الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش أهمية الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ويحذر من التعلق بالدنيا والإقبال على المعاصي. يشدد على وجوب إخلاص النية في طلب العلم لرفع الجهل عن النفس والناس.
يشرح معنى بيع نعيم الدنيا لنيل نعيم الآخرة، ويبين أن نعيم الجنة لا مثيل له في الدنيا. يحث على الزهد في الدنيا والترغيب في الآخرة لتحصيل السعادة الأبدية.
يجب على المؤمن الحرص على إصلاح آخرته حتى وإن تطلب الأمر تضحية بدنياه. ينبغي للمؤمن الفطن وضع آخرته نصب عينيه ولا يضحي بدينه لأجل مصالح دنيوية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في قصيدته الميمية، في كلامه على الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، وأنه لا ينبغي لطالب العلم وللعالم أن يبيع الآخرة لأجل الدنيا، قال رحمه الله: بخلت بشيء لا يضرك بذله، وجدت بشيء مثله لا يقوم بخلت بذل حظ الخسيس دناءة، وجدت بدار الخلد لو كنت تفهم قال علامة عثيمين رحمه الله: قوله «بخلت بشيء لا يضرك بذله» أي الدنيا، فالدنيا لو تذهب كلها عنك ما تضرك، يعني بخلت بذلها بتركها والزهد فيها وعدم التعلق بها والعمل لها، فإنك إن فعلت ذلك لم يضرك، لا يضرك ترك الدنيا كلها بما فيها. وقوله «وجدت بشيء مثله لا يقوم» أي الجنة والآخرة، فهذا شيء لا يمكن أن تكون قيمة له كل الدنيا، فالدنيا بما فيها من كنوز وأموال وذهب وفضة ومتاع وغير ذلك من شهوات النفوس وملذاتها، فإن لا تساوي الجنة بما فيها من النعيم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الموضع صوت أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها»، والحديث في البخاري من حديث سالم بن سعد السعدي رضي الله عنه. قال أخرجه الإمام البخاري من حديث سالم لسعد السعدي. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لَموضع صوت أحدكم»، كم يكون مقدار هذا الصوت؟ الجواب أن نقول: هو متر، مثلا، فتأمل، هو خير من الدنيا وما فيها، يعني موضع الصوت في الجنة خير من الدنيا بما فيها من الدنيا كلها، خير من الدنيا كلها بما فيها. قال: وقوله «الدنيا ليست هي دنياك التي تعيشها ولا دنيا عصرك فحسب، بل هي الدنيا كلها من أولها إلى آخرها»، يعني خير من الدنيا منذ أن خلقها الله عز وجل إلى فنائها، موضع الصوت خير منها، هذا موضع الصوت، فكيف بما هو أكبر من ذلك وأكثر من ذلك؟ قال: إذن فكل الذين يسعون للجاه أو يسعون للمال، إنما يصيبهم إنهم حصلوا على ذلك المال والجاه فقط، وكل هذا لا يساوي شيئا عند الله عز وجل، فما بالنا نهدم صرحة العلم بهذه النية الدنيا؟ فالواجب أن يصحح الإنسان نيته لطلب العلم، وطالب العلم ينبغي أن يحرص على مجاهدة نفسه في إخلاص النية، وأن يكون مراده ما عند الله جل وعلا. سئل الإمام أحمد رحمه الله: كيف الإخلاص؟ كيف إخلاص النية في طلب العلم؟ قال: «أن تنوي رفع الجهل عن نفسك وعن الناس، تريد بهذا العلم أن ترفع الجهل عن نفسك فتعبد الله بعلم وبصيرة، وهكذا تنفع الناس بهذا العلم وتعلمهم مما علمك الله سبحانه وتعالى». ثم قال رحمه الله: وَبِعْتَ نَعِيمًا لَنْقِضَاءَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ بِبَخْسٍ عَنْ قَلِيلٍ سَيُعْدَمُ قال رحمه الله: قوله «وَبِعْتَ نَعِيمًا لَنْقِضَاءَ لَهُ» أي نعيم الجنة، فإنه لن قضاء له ولا نظير، لن قضاء لا ينتهي، نعيم الجنة نعيم مستمر باق دائم، لن قضاء له ولا نظير له، أي ليس له مثيل من نعم الدنيا، مهما تنعم الإنسان في هذه الدنيا، فإن نعيم الدنيا لا يساوي شيئا من نعيم الآخرة. قال الله تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾، لا تعلم نفس ما أخفي لهم يعني في الجنة من النعيم، من قرة أعين الذي تقر به أعين أهل الجنة وأهل الإيمان. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: عددت لعبادي الصالحين ما لا عين رات ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر»، ما لا عين رات يعني ما لم تره بعينيها، يعني كل ما في هذه الدنيا من النعيم الذي يراه الإنسان بعينيه، فإن في الجنة من النعيم ما لم يره، أي لا يوجد مثله في الدنيا، ولا أذن سمعت يعني حتى ما سمعه مما أخبر الله عز وجل به وأخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، فهناك أشياء أخرى لم يسمع بها من نعيم الجنة، ولا خطر على قلب بشر، لو جلس الإنسان الآن يتفكر ويعني يتذكر ما يريد من النعيم ويرغب فيه، كل ما يخطر في باله، ففي الجنة من النعيم ما لم يخطر على باله أبدا. قال رحمه الله: وقول ابن عباس «ليس شيء في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء»، وهذا الأثر رجل بن جارين رحمه الله في تفسيره وغيره، قال: ليس في شيء في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء. قال رحمه الله: فالرمان، وشجر مثمر، فالرمان مثلا موجود في الدنيا وفي الجنة، ولكن بين هذا وهذا فرق عظيم، يعني التشابه هو في الأسماء فقط، التشابه في الأسماء، وهكذا أيضا نخل التمر والموز والعنب ونحوها من فواكه الجنة، يوجد مثلها في الدنيا، لكن التشابه هنا في الأسماء، لكن في اللذة والطعم فإنه خلاف فواكه الدنيا. قال رحمه الله: فهل عكست الأمر إن كنت حازما، ولكن أضعت الحزم لو كنت تعلم. قال رحمه الله: قوله «فهل» لا للتحضيض، والمعنى أن المؤلف رحمه الله يحضنا على أن نعكس الأمر، وذلك بأن نجود بشيء لا يضرنا بذله، ونبخل بشيء مثله لا يقوم، بل نعض عليه بالنواجد، ونبيع الشيء الخسيس الدنيئ بالشيء الذي لا نظير له ولا نفاد، يعني أن نبيع الدنيا ونزهد فيها لأجل الآخرة. قال: فالدنيا لا يضر الإنسان تركها، ولا يلحقه ضرر، بخلاف لو زهد في الآخرة من أجل الدنيا، فإنه بهذا يبني دنياه ويهدم آخرته، ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام مبينا هذا المعنى، وأن حرص الإنسان على الدنيا سبب لضياع الآخرة، قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثر ما يبقى على ما يفنى». قال رحمه الله: وتهدم ما تبني بكفك جاهدا، فأنت مدى الأيام تبني وتهدم قالوا: هذا صحيح، فإن حال من أضاع نفسه كحال من يبني ويهدم، والبناء هنا ليس هو البناء الحسي، كبناء الجدران، وإن المراد به البناء المعنوي، فتجده يعمل طاعة ويعمل معصية، يعمل ظلما ويعمل عدلا، ويعمل صالحا ويعمل فسادا، وهكذا، فهو يبني ما يهدم ويهدم ما يبني، يهدم ما يبني من الأعمال الصالحة، من الطاعات والقربات، ويهدمها بالمعاصي، بما يقابلها من المعاصي والذنوب. قال: وتهدم ما تبني بكفك جاهدا، فأنت مدى الأيام تبني وتهدم، كل ما عملت عملا صالحا هدمته بالمعاصي والذنوب، فمتى يعني يبلغ البنيان تمامه إذا كان هذا الحال؟ إنسان في فعل الذنوب والمعاصي والإقبال عليها، وأتساهل في فعلها. قال: نعم، ذكرت الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثر ما يبقى على ما يفنى»، من أحب دنياه أضر بآخرته، الذي يحب الدنيا ويتعلق بها، فإنه سيضر بآخرته، لأنه سيعمل لأجل الدنيا، لأجل راحة فيها ونيل ما يريده من شهواتها ولذاتها، فهو بهذا يضر بآخرته. ومن أحب آخرته أضر بدنياه، من أحب الآخرة وتعلق قلبه بها، أضر بدنياه، لأنه سيترك أشياء كثيرة يحتاج لها، لكنه سيتركها إيثارا للآخرة ورغبة فيما عند الله جل وعلا، فسيفوته كثير من أمور متاع الدنيا، لكن هذا لا يضر، لأنه آثر الآخرة على هذه الحياة الفانية. والحديث صححه شيخ الباني رحمه الله من حديث أبي موسى، وجاء أيضا بلفظ آخر في حديث آخر: «الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون»، مرة الدنيا حلوة، مرة الدنيا مرة الدنيا حلوة، الآخرة، يعني كون الإنسان في الدنيا يعيش في مرارة، في شيء من الضيق، وشيء من ضيق العيش، لكنه يصبر على ذلك، ويستقيم على طاعة الله سبحانه وتعالى، فإن ذلك سيعوض به في الآخرة، بأن يكون له حلوة الآخرة بما فيها من النعيم. وحلوة الدنيا مرة، الآخرة، إذا راذ أن يتحلى في هذه الحياة وينال كل ما تريده نفسه ويتنعم على حساب دينه وطاعة ربه، فإنه في العاقبة سيذوق المرارة في الآخرة، سيذوق المرارة في الآخرة. فكما سمعنا المؤمن الفطن يحرص على إصلاح آخرته ولو هدم دنياه، ولا يصلح دنياه بهدم آخرته، وكما قال القائل: نرقع دنيانا بتمزيق ديننا، فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع. طيب الله ثراه، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.