الدرس في التعليق على الجواب الكافي 67، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المعاصي تعمي بصيرة القلب وتطمس نوره وتؤدي إلى ظهور ظلمة فيه، مما يؤثر على أعمال الإنسان ويبعده عن الطاعة ويقربه من المعصية. تتسبب المعاصي في فساد القلب وظلمته.
ترك المعاصي يساعد في حفظ العلم ويزيد من نور القلب، بينما المعصية تسبب الظلمة وتضعف النور. الحفاظ الكبار استعانوا بترك المعاصي لتحسين حفظهم.
المعاصي تؤدي إلى ظلمة القلب وسواد الوجه في الدنيا والآخرة، وتملأ القبر ظلمة وتسبب عيشة الضنك. تضعف المعاصي النور في القلب وتزيد الظلام حتى يصل إلى الجوارح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: فصل، ومن عقوباتها أنها تعمي بصيرة القلب وتطمس نوره وتسد طرق العلم وتحجب مواد الهداية. أن هذه المعاصي والآثام والذنوب من عقوباتها أنها تعمي بصيرة القلب، أن القلب لا يفقه وتطمس نوره، فيكون فيه ظلمات. وقد تقدم معنا ما جاء في حديث محمد بن عمر بن علقمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إذا أذنب العبد ذنبا نكتت فيه نكتة سوداء، فإن هو تاب ورجع سقل قلبه»، أي عاد قلبه مثل ما كان أبيض، فإن عاد عادت، أي هذا السواد إن عاد إلى المعصية، وإن همك فيها عادت هذه الظلمة، قال: «حتى يعلو على قلبه الران». فهذه الظلمة إذا أظلمت القلب ذهبت بصيرته وسدت عليه طرق العلم. وأيضا حجبت عليه مواد الهداية، طرق الهداية. قال: وقد قال مالك للشافعي رحمهما الله لما اجتمع به، لما جاء الشافعي عند مالك بعدما جاء من مكة وسمع بالإمام مالك ذهب إليه، للشافعي فقال: لما اجتمع به ورأى تلك المخايل -المخايل معنى الأمارات والعلامات التي فيها من ذكائه رحمه الله- فقال: أي مالك، إني أرى الله تعالى قد ألقى عليك نورا فلا تقفعه بظلمة المعصية. فهذا الأثر ذكره الإمام ابن القيم، الله أعلم من الذي رواه. ففيه أن الإمام مالك يبين للشافعي رحمهما الله لما جاء يطلب العلم، قال: «إني أرى الله تعالى قد ألقى عليك نورا فلا تقفعه بظلمة المعصية»، لأن الطاعة تولد الحفظ، كذلك تولد النور في القلب والفقه في البصيرة، وأما المعصية فبعكس ذلك تذهب ذلك النور الذي في القلب، فلهذا تسد طرق العلم، لا يفقه ذلك العلم ولا ينتفع به، لا ينتفع بالعلم الذي معه. ولهذا كان الحفاظ الكبار يستعينون بالحفظ لترك المعاصي، حتى قال عبد الرحمن بن خراش: «كان وكيع حفظه قوي جدا ما يحمل معه كتاب»، فقلت له: «من أين لك هذا الحفظ؟» قال: «سأعطيك علاجه، هل تعمل به؟» قال: «نعم»، قال: «ترك المعاصي»، هذا العلاج. وقد جاء عن الشافعي في ديوانه الذي هو مشهور، وإن كان أكثر هذا الديوان غير صحيح، الظهر أنه جمعه شخص، فذكر أن هذا للشافعي بعض الأشعار ليست له، لكن ممكن أن يكون له. ففي هذا الديوان قال الشافعي: شكوت إلى وكيع سوء حفظه، فأرشدني إلى ترك المعاصي، وقال: «أعلم أن العلم نور، ونور الله لا يهدى لعاص». والشافعي قد طلب العلم عند وكيع، قد روى عنه في بعض كتب في كتاب الأم، فهو من مشايخه وكيع. فقال: «شكوت إلى وكيع سوء حفظي»، لماذا هذا سوء الحفظ؟ قال: «فأرشدني إلى ترك المعاصي». وهذا أيضا مثل ما قال وكيع لعبد الرحمن بن خراش، وهذا قد جربه السلف. وهذا أيضا يدخل في قول الله عز وجل: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾. والطاعة نور في القلب، والمعصية ظلمة في القلب. والعلم يحتاج إلى النور، العلم ما يفقه العبد وما ينتفع به إلا إذا كان في قلبه نور. والمراد بالنور هو الهداية، وأيضا انشراح الصدر للخير والطمانينة التي يجدها الطالب العلم في طلبه للعلم، وكذلك الطائع في طاعته لله. فهذا هو النور الذي في قلبه يحب الطاعة، وكلما ازداد هذا النور في قلبه ازداد محبته لطاعة ربه جل وعلا والقرب من الله. ولهذا كانت قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، ما جاء في حديث أنس: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». صلى الله عليه وآله وسلم. قال رحمه الله: ولا يزال هذا النور يضعف، ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحل شيئا فشيئا. وهذا كما ذكرنا في الحديث، كلما عاد إلى المعاصي كلما زادت هذه الظلمة وذهب ذلك النور، حتى يعلو على قلبه الران. قال: «ولا يزال هذا النور يضعف ويضمحل، وظلام المعصية يقوى حتى يصير القلب في مثل الليل البهيم الأسود». فكم من مهلك يسقط فيه ولا يبصره؟ لأنه إذا كان قلبه أسود لا ينتفع. ولهذا من ظلمة القلوب بالمعاصي وطبع الله عز وجل عليها، ما ذكره الله عز وجل عن بني إسرائيل وغيرهم في قوله سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، طبع على قلوبهم بسبب كفرهم والمعاصي بريد الكفر. قال: «فكم من مهلك يسقط فيه ولا يبصره، كأعمى خرج بالليل في طريق ذات مهالك ومعاطب». فيا عزة السلام، ويا سرعة العطب، عزيز من سلم من هذه المعاصي وابتعد عنها. قال: ثم تقوى تلك الظلمات وتفيض من القلب إلى الجوارح، فيغش الوجه منها سواد بحسب قوتها وتزايدها. فإذا كان عند الموت ظهرت في البرزخ، فامتلأ القبر ظلمة. قال: كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة، وإن الله منورها بصلاة عليهم». وهذا الحديث أخرجه الإمام البخاري، وكذلك الإمام مسلم، من طريق ثابت البناني عن أنس بن مالك عن أبي هريرة. وانظر إلى هذا الحديث العظيم، يخبر النبي صلى الله عليه وعلى وسلم أن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة، فلأنها فيها ظلمات، ولأن القبر جعله الله عز وجل بيت الوحشة، يدخله الرجل وحده فيجد تلك الظلمة، لكن الذي ينور عليه هي الأعمال. قد كان النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه ينور الله عز وجل لهم ظلمة القبر بصلاته عليه الصلاة والسلام ودعائه، وكذلك أيضا بعد موته عليه الصلاة والسلام بالعمل بسنته. قال: فإذا كان يوم المعاد وحشر العباد، عانت الوجوه سوادا ظاهرا يراه كل أحد، حتى يصير الوجه أسود مثل الفحم. قال: «الحمم هو الفحم أو الصخر أسود». فيالها من عقوبة، لا توازيها الدنيا بأجمعها من أولها إلى آخرها. فكيف بقسط العبد المنقوص المنكد المتعب في زمن الدنيا؟ وهذا هو الضنك وعيشة الضنك التي يصابها. قال: قال رحمه الله: «إنما هو ساعة من نهار، فالله مستعان». فخلاصة ما ذكره الإمام ابن القيم في هذه العقوبة أنها تعمي بصيرة القلب، فيقع الإنسان كلما انهمك في المعاصي كلما زادت عليه الظلمة في قلبه، وهذا تؤثر عليه في أعماله، فيبتعد عن الطاعة، وأيضا يمضي في معصية الله والعياذ بالله. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.