرنا وآوينا النبي محمدا ... على أنفراض من معد وراغم معد كأنه يريد: عدو. قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فأمر بالهجرة، وأنزل الله عليه: ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ﴾ [الإسراء: 80]. وهذا الحديث عن ابن عباس رواه أحمد وابن ماجة، وإسناده صحيح، وذكره ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية مصححًا له. قال: والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل الله سلطانًا نصيرًا، فأعطاه وهم الأنصار رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. قال: قال البراء: أول من قدم علينا إلى المدينة مصعب بن عمير، وقد تقدم معنا ذلك، وابن أم مكتوم، فيقرئان الناس القرآن. ثم جاء عمار بن ياسر وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبًا، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت الناس فرحوا بشيء كفرحهم به، حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقلن: قدم رسول الله، جاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الحديث في البخاري، كما ذكر المعلق حفظه الله، ولم يذكر هنا ما يذكره، لم يذكره المؤلف، وما يذكره بعض أهل السير من استقبال النبي عليه الصلاة والسلام بقولهم: طلع البدر علينا، لأنها لم تثبت. لم تثبت استقبال الأنصار للنبي عليه الصلاة والسلام بضرب النساء على الدفوف وإنشاد: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع. هذه لم تثبت، ولذلك والله أعلم لم يذكرها المؤلف هنا. قال: قال أنس: شهدته يوم دخل المدينة، أي: شهد النبي عليه الصلاة والسلام يوم دخل المدينة، فما رأيت يومًا قط كان أحسن ولا أضوأ من اليوم الذي دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات، أي: عليه الصلاة والسلام، فما رأيت يومًا قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات عليه الصلاة والسلام. والمراد بالظلم هنا: الظلم المعنوية، أي: من الحزن، وكذلك الألم الذي أصاب الناس بفقد النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، لعلنا نكتفي بهذا، ونكمل إن شاء الله إلى درسنا القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. على نهاية ترجمة نانسي قنقل.