التعليق على الجواب الكافي 26

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خشية أبي بكر الصديق وعبادته ومحاسبته لنفسه

يبرز المقطع الفرق بين السلف الذين جمعوا بين العمل والخوف، وبين المتأخرين الذين جمعوا بين التفريط والأمن. يستعرض أحوال أبي بكر الصديق رضي الله عنه من شدة خشية الله، وخشوعه في الصلاة حتى شبه بالعود، ومحاسبته الدقيقة لنفسه عند الاحتضار حتى في الأمور اليسيرة.

خوف الصحابة رضي الله عنهم من عذاب الله وشدة بكائهم

يسرد المقطع مواقف تدل على شدة خوف عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم من عذاب الله. كانوا يبكون حتى يمرضوا أو تبل لحاهم، ويتمنون النجاة فقط دون نظر للأجر، ويخافون من طول الأمل واتباع الهوى اللذين يُنسِيان الآخرة.

تذكير بالموت وقصر الأمل وزهد الصحابة في الدنيا

يصور المقطع درس النبي صلى الله عليه وسلم بخط طويل للأمل ومربع للأجل ليبين أن الأجل محيط بالإنسان. ينقل أقوال الصحابة كعلي وأبي الدرداء وابن عباس وأبي ذر وتميم الداري وأبي عبيدة، التي كلها تحذر من طول الأمل واتباع الهوى، وتؤكد قرب الحساب وفضل الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.

زهد الصحابة وتوجههم للآخرة لخوفهم من الله

كان الصحابة رضي الله عنهم لا يرون للدنيا قيمة حقيقية لتمكن الإيمان من قلوبهم وخوفهم من الله. فوجهوا قلوبهم وعملهم للآخرة، وهذا يفسر أقوالهم وأفعالهم الزاهدة في متاع الحياة الدنيا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: قال رحمه الله: «ومن تأمل أحوال الصحابة رضي الله عنهم وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير بل التفريط والأمن، وهذا هو الفرق بين السلف وبيننا؛ فالسلف جمعوا بين العمل والخوف، الصحابة والتابعون ومن بعدهم من السلف جمعوا بين العمل والخوف، ونحن جمعنا بين التفريط والأمن». قال رحمه الله: «فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن». ذكره أحمد عنه، أي في كتاب الزهد لأحمد. أن هذه الآثار التي ذكرها المؤلف أكثرها في كتاب الزهد الذي يرويه عبد الله بن أحمد عن أبيه، وكذلك بعضها في الزهد لابن المبارك، والزهد للوكيع، وكذلك الزهد للإمام البيهقي، والزهد الكبير. ونسميه الإمام البيهقي الزهد الكبير لأنه جمع بين هذه الكتب. قال: «وذكر عنه أنه كان يتمثل كل زمان» -أي الصديق رضي الله عنه- «ويقول: هذا الذي أوردني الموارد». وهذا صحيح عنه، جاء بسند صحيح. وكان يبكي كثيرًا، ويقول: «ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا». وهذا جاء مرفوعًا ولا يصح، لكنه موقوف على الصديق رضي الله عنه. قال: «وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله». وأتى بطائر فقلبه، ثم قال: «ما صيد من صيد، ولا قطعت من شجرة، إلا بما ضيعت من التسبيح». وأما صلاته رضي الله عنه فمشهورة، وكان من أحسن الناس صلاة. كان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود، وكان أيضًا يخشع كثيرًا في الصلاة. يقول الإمام أحمد عن عبد الرزاق -وما ذكر ذلك في المسند، في مسند الصديق رضي الله عنه-: قال عبد الرزاق: «ما رأيت أحسن الناس صلاة من ابن جريج، أخذها عن عطاء، وأخذها عطاء عن عبد الله بن الزبير، وأخذها ابن الزبير عن جده، عن جده أبي بكر، وأخذها أبو بكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم». عن توارد في الصلاة وإسناد في الصلاة، أي كلا أخذها من غيره إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والمراد بالصلاة هنا: صلاة الخشوع وعدم الحركة في الصلاة. كان يقول: كان عبد الرزاق يقول: «كان ابن جريج إذا صلى لا يتحرك كأنه عود». كذلك ذكر عن ابن الزبير أنه كان إذا صلى جاءت الطير فوق رأسه وكتفه حتى تظنه عودًا، ليس إنسانًا، معنى لعدم تحركه في الصلاة، وكذلك لخشوعه. طيب. قال رحمه الله: «وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: أتي بطائر فقلبه». أنا كان معه طائر فقلبه، ثم قال: «ما صيد من صيد، ولا قطعت من شجرة، إلا بما ضيعت من التسبيح». أنا هذا الصيد ما صيد إلا لأنه ضيعت التسبيح، وما قطعت الشجرة إلا لأنها ضيعت التسبيح. قال: «فلما احتضر قال لعائشة: يا بنية، إني أصبت من مال المسلمين هذه الدِّبَاءة، وهذا الحِلَاب، وهذا العبد». الحِلَاب: لعجل أن يحلب له اللبن من الناقة. أنا إمام المسلمين وليس معه شيء من هذه الأمور التي قد تكون في أكثر البيوت. أنا محلب يحلب به الناقة، وكذلك عبد يخدمه. فقال: «يا بنية، إني أصبت من مال المسلمين هذه العباءة» -أنا عباءة كان يلبسها- «وهذا الحِلَاب وهذا العبد، فأسرع به إلى ابن الخطاب». وقال: «والله وددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعبد». وقال: «قد بلغني أن أبا بكر قال: ليتني خضرة تأكلني الدواب». هذا كله خوف من عذاب الله أن يعذبه الله عز وجل، وهو لا يعلم الغيب. وإلا فهم قد أُخبروا بأن الله عز وجل سيدخلهم الجنة كما أخبرهم نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكن ما دخلوا الجنة وما أدخلهم الله الجنة إلا بمثل هذا الخوف العظيم الذي كان في قلوبهم تعظيمًا لله. قال: «وهذا عمر قرأ سورة الطور حتى بلغ ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾، بكى واشتد بكاؤه حتى مرض، وعادوه. وقال لابنه وهو في الموت: ويحك، ضع خدي على الأرض، عسى أن يرحمني». وهذا صح من طرق أن عمر قال هذا في مرض موته رضي الله عنه. قال: «ثم قضى». قال: «بل ثم قال: بل ويل أمي، إن لم يغفر لي، ثلاثًا، ثم قضى». وكان يمر بالآية في ورده بالليل فتخيفه، فيبقى في البيت أيامًا يعاد، يحسبونه مريضًا. قال: «وكان في وجهه رضي الله عنه خطان أسودان من البكاء، على من كثرة البكاء حتى صارتا متنين». وقال لهم عباس: «مصر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح». وهذا في مرض موته لما طعن، طعنه أبو لؤلؤة المجوسي الخبيث. فبعد ذلك أخذ إلى بيته، فدخل عليه الناس، فدخل ابن عباس رضي الله عنه وأراد أن يرفع من معنوياته كما يقال، ويجعله يحسن الظن بربه، فيذكر له بعض ما فعله رضي الله عنه. فقال: «مصر الله بك الأمصار، مصر الله بك الأمصار» -أي جعل أمصارًا وجمعهم على كلمة واحدة- «وفتح بك الفتوح، وفعل وفعل». فقال رضي الله عنه: «وددت أني أنجو، لا أجر ولا وزر». أنا يقول: أنجو فقط، ما أريد هذا الأجر كله، أريد النجاة. قال: «وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبل لحيته، وقال: لو أنني بين الجنة والنار ولا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادًا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير». أما وقوفه وبكاؤه في القبر فهذا ثابت عند أحمد والترمذي: أنه كان يقف على القبر ويبكي حتى تبل لحيته رضي الله عنه، ويقول: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إن أول منازل الآخرة القبر. إن أول منازل الآخرة القبر». أي: من نجا في القبر سينجو في الآخرة، ومن عذب في القبر فسيعدى في الآخرة. قال: «وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبكاؤه وخوفه، وكان يشتد خوفه من اثنتين: طول الأمل، واتباع الهوى». قال: «فأما طول الأمل فينسي الآخرة». طول الأمل معناها: أن الإنسان يتأمل أشياء في الدنيا، يتأمل أنه يفعل ويفعل، فهذا الأمل ينسيه الآخرة. ولهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما ذكر طول الأمل، جاء وضع خطًا أو نقطة وضعها في مكان، ثم وضع بجانبها نقطة أخرى، فقال: «هذا الإنسان وهذا أجله»، ثم وضع نقطة بعيدة جدًا، وقال: «هذا أمله». يعني: يمر، ثم وضع خطًا طويلًا إلى الأمل. وجاء في الصحيحين أنه جعل خطًا طويلًا، وجعل مربعًا على هذا الخط. أنا قال: «هذا هذا هذا هذا أمله، وهذا أجله». أي: هذا المحيط به هو الأجل، والذي يمر والخط والخط الطويل هذا هو الأمل. فأن الإنسان من طبيعته أنه يذهب إلى الأمل وينسى الأجل، فلذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأجل محيطًا به أينما ذهب، فالأمل محيط به، أو فالأجل محيط به، وجعل هناك خطوطًا صغيرة بعد الأجل، قال: «هذه العرَاض، إن أخطأه هذا، إن أخطأه هذا، تركه هذا». فلذا أراد أن يوضح لنا أن يقرب الأمر، أن الإنسان مهما أمل وتمنى في هذه الحياة، فإن أمله يطول، والأمل طويل جدًا ما سينقطع، لكن ينبغي عليه أن ينظر إلى ما هو أقرب إليه وهو أجله، فهو أقرب إليه من أمله. فلذا كان علي رضي الله عنه يذكر الناس بمثل هذا: طول الأمل واتباع الهوى. قال: «فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق. ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحدة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل». قال: «وهذا أبو الدرداء رضي الله عنه كان يقول: إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال لي: يا أبا الدرداء، قد علمت، فكيف عملت فيما علمت؟» وكان يقول: «لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت، لما أكلتم طعامًا على شهوة، ولا شربتم شرابًا على شهوة تشتهونه، وإنما تأكلون وتشربون لأجل أن تتقوموا. ولا دخلتم بيتًا تستظلون فيه، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم وتبكون على أنفسكم». ووددت أني شجرة تعضد ثم تؤكل. والإنسان إذا كان يأكل طعامًا ليس لأجل شهوة، فإنه يأكل ما تيسر، يأكل ما تيسر وما جاء، وما أعطأ أو ما يسره الله له. ولكن إذا كان يريد طعامًا لشهوة، فهو يبحث عن ألذ الطعام. قال: «وكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشراك البالي من الدموع». وكان أبو ذر يقول: «يا ليتني كنت شجرة تعضد، ووددت أني لم أخلق». وعرضت عليه النعمة، وقال: «عندنا عنز نحلبها، وحمر ننقل عليها، ومحرر يخدمنا». أنا: عبد. لكن قال: «محرر»، أراد أن لا يجعل، أن لا يقول: عبد. قالوا: «فضل عباءة، وإني أخاف الحساب فيها». أنا: عنز نحلبها لبننا، وحمر ننقل عليها، أنا عندهم حمير ينقلون عليها متاعهم، ومحرر يخدمنا، وفضل عباءة، وإني أخاف الحساب فيها. أنا: يخاف أن يحاسبه الله عز وجل على هذه. قال: «وهذا لأجل أن يخف على أنفسهم الحمل، لأن الإنسان كلما كثر ماله كلما زاد عليه الحمل، وكلما كثرت أشياؤه كلما زاد حمله». قال: «وقرأ تميم الداري ليلة سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، جعل يرددها ويبكي حتى أصبح». وقال أبو عبيدة عامر بن الجراح: «وددت أني كَمَش، فذبحني أهلي، وأكلوا لحمي، وحسوا مرقي». وهذا باب يقول: تتبعه. وإنما كان هذا شأنهم رضي الله عنهم، لأجل أنهم كانوا يخافون الله جل وعلا، وما قر الإيمان في قلوبهم، فلذا لم يروا الدنيا شيئًا، وقلوبهم اتجهت إلى الآخرة، فلذا يقولون مثل هذا الكلام رضي الله عنهم. فهذا إن شاء الله تعالى ما ذكر، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر