كتاب الصلاة 4

الدرس في كتاب الصلاة 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

الأوقات المنهي عن الصلاة فيها والحكمة من ذلك

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثلاثة أوقات: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى تميل إلى الغروب، وعند غروبها حتى تغرب. الحكمة من النهي هي عدم مشابهة الكفار ولأنها ذريعة إلى الصلاة في أوقات الكراهة.

استثناء يوم الجمعة من النهي عن الصلاة في وقت الزوال

اختلف أهل العلم في استثناء يوم الجمعة من النهي عن الصلاة في وقت الزوال، والأظهر هو الاستثناء لورود أحاديث ترتقي إلى الحسن بمجموع طرقها. هذا يدل على جواز الصلاة في هذا الوقت يوم الجمعة.

حكم الصلاة في أوقات النهي في البيت الحرام ولغيره

اختلف أهل العلم في جواز الصلاة في البيت الحرام في أوقات النهي، والصحيح جواز ركعتي الطواف في أي وقت. كما يجوز أداء الصلوات ذات السبب في أوقات النهي في الأماكن المقدسة وغيرها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الصلاة، في باب المواقيت، قال: وله، أي مسلم رحمه الله، بصحيحه، عن عقبة بن عامر، قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب». هذا الحديث لعقبة بن عامر رضي الله عنه، فيه بيان ثلاثة أوقات من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، وكذلك أيضًا عن صلاة الجنازة، أو دفن الميت في مثل هذه الأوقات. حين تطلع الشمس بازغة يعني ظاهرة عند طلوعها حتى ترتفع، والوقت الثاني حين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، يعني عند وصول الشمس إلى وسط السماء قبل الزوال، أو عند الزوال حتى تزول، يعني تميل إلى جهة الغروب، وفي رواية في مسلم: «حتى تميل الشمس». قال: وحين تضيف الشمس للغروب، يعني عند غروب الشمس وتهيئها للغروب وسقوط قرص الشمس. فهذه ثلاثة أوقات ينهى عن الصلاة فيها: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى تزول، وعند غروبها حتى تغرب. فهذه الأوقات الثلاثة لا يجوز الصلاة فيها حتى يزول وقت النهي بارتفاع الشمس عند طلوعها، والمراد بارتفاعها - يعني اختلف أهل العلم - هل مراد بارتفاعها مجرد أن ينفصل قرص الشمس عن الأفق، أو حتى ترتفع؟ فجمهور أهل العلم على أن النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس حتى ترتفع، تنفصل الشمس عن الأفق وترتفع، كما سيأتي ضابط الارتفاع. وذهب بعض الشافعية إلى أن النهي يزول بارتفاع قرص الشمس، يعني إذا اكتمل قرص الشمس وارتفع ولو شيء يسير، قالوا: هنا يزول النهي، هنا يزول وقت النهي، حتى لو لم ترتفع، يعني مجرد طلوع قرص الشمس واكتماله، قالوا: يزول النهي. والصحيح أنه لا بد من ارتفاع الشمس، لا بد من ارتفاع الشمس. وضابط هذا الارتفاع أن ترتفع قيد رمح، أن ترتفع قيد رمح. وجاء هذا القيد في حديث لأبي أمامة عند الإمام عبد الرزاق في مصنفه، ومن طريق عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامة. وعبد الرحمن بن سابط لم يدرك أبا أمامة، فيه انقطاع، لكنه حسن في الشواهد. إذن يكون ضابط الارتفاع أن ترتفع الشمس قيد رمح، وهنا يزول النهي، ويشرع للإنسان أن يصلي. وأما في وقت الزوال، فوقت النهي وقت يسير، يعني حين تصل الشمس إلى كبد السماء حتى تزول وتميل إلى جهة الغروب، هذا وقت يسير. بعض العلماء يقول: قدر قراءة الفاتحة، وبعضهم يقول: قدر خمس دقائق، لكن الإنسان من باب الاحتياط يدعو الصلاة في هذا الوقت قدر عشر دقائق أو نحوها، فإذا دخل وقت الظهر زال وقت الكراهة. وحينئذ يصلي. وعند الغروب حتى تغرب بالكامل، ويدخل وقت المغرب، فحينئذ يزول هذا الوقت والكراهة في مثل هذا الوقت. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة من النهي عن الصلاة في مثل هذه الأوقات في حديث عمرو بن عبسة، في مسلم، لما سأله عن الصلاة، وبين له النبي صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات، ثم ذكر له أنه إذا طلعت الشمس فأقصر عن الصلاة، فإنها حينئذ تطلع بين قرني الشيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار. وقال مثل ذلك عند الغروب، قال: مثل ذلك عند الغروب، يعني أنها تغرب بين قرني الشيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار. فتكون العلة والحكمة في النهي عن الصلاة في هذين الوقتين هو عدم مشابهة الكفار، عدم مشابهة الكفار في السجود للشمس في مثل هذا الوقت. والنهي عن الصلاة بعد العصر، وهكذا بعد الصبح، هذا لسد الذريعة، أنه ربما يصلي بعد الصبح فيستمر في الصلاة حتى تطلع الشمس، فيصلي في هذا الوقت، أو يصلي بعد العصر ويستمر حتى تغرب الشمس، فيصلي في هذا الوقت. لما كانت الصلاة في مثل هذا الوقت ذريعة إلى الصلاة عند طلوعها وعند غروبها، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مثل هذه الأوقات. وأما عند زوالها، فقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عمرو بن عبسة: «فإن حينئذ تسجر جهنم»، يعني لما نهى عن الصلاة عند زوال الشمس: «تسجر»، يعني تتوقد نارًا. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذا الوقت حتى تزول، أي تميل الشمس إلى جهة الغروب، فيدخل وقت الظهر، وحينئذ يزول وقت النهي. إذن أوقات النهي عن الصلاة خمسة أوقات، النهي عن الصلاة في خمسة أوقات. ما هي؟ عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى تزول، وعند غروبها حتى تغرب، وبقية وقتان: بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر. هذه خمسة أوقات ينهى عن الصلاة فيها. والمراد بها الصلاة المطلقة، النافلة المطلقة التي ليس لها سبب. أما ما لها سبب، كما مر معنا: كتحية المسجد، وصلاة الجنازة، وركعتي الطواف، وركعتي الوضوء، ونحو ذلك، هذه يجوز فعلها في أوقات النهي، إلا أن الأفضل ألا تفعل في أوقات النهي الثلاثة التي عند طلوع الشمس، وعند زوالها، وعند غروبها، لأن النهي فيها شديد، فلأولى ترك الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة، وإن كانت الصلاة لها سبب، حتى يزول هذا النهي. قال رحمه الله: والحكم الثاني عند الشافعي من حديث أبي هريرة بسند ضعيف، وزاد: «إلا يوم الجمعة»، يعني في هذا الحديث فيه استثناء يوم الجمعة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات عند زوال الشمس، أنه يستثنى يوم الجمعة، فالإنسان أن يصلي ولو عند زوال الشمس. وهذا الحديث كما قال الحافظ رحمه الله بسند ضعيف، فقد رواه الإمام الشافعي رحمه الله من طريقه البيهقي، وهكذا البغوي في «شرح السنة»، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة وذكره. وهذا السند الضعيف جدًا، إبراهيم بن محمد هو ابن أبي يحيى، كذبه مالك ويحيى القطان وابن معين وغيرهم، وإسحاق بن عبد الله هو ابن أبي فروة، وهو متروك، فالحديث لا يصح. قال: وكذا لأبي داود عن أبي قتادة نحوه، يعني عند أبي داود في سننه من حديث أبي قتادة كذلك استثناء يوم الجمعة. ورواه أبو داود من طريق الليث عن مجاهد عن أبي الخليل عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: «إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة». والحديث ضعيف، قال أبو داود بعد أن ذكر هذا الحديث: «وهو مرسل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة»، وفيه علة ثانية: هو الليث بن سليم، وهو مختلط. إذن الحديث لا يصح. وهنا اختلف أهل العلم في حكم هذه المسألة، وهو: هل تكره الصلاة عند الزوال في يوم الجمعة؟ أو للإنسان أن يصلي ولا يلتفت إلى وقت الزوال؟ فمن احتج بهذه الأحاديث، ورأى أنها بمجموعها ترتقي - يعني إلى الحسن - وإن كانت ضعيفة، وأن لها طرقًا، كما قال البيهقي رحمه الله: الحديث له طرق وإن كانت ضعيفة، قال: بأن يوم الجمعة يستثنى من النهي عن الصلاة في وقت الزوال، أن يوم الجمعة يستثنى من النهي عن الصلاة في وقت الزوال. وهذا هو قول الإمام الشافعي رحمه الله، ووجع عند الحنابلة، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والعلامة ابن باز رحمه الله، قالوا: بأن يوم الجمعة يستثنى من النهي لهذه الأحاديث الضعيفة، لكن مجموع طرقها تدل على أصل هذا الحكم. وهكذا أيضًا أن النبي عليه الصلاة والسلام رغب في الذهاب للجمعة والتبكير إليها، ويستحب للمسلم في يوم الجمعة أن يكثر من الصلاة، قد يصلي الإنسان، ومعلوم أن الخطيب لا يأتي إلا في وقت الجمعة، وقت الزوال، فهو ربما يستمر في الصلاة حتى يرى الخطيب قد صعد على المنبر، فحينئذ يترك الصلاة، فقد يصلي في وقت الزوال. قد يصلي في وقت الزوال مع الترغيب في الصلاة في مثل ذلك اليوم، قال: بدل هذا على أنه لا بأس يصلي ولو زالت الشمس. وكذلك أيضًا ما ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم أنه كانوا يصلون في يوم الجمعة ويكثرون من الصلاة. والقول الثاني هو المنع، وقول جمهور أهل العلم: أن يوم الجمعة لا يستثنى، هو كغيره من الأيام، فالصلاة في وقت الزوال منهي عنها. والأظهر - الله أعلم - هو استثناء يوم الجمعة، لهذه الأحاديث، وإن كان فيها ضعف، لكن كما سمعنا لكثرة طرقها تدل على أصل هذا الحكم. وكذلك أيضًا استحباب النبي صلى الله عليه وسلم للتبكير إلى يوم الجمعة لنيل أجر ذلك اليوم، واستغلال وقته بقراءة القرآن والصلاة. وقد يأتي الإنسان يصلي ولم يأتِ - يعني النهي - أو ترك الصلاة قبل الجمعة أو قبل صعود الخطيب على المنبر أو في وقت الزوال، فهذا - والله أعلم - يدل على أنه يوم الجمعة يستثنى من النهي. قال رحمه الله: عن جبير ومطعم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصل أي ساعة شاء من ليل أو نهار». رواه الخمسة، وصححه الترمذي وابن حبان. هذا الحديث لجبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه، وهو ممن أسلم قبل الفتح، كان إسلامه بين صلح الحديبية وفتح مكة. في البخاري أنه قدم على النبي عليه الصلاة والسلام في فداء أسارى بدر، فسمع النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ في المغرب «الطور»، فلما بلغ عليه الصلاة والسلام قول الله جل وعلا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ﴾، قال: كاد قلبي أن يطير، وهو أول ما وقر الإسلام في قلبي، رضي الله عنه. وكان عالما بأنساب قريش وأنساب العرب. النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث يقول: «يا بني عبد مناف»، وعبد مناف ابن قصي، جد النبي عليه الصلاة والسلام الثالث، وكان ذريته ممن لهم السيادة في أهل قريش، بقيامهم بأمور البيت: الحجابة والسقاية والسدانة، فكانت بأيديهم، فلهذا خاطبهم النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، أو صلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار»، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار. فهذا الحديث حديث صحيح، فيه إذن النبي عليه الصلاة والسلام للإنسان أن يصلي في البيت الحرام في أي وقت، أن يصلي في البيت الحرام في أي وقت. وهذا العموم يشمل أوقات النهي، يشمل أوقات النهي، قال: «وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار»، له أن يصلي في أي وقت. وهنا اختلف أهل العلم: هل للإنسان أن يصلي في البيت الحرام في وقت النهي؟ يعني مثلًا إنسان طاف حول البيت بعد الفجر، طيب إذا انتهى سيصلي ركعتي الطواف، سيصلي ركعتي الطواف، معلوم أن الصلاة بعد الفجر منهي عنها حتى تطلع الشمس، أو طاف بعد العصر وسيصلي ركعتي الطواف بعد انتهائه من الطواف، وهذا سيكون بعد العصر قبل غروب الشمس، فهل له أن يصلي ركعتي الطواف في مثل هذا الوقت أم لا؟ فالحديث يدل على أنه يجوز أن يصلي ركعتي الطواف في وقت النهي، بعد الصبح أو بعد العصر، قال: «وصلى أي ساعة شاء». وهذا هو الصحيح: أن للإنسان أن يصلي في البيت الحرام ركعتي الطواف في أي وقت، وليس عليه في ذلك حرج. وهذا قول الإمام الشافعي وأحمد، هو قول جمهور أهل العلم، قول جمهور أهل العلم: أنه ليس عليه حرج في ذلك. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه ليس له أن يصلي ركعتي الطواف في وقت النهي، ليس له أن يصلي ركعتي الطواف في وقت النهي، وإنما ينتظر حتى يزول النهي، استدلوا بأثر عن عمر رضي الله عنه أنه طاف بالبيت بعد الفجر، ولم يصل ركعتي الطواف حتى خرج من مكة، ثم طلعت الشمس فصلى ركعتين. والصحيح الأول: الصحيح الأول قول الجمهور، أنه يجوز لعموم هذا الحديث، أنه يصلي في أي ساعة شاء. واختلف أهل العلم كذلك: هل هذا الحديث المراد به صلاة الطواف خاصة، ركعتي الطواف، أو أي صلاة من الصلوات ذوات الأسباب؟ يعني له أن يصليها في أي وقت شاء، له أن يصلي ما شاء من الصلوات في أوقات النهي، أو أن هذا خاص بركعتي الطواف؟ أيضًا في خلاف بين العلماء. الصحيح والأظهر: أن هذا خاص بركعتي الطواف، أنه خاص بركعتي الطواف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطواف، ثم قال: «وصلى أي ساعة شاء»، لأنه معروف أن من طاف حول البيت فإنه يستحب له أن يصلي ركعتي الطواف، فسيحتاج أن يصلي، وقد يكون ذلك في وقت نهي: كبعد الفجر أو بعد العصر أو عند زوال الشمس، فإذن الخطاب هنا متعلق بصلاة ركعتي الطواف، فيكون المراد بقوله: «يصلى أي ساعة شاء»، أي ركعتي الطواف، له أن يصليها في أي وقت شاء، وليس المراد غيرها من الصلوات. أو أنه يصلي ما شاء من الصلوات في أوقات النهي، بل هذا يشمل سائر الأماكن، يعني صلاة النافلة المطلقة، صلاة النافلة المطلقة، هذا منهي عنها في سائر الأوقات، وفي سائر الأماكن، حتى في البيت الحرام، إلا - يعني - الصلاة ذات السبب، أو كذلك صلاة ركعتي الطواف، فله أن يصليها في وقت النهي. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.