الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 114، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يبيّن المقطع الضوابط الشرعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشدداً على الموازنة بين المصالح والمفاسد، فلا يُؤمر بمعروف يؤدي إلى منكر أكبر أو يفوت معروفاً أرجح. ويستدل بترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل ابن سلول درءاً للفتنة، مؤكداً أن الرفق شرط في التغيير وأن الواجب يسقط إذا كانت مفسدة إنفاذه أعظم من مصلحته.
يستعرض المقطع وصية جامعة من سفيان الثوري لعلي بن الحسن تشتمل على أصول الإصلاح الذاتي من الصدق وترك الرياء والعجب، والأخذ عن العلماء العاملين، ومصاحبة الزاهدين. كما تتناول الوصية لزوم الجماعة، والنصح، وأداء الأمانات، والحب في الله، وترك المراء، والصبر، والحذر من الغضب، وتوقير العلماء، والزهد، والأمر بالمعروف، وإصلاح السريرة.
يجمع المقطع وصايا في مراقبة الله وعدم الغفلة، والتأني في أمور الدنيا مع المسارعة للخيرات، ونية الطاعة في الأكل، وطهارة القلب من الذنوب والمظالم، وحسن المعاملة بالصفح وقبول العذر. ويختتم بآداب دخول السوق من الذكر والأمر بالمعروف وغض البصر وقضاء الحاجة بسرعة ثم الخروج حفظاً للدين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: نكمل ما تبقى من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال المؤلف حفظه الله: وقال رحمه الله: "وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها حيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات معروف أكبر منه أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول ما هو أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه". وقال أرجح منه. كذلك أيضًا سواء كان الذي يؤمر وينهى واحدًا أو طائفة، فينبغي النظر في المعروف وفي كذلك المنكر: هل يفوت معروف أكبر أو كذلك يحصل منكر أكبر؟ فينبغي أن يراعى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المصالح والمفاسد". وقال: "وإذا اشتبه الأمر بالمعروف" -أي المعروف والمنكر- "استبان المؤمن حتى يتبين له الحق". يعني: إذا اشتبه عليك هل هذا منكر أم ليس بمنكر، أو هذا معروف أم ليس بمعروف، قال: "حتى يتبين له الحق أن يتأنى وينظر في الأدلة الشرعية". قال: "فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية"، فلا يقدم على الأمر بالمعروف والطاعة إلا أن يكون عنده علم من الكتاب والسنة مع النية. "وإذا تركها كان عاصيًا"، فترك الواجب معصية. أي: وإذا ترك الطاعة بعد العلم بها كان عاصيًا، فترك الواجب معصية كمن يترك مثلًا الصلاة أو يترك كذلك الصيام، فهذا يعتبر عاصيًا. فترك الواجب الذي أمر الله به يعتبر معصية. قال: "وفعل ما نهى عنه من الأمر معصية أيضًا". إذا نهي بأمر من الأوامر الإلهية فإن فعل ذلك الذي نهى عنه معصية. ومن هذا الباب: ترك النبي صلى الله عليه وسلم -أي ومن باب ترك المنكر لما يجر إلى منكر أكبر منه- ترك النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي سلول وأمثاله من أئمة النفاق والفجر. أي: تركه النبي عليه الصلاة والسلام مع علمه أنه منافق؛ لأنه لو قتله سيتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، قال: "لما لهم من أعوان". ولأن هذا كان من الذين عندهم أعوان في المدينة، يعني كان لهم أناس يسمعون لهم ويطيعون، وهو من رؤساء المدينة، لهذا خشي النبي صلى الله عليه وسلم حصول منكر أعظم، فترك عبد الله بن أبي بن سلول. قال: "فإزالة المنكر بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك، والمعروف الذي سيزال لو أنه قتل عبد الله، مع أن قتله مصلحة فيه مصلحة، لكن المعروف الذي سيزال أعظم من ذلك". فترك النبي وهو الألفة، وستحصل ربما فتن بين الناس. قال: "وذلك بغضب قومه وحميتهم"، أي: له قوم يغضبون له، وستكون هناك حمية. "وبنفور الناس إذا سمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه". وقال أيضًا: "وهذا من حكمة" -هذا من حكمة في الدعوة إلى الله عز وجل- "أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ينظر في المصالح والمفاسد". وقال أيضًا: "الرفق سبيل الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر"، أي: أن يكون الآمر رفيقًا. ولهذا قيل: "ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف، ونهيك عن المنكر غير منكر". يعني: إذا أمرت بالمعروف فليكن أمرك لذلك المعروف بالتي هي أحسن، أي برفق ولين حتى يتقبل منك. وهكذا ناهيك عن المنكر يكون غير منكر، يعني: ليس فيه غلظة ولا فضاضة، بل ينبغي أن يكون فيه نوع من اللين ونوع من الرفق، وأيضًا نوع من الرحمة. وقال أيضًا: "وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات، لا بد أن تكون المصلحة فيه راجحة على المفسدة، إذ بهذا بعثت الرسل ونزلت الكتب، والله لا يحب الفساد، بل كل ما أمر الله به هو صلاح، وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين والذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذم الفساد والمفسدين في غير موضع. فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به". إن بغير أن تعلم ذلك أنه إذا كانت المفسدة أعظم في إزالة المنكر من مصلحة إزالته لم يكن هذا مما أمر الله به؛ لأن الله أمر بإزالة المنكر بحيث تحصل فيه مصلحة راجحة ولا يكون هناك منكر أعظم منه. قال: "وإن كان قد ترك واجبًا وفعل محرمًا، إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباد الله، وليس عليه هداهم، لأن الله قال: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}". وهذا من معنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ}، أي: من الكفار إذا اهتديتم بعد البيان، لا يضركم من ضل بعد أن تبينوا وتوضحوا لهم سبل الطريق أو الهداية، فليس عليكم ذلك، يعني: ليس عليكم جناح. فأنت ألزم نفسك وأصلح نفسك، والهداية لله سبحانه تعالى. قال: "والاهتداء إنما يتم بأداء الواجب". فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات، لم يضره ضلال الضال. يعني: إذا أنت قمت بما أوجب الله عز وجل عليك في نفسك أولًا بإصلاحها، ثم بعد ذلك في أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر، كما قمت أنت بالواجبات التي عليك -أي التي تأمر بها عباد الله من الواجبات- أنت قمت بذلك أولًا، وكذلك في النهي: أنت تنهى عباد الله عز وجل بذلك وأنت قد انتهيت. "لا تنهى عن خلق وتأتي مثله، عار عليك إذا فعلت عظيم". فإذا ينبغي للإنسان أن يبدأ بنفسه في الإصلاح، فيصلحها وينهى نفسها عن ماذا؟ عن الفساد. قال: "لم يضره ضلال الضال". بهذا الباب يكون هذا الباب قد انتهى من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وهنا وصية عظيمة لسفيان الثوري، وهو الباب الذي بعد هذا من وصايا السلف. وصية عظيمة يوصي بها بعض الصالحين وبعض الذين طلبوا منه ذلك. قال: "من وصايا السلف: قال سفيان الثوري رحمه الله فيما أوصى به علي بن الحسن: السلم عليك بالصدق في المواطن كلها، وإياك والكذب والخيانة ومجالسة أصحابها". نحن نقرؤها قراءة، واللبيب تكفيه الإشارة لأنها وصية واضحة، وصية واضحة لا تحتاج إلى شرح. في هذا الباب نقرؤها وصية واحدة كتب بها سفيان رحمه الله: "عليك بالصدق في المواطن كلها، وإياك والكذب والخيانة ومجالسة أصحابها، فإنها وزر كله. وإياك يا أخي والرياء في القول والعمل، فإنه شرك بعينه" -أي شرك أصغر-. "وإياك والعجب، فإن العمل الصالح لا يرفع وفيه عجب"، يعني: يعجب بنفسه. "ولا تأخذن دينك إلا ممن هو مشفق على دينه". لا تأخذ دينك لأن العلم دين، فينبغي أن تنظر من هو مشفق أيضًا على دينه. فإن مثل الذي هو غير مشفق على دينه كمثل طبيب به داء، طبيب ولكن فيه مرض لا يستطيع أن يعالج داء نفسه وينصح لنفسه، كيف يعالج داء الناس وينصح لهم؟ فهذا الذي لا يشفق على دينه كيف يشفق على دينك؟ يعني: الذي لا يبالي بدينه كيف يبالي بدينك أنت وهو لا يتمسك بالدين؟ "ويا أخي إنما دينك لحمك ودمك، ابكِ على نفسك وارحمها، فإن أنت لم ترحمها لم ترحم". "ولكن جليسك من يزهدك في الدنيا ويرغبك في الآخرة". وليكن جليسك من يزهدك في الدنيا ويرغبك في الآخرة، يعني: ليكن صاحبك جليسك الذي تجالسه، هذا صفاته: يزهدك في الدنيا ويرغبك في الآخرة. "وإياك ومجالسة أهل الدنيا الذين يخوضون في حديث الدنيا"، يعني: دائمًا حديث الدنيا، فإنهم يفسدون عليك دينك وقلبك. "وأكثر ذكر الموت، وأكثر الاستغفار مما قد سلف من ذنوبك، وسل الله السلامة لما بقي من عمرك". "ثم عليك يا أخي بأدب حسن وخلق حسن، ولا تخالفن الجماعة فإن الخير فيها". ألزم جماعة المسلمين إلا من هو مكب على الدنيا، كالذي يعمر بيتًا ويخرب آخر. "وانصح لكل مؤمن إذا سألك في أمر دينه، ولا تكتمن أحدًا من النصيحة شيئًا إذا شاورك فيما كان لله فيه رضا". "وإياك أن تخون مؤمنًا، فمن خان مؤمنًا فقد خان الله ورسوله". "وإذا أحببت أخاك في الله فابذل له نفسك ومالك". هذا الحب في الله، ابذل له ما تستطيع من نفسك وتبذل له مالك. "وإياك والخصومات والجدال والمراء، فإنك تصير ظلوما خوانا أثيما". يعني: لأن النبي عليه الصلاة والسلام حذر من ذلك، فإذا كان صاحب الجدال والمراء دائمًا يكثر منه فإنه يكون على شفا هلكة، ويكون خوانا أثيما. "وعليك بالصبر في المواطن كلها، فإن الصبر يجر إلى البر، والبر يجر إلى الجنة". "وإياك والحدة والغضب، فإنهما يجران إلى الفجور، والفجور يجر إلى النار". يعني: احذر أن تغضب، فإنه يجر إلى أن تقول قولا سيئًا، إلى الكذب، فيجرك إلى النار. "ولا تمارين عالما فيمقتك". أي: لا تجادل العالم فيمقتك. "وإن الاختلاف إلى العلماء رحمة، والانقطاع عنهم سخط الرحمن". "وإن العلماء خزان الأنبياء، خزان الأنبياء وأصحاب موارثهم"، أي: هم ورثة الأنبياء، وهم يخزنون العلم. "وعليك بالزهد يبصرك الله عورات الدنيا، وعليك بالورع يخفف الله حسابك". يعني: إذا كنت ورعًا لا تأخذ أموال الناس، وكذلك لا تأخذ مما لا يحل لك، فإن هذا يخفف عليك الحساب يوم القيامة. "ودع كثيرًا مما يريبك إلى ما لا يريبك"، يعني: مما تشك فيه. "وهذه النصائح لو نظرنا لها أدلة من الكتاب والسنة، يعني بعضها ممكن تدخل في بعض الآيات وبعضها تدخل في بعض الأحاديث". قال: "ودع كثيرًا مما يريبك إلى ما لا يريبك تكون سليمًا"، يعني: سليم الصدر. إذا شككت في شيء فدعه، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك. "وائمر بالمعروف وانهَ عن المنكر تكون حبيب الله، وأبغض الفاسقين تطرد به الشياطين". "وأقلل الفرح والضحك بما تصيب من الدنيا تزدد قوة عند الله". يعني: لا تفرح بالدنيا ولا تضحك كثيرًا، فإنها آيلة إلى الزوال، فإذا كنت كذلك ازددت قربًا عند الله. "واعمل لآخرتك يكفك الله أمر دنياك، وأحسن سريرتك يحسن الله عليك نيتك، وابكِ على خطيئتك تكون من أهل الرفيق الأعلى". هذه والله نصائح وتوجيهات طيبة من سفيان رحمه الله تعالى. "وأحسن سريرتك يحسن الله عليك نيتك"، أي: في الخفاء يحسن الله فيما بينك وبين الناس. "وابكِ على خطيئتك، على ذنبك، تكون من أهل الرفيق الأعلى". "ولا تكون غافلًا، فإنه ليس بغافل يغفل عنك، وإن لله عليك حقوقًا وشروطًا كثيرة ينبغي لك أن تؤديها، ولا تكونن غافلًا عنها، فإنه لا يغفل عنك"، أي: الله سبحانه وتعالى، وأنت محاسب بها يوم القيامة. "وإذا أردت أمرًا من أمور الدنيا فعليك بالتؤدة بالتأني، فإن رأيته موافقًا لأمر آخرتك فخذه". أي: هذا الذي من أمور الدنيا، إن رأيته موافقًا للآخرة خذه، وإلا فقف عنه حتى تنظر إلى من أخذه كيف عمله فيها، عمله فيها وكيف نجا منها، واسأل الله العافية. "وإذا هممت بأمر من أمور الآخرة فشمر إليها وأشرع، من قبل أن يحول بينها وبينك الشيطان". يعني: لا تأنَ في أمور الآخرة، التأني يكون في أمور الدنيا، أما أمور الآخرة ففيها المسابقة والمسارعة، تسارع وتسابق قبل أن يحول بينك وبينها الشيطان. "ولا تكونن أكولًا، لا تكونن أكولًا، لا تأكل بقدر ما تعمل، فإنه يكره ذلك". يعني: تكثر الأكل وليس عندك عمل، يعني: عمل من أعمال الآخرة تنشط به. إنما الأكل لأجل أن تزداد قوة على طاعة الله، أما الأكل للتسمين، الأكل لأجل النوم، الأكل لأجل الشهوة، فهذا مما يذم، مما يذم. لكن أكل من أجل أن تتقوى على طاعة الله عز وجل وتنظر في أمور الآخرة، فإنه ليس بمذموم. قال: "ولا تأكل بغير نية، ولا بغير شهوة"، أي: شهوة أكل. "ولا تأكل بغير نية"، أي: نية الأكل، لأنك إن احتسبت أكلك فيعتبر طاعة. "ولا تحشون بطنك فتقع جيفة لا تذكر الله"، يعني: مثل الجيف والعياذ بالله، إنما فقط تأكل لأجل السمن. "وأكثر من الهم والحزن، فإن أكثر ما يجد المؤمن في صحيفته من الحسنات الهم والحزن، لأن الهم والحزن يزيل السيئات كما أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام: إذا أصابك الهم والحزن كان تكفيرًا للسيئات". "وإياك والطمع فيما في أيدي الناس، لا تطمع فيما في أيدي الناس". قال: "فإن الطمع هلاك الدين". "وإياك والرغبة، فإن الرغبة تقسي القلب". "وإياك والحرص على الدنيا، فإن الحرص مما يفضح الناس يوم القيامة". "وما ذيبان جائعان يرسلان في غنم بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه". يعني: ما الذي يفسد الدين؟ حرص المرء على المال، وكذلك على الشرف بأن يكون من أهل الرئاسة والجاه، فهذا مفسد للدين. "وإياك والحرص على الدنيا، فإن الحرص مما يفضح الناس يوم القيامة". "وكن ظاهر القلب، نقي الجسد من الذنوب والخطايا". كن طاهر القلب، طهر قلبك من الذنوب والخطايا، يعني: إذا عملت معصية أو سيئة فاستغفر الله، فإن الله غفور رحيم. "نقي اليدين من المظالم، من مظالم العباد، لا تأخذ من الناس شيئًا". "سليم القلب من الغش والمكر والخيانة". "خالي البطن من الحرام، فإنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت". وهذا في الحديث. "كف بصرك عن الناس، ولا تمشين بغير حاجة، ولا تكلمن بغير حكم، ولا تبطش بيدك إلى ما ليس لك". "وكن خائفًا حزينًا لما بقي من عمرك، لا تدري ما يحدث فيه من أمر دينك". "وإياك أن تلي نفسك من الأمانة شيئًا"، يعني: أن تكون أمينا على خزانة، على بيت مال، مسؤولًا، فإن ذلك قد يكون ماذا؟ قد يكون عليك وبالًا. انتبه أن تلي من أمور الدنيا شيئًا من الأمانات، لأنها هذه إما أن تؤديها وإما أن تؤاخذ بها، وكيف تليها وقد سماك الله ظلوما جهولا؟ {ظَلُومًا جَهُولًا}. إن عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال الآية. قال: "أبوك آدم لم يبق فيها ولم يستكمل يوم حملها حتى وقع في الخطيئة". أمانة الدين أمانة عظيمة. قال: "أقل العثرة، أقل العثرة"، يعني: إذا تعثر أحد فإنك ينبغي عليك أن تقل عثرته، وإذا زل وأخطأ أحد بحقك فقل عثرته. قال: "واقبل المعذرة واغفر الذنب". هكذا ينبغي أن نتعامل مع الناس، أن نقبل اعتذارهم وتأسفهم، وأن نغفر لهم ذنوبهم، إن أردنا كذلك أن يغفر الله لنا. قال: "واقبل المعذرة واغفر الذنب، كن ممن يرجى خيره ويؤمن شره". لا تبغض أحدًا ممن يطيع الله. كن رحيما للعامة والخاصة، ولا تقطع رحمك، وصل من قطعك، وصل رحمك وإن قطعك، وتجاوز عن من ظلمك، تكون رفيق الأنبياء والشهداء. قلنا: هذه العبارات عليها كلها أدلة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. "وأقل دخول السوق، فإنهم ذئاب عليهم ثياب، وفيها مردة الشياطين من الجن والإنس. وإذا دخلتها فقد لزمك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنك لا ترى فيها إلا منكرًا، فقم على طرفها فقل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". فقد بلغنا أنه يكتب لقائلها بكل من في السوق، أعجمي أو فصيح، عشر حسنات. يعني: هذا مما لم يرد، لكن فيه فضل عظيم، الذي يقول هذا الدعاء عند دخول السوق. "ولا تجلس فيها، واقض حاجتك وأنت قائم، يسلم لك دينك". إذن دخول السوق يكون بآداب، وأيضًا الداخل للسوق يذكر الله سبحانه وتعالى، وعليه أن يسارع في الخروج من السوق بأن يقضي حاجته ويخرج، لأنها مكان الشياطين، وينصب الشيطان فيها رايته، لأنها ليست بأماكن لوجود الملائكة. فإذا دخلت السوق ذكرت الله عز وجل، أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، وغضضت بصرك عن المحارم، وقضيت حاجتك بإسراع، ثم خرجت منه مسرعًا. طيب، لعل وقت الصلاة قد جاء. إن شاء الله نكمل نصيحة الإمام سفيان رحمه الله تعالى في درس قادم بإذن الله رب العالمين. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.