شرح مختصر سيرة الرسول 52

شرح مختصر سيرة الرسول 52

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 52، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

إقامة النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب وقدوم أهله

أقام النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب الأنصاري حتى اكتمل بناء مسجده وحجره، وبعث زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة لإحضار أهله فقدموا بفاطمة وأم كلثوم وسودة بنت زمعة وأسامة بن زيد وأم أيمن، بينما منعت زينب من الهجرة بقرار زوجها أبي العاص.

شراء أرض المسجد النبوي ونبش قبور المشركين

اشترى النبي صلى الله عليه وسلم أرض المسجد من الغلامين اليتيمين سهل وسهيل بعشرة دنانير بعد أن رفضا أخذ ثمنها، وأمر بنبش قبور المشركين الموجودة فيها لعدم حرمتها، مبيناً أنه لا يجوز نبش قبور المسلمين إلا لضرورة قصوى بينما تُنبش قبور المشركين لبناء المساجد.

بناء المسجد النبوي ومشاركة الصحابة وقدوة العالم

شارك النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة في بناء المسجد النبوي الذي كان بسيطاً من جذوع النخل وسعفها، وقال: «عريش كعريش موسى» دلالة على الزهد والاكتفاء بالحاجة، وقد اقتدى به العلماء كشيخ الوادعي رحمه الله الذي شارك طلابه في بناء المسجد ليكون قدوة في العمل اليدوي والتعاون على البر والتقوى.

بساطة مساكن النبي صلى الله عليه وسلم وتطور البناء

كانت بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من اللبن وسقفها بالجذوع والجريد، وجعل لكل زوجة غرفة مستقلة يطوف عليهن فيها، ثم تطور البناء في عهد الصحابة ليصبح أكثر إحكاماً وفرشاً اقتداءً بسنته وسنة الخلفاء الراشدين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتاب "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": قال: فأقام في بيت أبي أيوب حتى بنى حجره ومسجده. يعني لما نزل في المدينة وبركت ناقته في موضع المسجد، لشك أن هذا البناء يحتاج إلى وقت وأيام، فهذه الأيام أقام في بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وفي منزل أبي أيوب زيد بن حارثة وأبا رافع، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة. ولا شك أن هذا الذهاب سيكون سرًّا دون أن يعلم المشركون، لأن المشركين كانوا يؤذون من يسمعون بهجرته، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجه، وأسامة بن زيد، وأم أيمن. أي أن أهله من بناته وزوجته سودة بنت زمعة، وهي التي تزوجها بعد خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وكذلك خادمه أسامة بن زيد، وكذلك أم أيمن، أتوا بهؤلاء إلى المدينة. قال: وَأَمَّ زَيْنَبَ فَلَمْ يُمَكِّنْهَا زَوْجُهَا أَبُو الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ مِنَ الْخُرُوجِ. أي مكثت زينب في مكة وتريد الهجرة لكن زوجها منعها. قال: وخرج عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، وفيهم عائشة بنت أبي بكر، فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان. وهذا من حيث الجملة فهو حديث حسن في بعثة النبي عليه الصلاة والسلام لزيد بن حارثة وأبي رافع. قال: بناء المسجد. قال الزهري: بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجده، وكان مربدًا لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار. يعني كان موضعًا لوضع علف الأغنام والبهائم ونحو ذلك، وكانا غلامين يتيمين من الأنصار من بني النجار، كانا في حجر أسعد بن زرارة. فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين بالمربد ليتخذه مسجدًا، ومعنى ساوم: بايع وحدد مبلغًا لشراء هذا الموضع، لأنه ملك لهذين الغلامين، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله. يعني أبوا أن يتقاضوا عليه مالًا، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتراه منهما بعشرة دنانير. وأصل هذه القصة في الصحيحين، وتفاصيلها ذكر ذلك ابن هشام في سيرته، ورواه كذلك الترمذي بإسناد صحيح، وصححه العلامة الألباني. مسألة مساومة النبي صلى الله عليه وسلم لهذين الغلامين: قال: وفي الصحيح سيأتي أنه في البخاري وفي مسلم أنه قال: «يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا»، قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور للمشركين، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت. وهنا مسألة فقهية يذكرها الفقهاء: أن الموضع الذي يحتاجه الشخص وفيه قبور، فإن كانت للمشركين فلا بأس من نبشها، لأنه لا حرمة لقبورهم، فلا بأس من نبشها ونقلها إلى موضع آخر. أما إذا كانت لمسلمين فلا يجوز، لا يجوز إلا للضرورة القصوى، والضرورة القصوى مثلًا: طريق لا بد منه، طريق للمسلمين يمر من هذا الموضع لا بد منه، أو كذلك توسعة مسجد لا بد منه. أما إذا كان يستغنى عنه إلى موضع آخر فلا يجوز ذلك. وأما إذا كان البناء قبل القبر فالقبر يخرج، ولو كان مسلمًا، ولو كان مسلمًا. يعني مسجد بني أولًا ثم أدخل فيه القبر من أهل الشرك متابعةً للجهل، فإذا أراد أهل التوحيد أن يخرجوا هذا القبر من المسجد فلهم ذلك. لكن إذا بني المسجد بعد القبر فلا يجوز إخراج هذا القبر إذا كان مسلمًا. قال: فأمر رسول الله بالقبور فنبشت، وبالنخيل والشجر فقطع، وصفت في قبلة المسجد، وكانت القبلة جهة بيت المقدس. قال: وصفت في قبلة المسجد، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، مائة ذراع، والذراع ما يكون بطول اليد، وفي الجانبين مثل ذلك. يعني على شكل مربع أو دونه أي بقليل، وأساسه قريبًا من ثلاثة أذرع. يعني أساسًا، ثم بنوه باللبن. وهذا في الصحيحين، رغم ستمائة وستة عشر، التفاصيل الكثيرة هذه تجدها في الصحيحين، وأصل الحديث في البخاري ومسلم. فبوّب الإمام البخاري: باب هل ينبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد؟ والجواب واضح من الحديث، قوله هنا: قبور مشركي الجاهلية. ورواه أيضًا مسلم. قال: ثم بنوه باللبن، وجعل رسول صلى الله عليه وسلم يبني معهم وينقل اللبن والحجار بنفسه، ويقول: «اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة». وهذا يحث على العمل، وكذلك التهوين من شدة تلك الأعمال، فلا بأس من الرجز بمثل هذه الأشعار في الأعمال. قال: وكان يقول: «هذا الحمال لا حمال خيبر، هذا أبر ربنا وأطهر». يعني أن ما نحمله أفضل مما يحمل من الدنيا من التمر وغيره، فهذا أبر وأطهر لنفوسنا. قال: واجعلوا يرتجزون، ويقول أحدهم في رجزه: «لئن قعدنا والرسول يعمل، لذاك من العمل المضلل». وهذا فيه أن العالم يكون قدوة لغيره، وهذا ما لمسناه من العلماء. فذات مرة دعا شيخنا الوادعي رحمه الله إلى مبادرة عند بناء المسجد الجديد. كان مسجد قديم، ثم يسر الله بالموضع الذي بجانبه، ومن أجل أن يبنى فيه مسجد أوسع وأكبر، فكان هذا الموضع يحتاج إلى تصفية، فيه أشجار وأحجار وأوساخ. تكلم الشيخ الظهر، وقال: إن شاء الله بعد العصر نتعاون جميعًا في تصفية موقع المسجد. فعمل درسًا خفيفًا بعد العصر، ربما لا يتجاوز عشر دقائق، ثم قال: هيا نخرج للمبادرة والتعاون. فكان الشيخ في مقدمة الطلاب، وكان الموضع عبارة عن حفرة كبيرة، يعني تنزل هكذا في مكان نازل، فنزل الشيخ وأخرج يعني جنبيته وعمامته وأعطاها الحارس، وخرج يحمل، والطلاب ينظرون، فاستحى كثير من الطلاب، وامتلأ الموضع، والموضع من الطلاب يصفون الموضع. فكان الشيخ رحمه الله قدوة، ولعله أخذ ذلك من مثل هذه الأحاديث التي كان يقرأها في البخاري وغيره. وهكذا ينبغي أن يكون القدوة، والعالم إذا دعي إلى مبادرة أو إلى تعاون، خصوصًا في الأمور العامة كمسجد أو مدرسة لتحفيظ القرآن، أو حتى أخ ضعيف يحتاج يعانى من إخوانه، فلا بأس أن يعاون، فهذا من التعاون على البر والتقوى، والعالم والمدرس والشيخ يكون القدوة، وفي مقدمة المتعاونين، وفي مقدمة المتعاونين. فانظر إلى هذا البيت: «لئن قعدنا والرسول يعمل، لذاك من العمل المضلل». يعني هذا ضلال، أن النبي صلى الله عليه وسلم يعمل ونحن نجلس ولا نعمل. فكان عليه الصلاة والسلام يعمل مع أصحابه، وكما جاء أيضًا في حفر الخندق، كان يعمل مع الصحابة ويحفر معهم، فإذا اعترضتهم حجرة أو شيء لا يستطيعون ضربه وكسره، استعانوا أو طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام أن يعينهم على ذلك. قال: وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب. هذا وصف مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في أول بنائه: جعل له ثلاثة أبواب، باب في مؤخره يعني مؤخر المسجد، وباب يقال له باب الرحمة، وباب الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجعل عمده الجذوع، عمده يعني مثل السواري والأساس في يعني سقف المسجد. قال: وسقفه الجريد، الجريد هو يعني سعف النخيل. قيل له: ألا تسقفه؟ يعني بسقف محكم بخشب أو نحوه، فقال: «عريش كعريش موسى». وهذا العريش معناه كل ما يستضل به، وهذا يقال له حتى في يومنا هذا عند بعض البدو، مثل هذا الذي بناه أبو حميج، جزاه الله خيرًا، يقال له عريش، لأن سقفه من جريد النخل، فكل ما يستضل تحته فيقال له عريش، ولا يلزم أن يكون بشيء محكم، وإنما بما يمنع الشمس وحرارتها. وقوله: «عريش كعريش موسى»، هذا الحديث ذكره العلامة الألباني في السلسلة، فهو حديث حسن في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «بل عريش كعريش موسى». وهذا من زهده عليه الصلاة والسلام، وليس معنى هذا أنه لا يجوز بناء المسجد بناءً قويًا ومحكمًا، ولكن المراد أنه لا يحتاج إليه في ذاك الزمان، لا يحتاج إليه في ذاك الزمان، وإلا فقد عمّره الصحابة بعمارة محكمة، بعمارة محكمة. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». وهذا هو العلم، وهذا هو العلم. ما يأتي مثلًا الإنسان يستدل بهذا الحديث، يقول: لماذا أنتم الآن تعملون هذا الصبيات والقصب؟ نعم، العريش كعريش موسى، النبي عليه الصلاة والسلام قال: العريش كعريش موسى، قال له: فهم الصحابة أولى وأوجب بالأخذ. الصحابة رضي الله تعالى عنهم بنوا بعد النبي عليه الصلاة والسلام بناءً محكمًا، وحملوا قول النبي عليه الصلاة والسلام أنه في قوله: «بل عريش كعريش موسى»، أنه لا يحتاج في ذاك الزمان مثل هذا البناء المحكم. ومثل يقول في الفراش ونحوه: لا، يقول كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من الحصباء، إذا نأتي بالحصباء ونفرشها ونصلي عليها، ولا نحتاج إلى هذا الفرش. لا، يقال: كان هذا البناء وذاك الفرش في زمانهم على قدر الحاجة وعلى ما يحتاجون إليه، بل ربما بيوتهم لم تكن تفرش، وإنما يجلسون على الحصباء ونحوها، فكان هذا حالهم في ذاك الزمان، فلما جاء عهد الصحابة فعلوا ما فعلناه اليوم من البناء المحكم والسقف من غير الجريد والفرش بالفراش ونحو ذلك، فينتبه لهذا بارك الله فيكم. قال: وَبَنَى بُيُوتَ نِسَائِهِ إِلَى جَانِبَيْهِ، بُيُوتَ الْحُجَرِ بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهَا بِالْجُذُوعِ وَالْجَرِيدِ. أي أن نبي صلى الله عليه وسلم جعل لكل زوجة من زوجاته بيتًا، والبيت في الحقيقة عبارة عن غرفة، غرفة كغرفة عائشة وغيرها من نسائه، فجعل لكل واحدة بيتًا تجلس فيه، ويطوف عليهن عليه الصلاة والسلام. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.