الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 113، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستعرض المحاضر شروط إنكار المنكر من العلم به وألا يترتب عليه مفسدة أعظم، مبيناً أن الإزالة ليست شرطاً لصحة الإنكار. كما يفصل في أحكام التغيير باليد دون سلاح، ووجوب إذن الإمام عند استخدام السلاح درءاً للفتنة، مع توضيح أن قاعدة "لا إنكار في مسائل الاجتهاد" غير مطلقة.
يؤكد المقطع أن الصحابة والعلماء كانوا يرجعون عن أقوالهم بمجرد وصول الدليل الشرعي من كتاب أو سنة أو إجماع. ويبين أنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد التي لا نص فيها، أما إذا ثبت الدليل القاطع وجب الإنكار على المخالف، مختتماً بنقل قول ابن تيمية في فرضية الأمر بالمعروف كفاية.
يوضح المحاضر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية مشروط بالعلم والرفق والحلم، ولا يتعدى نطاق الاستطاعة والمكان. ويبين ضرورة موازنة المصالح والمفاسد عند الإنكار كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ترك بناء الكعبة، محذراً من الإنكار بغير علم كفعل الخوارج.
أشار المحاضر إلى طول كلام شيخ الإسلام وفضل عدم استهلاك وقت ما بعد الصلاة، فاختتم الجلسة بالتسبيح والاستغفار. ووعد الحضور بمواصلة الدرس وتكملة النقول في اللقاء القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فأخذنا كيف يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. حديث: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري. ما يشرط إنكار المنكر؟ نعم، أن يكون على علم، يعني أن يعلم أن هذا منكر، بدليل. هذا لا يجوز، هذا محرم. أيضاً لا يؤدي إلى منكر أعظم، أي مفسدة أعظم من إنكار المنكر. فمثلاً: القتل أعظم من شرب الخمر. فلأن الناس يشربون الخمر، لكن إذا أنكرنا عليهم قتلوا وسُفكت الدماء، ويظلوا لا ينكر عليهم من أجل أن لا يترتب ما هو أعظم منه من القتل. والإزالة أيضاً من شروط إنكار المنكر؟ لا، ليس من شرطه. من شرطه الإزالة؟ لأنه اختلِف: هل من شرطه الإزالة أم ليس من شرطه الإزالة؟ إمام أحمد يرى أنه ليس من شرطه الإزالة. ينكر المنكر، إن زالت فبها، وإن لم تزل فقد برئت الذمة. ليس من شرطه الإزالة، هذا هو الصحيح. بعضهم قال: من شرطه الإزالة، على قولين لأهل العلم، لكن لم يجعلوا شرطه... ماذا؟ الصحيح في الإزالة: أن لا يخشى على نفسه ماذا؟ الضرب، يعني الموت، الموت المحقق في ذلك. أو كذلك ذهاب ماله. أن يخشى على نفسه، خشي على نفسه، فليس عليه أن يترقى في ذلك، إلا أن قوي... من قوي إيمان، لا قوي وقال: «أفدي نفسي لكن أزيل هذا المنكر». من قوي إيمان. وقال بعضهم: للحلم لا بأس أن ينكر المنكر، ذلك أن ينكر ذلك المنكر. وما جاء عند الصلاة فهو أن هؤلاء العلماء قووا، حتى أن بعضهم قُتل في إنكار المنكر. كان ابن النابولسي كما ذكر الذهبي في السير، كان ينكر المنكر، كان ينكر ويعلم أنه شيء... لذلك حتى أُفْضيَ إلى السلطان. ومما قال وهو في مصر، وكان في دولة بني عبيد، العبيديون هؤلاء الذين هم شر من اليهود والنصارى. قالوا: لو سمعنا عنك أنك تقول: إذا كان معك عشرة أسهم سهام، يرمى الروم بتسعة، وبنو عبيد بواحدة. قال: لا، ما قلت هذا. قلت: لو كان معك عشرة أسهم، يرمى بنو عبيد بتسعة، والعاشر أيضاً... فيه العاشر فيه... بعد، زاد الثمن كما يقولون. بل هم قالوا: تسعة لروم، واحدة لبني عبيد. قال: العشرة كلها فيك وهو واحد، أنا أقول: فالعشرة كاملة. قاموا، فماذا؟ صلبوا وقتلوه. هذا قالوا للحاكم العبيد، قالوا للحاكم العبيد. لم يخف منهم، لم يخف منهم لأنهم كانوا أهل منكر. فأظهروا شريعة السلف، فكان ينكر عليهم ذلك، رحمه الله. كثير من الأئمة كانوا ينكرون المنكرات، وكانوا يغيرون بأيديهم، كانوا يغيرون، لكنهم كانوا أقوياء، كانت لهم سطوة من حيث العلم والهيبة. كان عن سلاطين يهابونهم. إذا كان كذلك ينكر، ينكر لأنه ما خاف على نفسه. الإمام أحمد رحمه الله تعالى في فتنة خلق القرآن، صبر وثبت، صبر وثبت، وأنكر القول بخلق القرآن أمام الحاكم، أمام... فكان يعقد المجلس، وكان يناظره، ويضرب حتى يُغشى عليه، لأجل أن يقول: القرآن مخلوق. وكثير منهم أرادوا بعد ذلك الدعاء على هذا الحاكم، والفرج عليه، فنصحهم أن لا يخرج على السلطان، ولا ينزع يده من طاعة. حاكم السلف رحمه الله تعالى في إنكار... أن ينكر. والتغيير يكون باليد، التغيير يكون باليد، هذه المرتبة الأولى. والتغيير باليد دون السلاح، دون السلاح، يعني لا يستخدم سلاحاً أبداً في إنكاره للمنكر، وإنما يغير بيده بأن يفرق بين مثلاً المتضاربين، المتشاجرين، فيدفع هذا، ويدفع هذا، بيده. وأما استخدام السلاح، فقال أهل العلم: لذلك راجع إلى إذن السلطان. يعني إذا لم يغير هذا المنكر إلا بسلاح، فماذا يفعل؟ هل يستصحب ناساً معهم سلاح؟ يحتاج لذلك لإذن السلطان، حتى لا تسفك الدماء. ولهذا قال ابن الجوزي رحمه الله: «الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه إشهار سلاح أو سيف، يجوز، يجوز، يجوز للأحاد، أي لأفراد الناس». ضرب رجل، أو كذلك... قال: بشرط الضرورة، والاقتصار على قدر الحاجة. لأنك تريد إزالة المنكر، قدر الحاجة. فإذا أزيل المنكر، اكتفيت، يعني لا تزيد في الضرب ولا غيره. قال: «فإن احتاج إلى أعوان، المشهرون السلاح، لكونه لا يقدر على الإنكار بنفسه». يعني: أنا ما أستطيع بنفسي، لكن احتاج إلى أعوان لأجل أن نتخلص. فمثلاً: رأينا شخصاً، أشخاصاً يعملون المنكرات داخل البيت، ولا نستطيع وحدي أن أنكر عليهم. مثل: يشربون الخمر، أو يفعلون الفواحش، أو غير ذلك. فأستعين مثلاً بمجموعة من أجل أن نخرج من هذه الدار وننكر المنكر. قال: فالصحيح أن ذلك يحتاج إلى إذن الإمام، لأنه يؤدي إلى الفتن، وهيجان الفساد. وقيل: لا يُشترط ذلك إذن الإمام. وقيل: على صيغة القرية. لكن الصحيح أنه يحتاج إلى إذن الإمام، حتى لا تسبك الدماء، ولا يؤدي إلى مفسدة أعظم. لأن السلاح خطير، ويؤدي إلى القتل، ويؤدي إلى القتل. ولا يشهر أحد السلاح، والشيطان في تلك الأشياء يحضر وينزغ، والعياذ بالله. هنا هنا مسألة: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، أو ما يقال: لا إنكار في مسائل الخلاف. هذه العبارة قال العلماء: أنها ليست بصحيحة على إطلاقها، ليست بصحيحة على إطلاقها. بل ما كان فيه... لأن الإنكار إما يكون الإنكار على قول، أو يكون الإنكار على فعل. يعني: تنكر قولاً، أو تنكر فعلاً وعملاً. فإن كان الإنكار يتوجه إلى قول، فننظر إلى هذا القول: هل ثبت فيه سنة، أو ثبت فيه إجماع؟ فإن كان ثبت فيه سنة، وثبت فيه إجماع، فيُنكر على من؟ على المخالف. يُنكر على المخالف، لأنه قد جاءت به السنة، وأيضاً جاء به الإجماع. لأن بعضهم لا يعلم، فقد يكون خفي عليه الدليل، أو كان عنده معارض... قد يكون عنده معارض، عارف هذا الدليل، فيعمل باجتهاده، فيسلم هو من ماذا؟ هذا المجتهد يسلم من الإثم، ويكون له أجر. لكن المطلب العام ينبغي يُنبه لذلك. فإذا كذلك عرف هذا المجتهد بأن هذا لا يثبت، لا تثبت فيه المعارضة، وأنه مثلاً كان ليس عنده علم، نبه إلى ذلك، فينبغي عليه أن يرجع عن قوله الأول. يُنكر عليه فعله، أو يُنكر عليه قوله. فإذا وجدت السنة، وجد الدليل من الكتاب والسنة، أو وجد إجماع السلف على هذه المسألة، وشخص لا يعلم، وكان يعمل بخلافه، يقال له: ارجع. ونُنكر عليه إذا عمل بعد ذلك. وكان السلف من الله تعالى يرجعون. فكثير من المسائل، كثير من المسائل كان الصحابة يقولون بها، ثم لما نبهوا إلى الدليل رجعوا. مثل ماذا؟ مثل: كان ابن عباس يقول: لا ربا إلا في النسيئة. كان يقول: لا ربا إلا في النسيئة. وهذا قال ابن مسعود: لا ربا إلا في النسيئة. وربا الفضل بعد ذلك، أخبر بحديث النبي صلى الله عليه وسلم بأن الربا كذلك في الفضل، فعاد وقال بربا الفضل. وهكذا أيضاً أبو هريرة رضي الله عنه كان يفتي بأنه من أصبح جنباً لا صيام عليه، أصبح جنباً من احتلام، غير... لا صيام عليه. فحدثته عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من أهله، فيغتسل ويصوم. ويغتسل ماذا؟ ويصوم. فرجع عن قوله. وقد يقول القائل: هذا... هذا القول... هناك مسائل كثيرة في مسائل الفقه، يقول بها بعض الناس، ثم بعد ذلك... أو بعض الصحابة، ثم يرجعون، لأنهم نبهوا بهذا. مثل ما حصل بين عمار وعمر في مسألة... ماذا؟ في مسألة التيمم. كذلك عمر ما كان يتيمم بالتراب، لما أخبره عمار بعد ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا». فرجع إلى قول عمار. عمر رضي الله عنه أراد الاستيثاق في مسألة الاستئذان، وأُخبر بحديث بموسى وأبي سعيد رضي الله عنه، الاستئذان ثلاثاً، فرجع إلى قولهما. في مسألة الطاعون، فرجعوا إلى قول عبد الرحمن بن عوف، لما أخبرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وجد الطاعون بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها». فرجعوا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم. يخفى الدليل على أحد، يخفى على أحد الصحابة، على كبار الصحابة، فكانوا يقولون في المسألة، ثم يعودون ويرجعون. فإذا: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، متى؟ لا إنكار في مسائل الاجتهاد إذا لم يوجد نص من كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع، أو إجماع. يعني: مسألة اجتهد بها، لا ننكر ماذا على هذا الشخص؟ لأنه من المجتهدين. ثم بعد ذلك قال بقوله، جمع، وساروا على... على هذا. هناك مسائل كثيرة، وهناك مسائل خولف فيها بعض... بعض أئمة المذاهب. مثل الحنفية الذين كانوا يرون مثلاً شرب النبيذ، ماذا؟ ما لا يسكر. ثم قال ذلك القائل: وإن حنفتياً قلت... قالوا: بأنهم يبيحون الطلاوة، والشراء المحرم. فهم يبيحون هذا، يقولون: يجوز تشرب ماذا؟ النبيذ. مثل نكاح البنت من الزنا، قالوا به بعض... ماذا؟ الشافعية. فلهذا بعض المسائل كما قال القائل: وإن شافعياً قلت... قالوا: بأنهم يبيحون نكاح البنت، والبنت تحرمه. فالصحيح يكون بالدليل. عند غيره يُنبه أن هذا الدليل هو الذي ينبغي أن يعمل به. فإذا نبه، ينبغي على ذلك الآخر أن يرجع. أنت تعمل مثلاً بمسألة اجتهاد، كان في الصلاة، أو كان في غير الصلاة. مثلاً تعمل بمسألة، يقول: هذا الدليل عندك. مثلاً هذا عندك، هذا الدليل، قد يكون الدليل الذي عمل به ضعيفاً، فيأتي آخر ويقول لك: لا، الصحيح هو كذا كذا، فعل النبي صلى الله عليه وسلم. فينبغي عليك أن ترجع، وأنا أنكر عليك ماذا؟ أنكر عليك فعلك لهذا الأمر، لأنك علمت. إذا علمت الدليل الصحيح، وكان في دليل كتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، دليل قطع، لا يحتاج إلى مراء. أنت قد تخفى عليك المسألة، تعمل بأمر، وجدت الناس يعملون بأمر، فتظن أن هذا من الدين، فتعمل به. ثم يأتي آخر يقول لك: هذا ليس من الدين، الدين بالدليل، أو المسألة بالدليل. ما هو الدليل؟ يقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... ذلك، فتنظر في معلومة، ترى الدليل مع ما قال صاحبه، وما قال ذلك المخالف لك، فترجع إلى قوله، ترجع إلى قوله. هكذا في مسائل الفلاح، لا ينبغي... نظر المسألة، يقول لك: اعمل وأنا أعمل، اعمل وأحبهما، لأن الحق واحد، الحق واحد. ولهذا يكون هناك حق واحد، ويكون هناك دليل في المسألة، إلا إذا تعارضت الأدلة، ويشرك العلماء من مسالك... منها مسالك ماذا؟ الترجيح، أمور الترجيح، يرجعون وينظرون في النسخ، والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، في أمور الترجيح الأخرى. إذا تعارضت الأدلة. فهناك مسائل كثيرة ذكرها أهل العلم. وخلاصة هذه المسألة: إن تأتي مسائل الخلاف، يكون عندما لا يوجد نص. إما يكون هذا قال قولاً، وإما يكون عمل عملاً. فالإنكار يتوجه على القول، أو يتوجه على ماذا؟ يتوجه على العمل. هذا واضح. يتوجه على قول قائل: أنا أقول بهذا القول. أو مثلاً يتوجه على عمل ذلك العامل بهذه المسألة. فنرى في هذا القول: هل فيه سنة؟ هل فيه إجماع؟ ونرى في هذا العمل: هل فيه سنة؟ هل فيه إجماع؟ فإن كان فيه سنة، وفيه إجماع، أُنكر على من خالف السنة، ومن خالف الإجماع. كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم ينكر بعضهم على بعض، فيقولون: أنت ما سمعت بحديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقول له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم... فيرجع. خلاص، لا قول بعد قول الله، وقول رسوله صلى الله عليه وسلم. هذا ما أردنا بيان في هذه المسألة. وهذه المسألة مبسوطة في كتب العلم، ومنها كتاب الآداب الشرعية للعلامة ابن مفلح رحمه الله تعالى. ونرجع إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ونفرغ منه حتى نلتقي من هذا الباب. قال ابن تيمية رحمه الله: «ولا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل أحد معين، بل هو على الكفاية. إذا هو فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين، كما دل عليه القرآن. إذ هو واجب على كل إنسان بحسب قدرته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: هو فرض كفاية، وهو واجب على كل مسلم بحسب القدرة، القدرة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده. وهذا لولي الأمر، وكذلك لمن قدرته... وغيره، من له ولاية على غيره، يستطيع أن يغير بيده، ولا يكون هناك مجازفة في التغيير. كما كان أيضاً أهل العلم يغيرون، وربما كان أحد يخرج إلى السوق، فإذا رأى منكراً غيره بيده، مثل آلات اللهو والضرب، كانوا يكسرونها. إذا رأى أواني خمر فيها خمر، كسروها. رأى هذا من التغيير باليد. أو باللسان، وهي النصيحة، هو الوعظ، فيذكره وينصحه. والنصيحة لها أمور، كما جاءت في ماذا؟ في السلم. لها أمور: ينبغي أن يكون رفيقاً. الناصر الذي يريد إزالة المنكر ينبغي أن يكون رفيقاً، ينبغي كذلك أن يكون متواضعاً، ينبغي أن يكون حليماً. لأن همك أنت ماذا؟ أن ينتهي هذا المنكر. لا تكون غليظاً شديداً في إنكار المنكر. فلتكن رحيماً رفيقاً بهؤلاء الذين تريد تغيير المنكر عليهم. لهذا حتى يقبلوا منك وينتهوا. لهذا ينبغي أن يعرف الآمر هذه الأمور». قال: «بل هو على الكفاية، كما دل عليه قرآنا. وهذا قال: وليس من شرط الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يصل أمر الآمر، ونهي الناهي، إلى كل مكلف في العالم. ليس من شرط أن يصل أمرك أو نهيك إلى كل شخص في العالم. بل حتى من هم عندك، يعني من يكون في قريتك، أو يكون في بلدك، أو في حيك، أو في مكانك. إذا رأيت المنكر، على قدر الاستطاعة أن تزيله. وليس من الشرط أن لا بد أن تصل إلى ذاك الذي لا يراك ولا يسمعك، وهو في بلدة أخرى». قال: «ومن الناس من يريد أن يأمر وينهى، إما بلسانه، وإما بيده، مطلقاً، من غير فقه، ولا حلم، ولا صبر. وهذا خطأ. ينبغي أن يكون عند الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عنده فقه، معرفة علم بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. إذ قد ينكر منكراً ما ليس بمنكر. وهكذا يكون عنده الخلق، ويكون عنده الصبر. لأنه قد تجد جهالاً، قد تجد مستهزئين، قد تجد إيذاء في إزالة المنكر». قال: «ولا نظر فيما يصدق من ذلك، وما لا يصدق، وما يقدر عليه، وما لا يقدر عليه. فيأتي بالأمر والنهي معتقداً أنه مطيع لله ولرسوله، وهو معتدٍ في حدوده. كما نصب كثير من أهل البدع والأهواء نفسه للأمر والنهي، كالخوارج وغيرهم، ممن خلطوا فيما آتاهم الله من الأمر والنهي، والجهال، وغير ذلك. وكان مسدداً، ورغم صلاحه... يعني هذه طائفة، خوارج، صفتوا لهذا الأمر، فغلطوا لعدم وجود العلم، ولأنهم كانوا كذلك أشداء، ومثل هذه الأمور، مع عدم العلم، فغلطوا غلطاً شديداً. فأنكروا ما ليس بمنكر، بل غلطوا ذلك حتى كفروا المسلمين». قال: «فإن الأمر والنهي، وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة، ودفع مفسدة، فينظر بالمعارض له. فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأموراً به. لم يجب عليك إزالة ذلك المنكر، بل يكون محرماً. إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته. إذا كانت المفاسد أعظم من إنكار المنكر، فيبقى على ما هو عليه. والنبي صلى الله عليه وسلم، في حديث عائشة، ترك ماذا؟ بناء الكعبة على قواعد إبراهيم. لماذا ترك ذلك عليه الصلاة والسلام؟ قال: لأن قومك حديث عهد بإسلام. ماذا؟ ما بنى الكعبة على أساس إبراهيم، وأدخل الحجر، وإنما جعلها كما بنتها قريش، لأجل عدم حصول الفتنة. لأجل عدم حصول الفتنة. ولأن الناس قد دخلوا في الإسلام قريباً. فأقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. وأدخل بعد ذلك بعض الملوك والأمراء والخلفاء، أدخلوا ذلك، مثل ابن الزبير، أدخل الحجر. ثم جاء عبد الملك بن مروان، ونقض ذلك. فهكذا ملك بعد ملك، واحد يدعو، واحد يدعو. فبعد ذلك في عهد الإمام مالك رحمه الله تعالى، تركوا ذلك، وأفتوا بعدم جواز... أو ماذا؟ أنهم يتركون هذا الأمر على ما هو عليه، وترك الحجر دون الكعبة». قال: «وإذا كان الشخص والطائفة جامعين بين معروف ومنكر، بحيث لا يتميزون بينهم، بل إما نفعلهما جميعاً، وتكون وجميعاً، لم يجز أن يأمر بمعروف، ولا أن ينهى عن منكر، بل ينظر. فإن كان المعروف أكثر من ربه، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينهى عن منكر ليستلزم تفويت عظم منه، بل يكون النهي إذن من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وزوال فعل الحسنات. وإن كان المنكر أغلب، ننهى عنه، إن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف. ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه، أمراً بمنكر، وسعياً في معصية الله ورسوله. وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان، لم يؤمر بهما، ولم ينهى عنهما. فتارة يصبح الأمر، وتارة يصبح النهي، وتارة لا يصبح أمر ولا نهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين. وذلك بالأمور المعينة الواقعة. وأما من جهة النوع، فيؤمر بالمعروف مطلقاً، وينهى عن المنكر مطلقاً. إذن من حيث النوع: أن هذا معروف نأمر به، من حيث النوع: أن هذا منكر ننهى عنه. لهذا ننهى عن المنكر، ونأمر بالمعروف، هذا من حيث العموم. لهذا ينظر، أن ينظر الآمر، وكذلك الناهي، فيما يأمر، وفيما ينهى. وهذا يحتاج منا إلى أن نتعلم كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم». والنصيحة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ناصح أخاك المسلم إذا وقعت في خطأ، وعلمت خطؤه، أن تنصحه فيما بينك وبينه، ولا تفضحه». إلا ما كان من المجاهر بالفسق، فإنه عند العلماء أن المجاهر والمعلن بالفسق، هذا لا غيبة له، ولا حرمة له. وهذا إن لم ينتهي، يُرفع أمره إلى أهل الأمر، وهم ولاة الأمور والسلطان، ويرفع أمره إليهم، لأجل أن ينهوه. إذا لم ينته. كلام شيخ الإسلام كثير، ولا نريد أن نأخذ من وقت الدرس الذي بعد الصلاة. فالوقت انتهى إلى هنا. أقول: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ونكمل إن شاء الله تعالى في درسنا القادم. الحمد لله.