الدرس في التعليق على الجواب الكافي 69، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الذنوب والمعاصي تقيد العبد وتجعله أسيرًا لشهواته، وتكون طاعاته بلا أثر حقيقي. العاصي يكون في سجن الشهوات وقيود الهوى.
النبي صلى الله عليه وسلم مثل طريق الإنسان وأمله وأجله بالأخطوط، مبينا أن الأجل محيط بالإنسان. الشيطان ذئب الإنسان ويدعو إلى السبل المعوجة.
الشيطان يعد ذئب الإنسان الذي يفتك به إذا ابتعد عن أهل الطاعة. التقوى تحفظ العبد من الشيطان، والبعد عن الله له مراتب متفاوتة في الخطورة.
ما تم ذكره هو ما سيذكره الله تعالى، مع التأكيد على أن الله أعلم بكل شيء. الحديث يشير إلى أهمية ما سيذكره الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الجواب الكافي: فصل، ومن عقوباتها - أي الذنوب والمعاصي - أن العاصي دائمًا في أسر شيطان، وسجن شهواته، وقيود هواه، فهو أسير مسجون مقيد، ولا أسير أسوأ حالًا من أسير أسره أعدى عدو له. كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾. فهذا ربنا جل وعلا يبين أن من غفل وأعرض وخالف الله عز وجل وأراد شهواته، فإن الشيطان أسره وصار قرينًا له، صاحِبًا له. فلهذا فهو مسجون بسجن الشيطان، يمشي مع شهواته، ويفتح نفسه لشهواته ومأربه. وإن أطاع الله، فأطاعته غالبًا ليست حقيقية، أو أنه ليس لها أثر، ليس لها أثر في قلبي؛ لأنه صار أسير الشيطان. قال: ولا سجن أضيق من سجن الهوى؛ فما يهواه الإنسان خاصة هو الشهوات، فهو سجن عظيم يقيد العبد، يصيره عبدًا لغيره، عبدًا لشهواته، فيذل، وتصغر نفسه عند هذه الشهوات. قال: ولا قيد أصعب من قيد الشهوة؛ فكيف يسير إلى الله والدار الآخرة قلب مأسور مسجون مقيد؟ فإنه وإن اجتهد أن يمشي، فكذلك، قال: يمشي إلى الدار الآخرة، لكنه ما يستطيع؛ لأنه مأسور بشهوته. فلهذا تجد كثيرًا من الناس يريد أن يعبد الله، يريد أن يمشي على الطريق الصحيحة، لكن شهوته تأسره، إما في محبة فتاة أو في محبة غير ذلك مما حرمه الله. فلهذا يصير مسجونًا بهذه الشهوة، فلا يستطيع أن يخطو خطوة إلى الأمام إلى الخير بسبب شهواته؛ فتكون الطاعات عنده ليس لها أثر. قالوا: كيف يخطو خطوة واحدة إذا قيد القلب؟ تطرقه الآفات من كل جانب بحسب قيوده؛ أنه إذا قيد القلب بشيء من هذه الأمور، تأتيه الآفات، والغفلة، وغيرها من هذه الأشياء، تأتي إلى هذا القلب بحسب قيوده. قالوا: مثل القلب مثل الطائر، كلما طار وعلا، بعد عن الآفات، وكلما نزل احتوشته الآفات. أن الطائر كلما طار ابتعد عن الصياد، وعن غيره، وعن بعض الحيوانات التي قد تؤذيه. فإذا بعد، كان هذا الطائر بعيدًا عن الآفات. وهكذا القلب، كلما طار إلى الدار الآخرة، بعد عن الآفات. كلما نزل إلى المعاصي والذنوب، ابتلي بالآفات. قال: احتوشته الآفات، تنفذ عليه. مثل ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لما خط خطًا مستقيما، ثم خط خطوطًا معوجة جانبه، وقال: «هذه السبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه». كذلك النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين، لما خط خطًا طويلًا، قال: «هذا الإنسان، وهذا أمله». ثم خط خطًا مربعًا حوله، يدخل في ذلك الخط الطويل، ويخترقه الخط الطويل، قال: «وهذا أجله محيط به». ثم خط خطوطًا صغيرة داخل الأجل، قال: «وهذه الأغرار، كلما نجا من غرض نهشه آخر». فانظر إلى هذا التمثيل العظيم من نبينا عليه الصلاة والسلام، يبين أن الإنسان يمشي في هذه الطريق، يذهب إلى أمله، يريد آمالًا، يريد أن يفعل ويفعل ويفعل، والأجل محيط به. وهناك أيضًا أغرار، أغرار الشهوات، والشبهات، وكذا تنهشه. فلهذا فطريقه صعب، وكلما وكلما مال إلى شيء من هذه الأغرار، فإنه لا يستطيع أن يمشي. وكذلك أيضًا في المثال الأول في حديث عبد الله بن مسعود، عندما خط خطًا طويلًا، هذا صراط الله المستقيم. فالمسلم يمشي في هذا الصراط، ما لم تحتسه هذه السبل، فيذهب إلى هذه السبل المعوجة. قال رحمه الله: وفي الحديث أن الشيطان ذئب الإنسان. وهذا الحديث رواه الإمام أحمد من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن معاذ بن جبل. وهذا إسناد صحيح، إلا أن العلاء بن زياد الظاهر أنه لم يسمع من معاذ، بل لم يدركه؛ فمعاذ مات قديمًا سنة ثماني عشرة في خلافة عمر رضي الله عنه. والعلاء بن زياد بصري، وإن كان قديمًا، لكنه كان صغيرًا في ذلك الوقت، أو أنه لم يكن يطلب العلم في ذلك؛ لأنه مات سنة أربع وتسعين. ولم يرد الشام إلا في آخر حياته، جاء إلى الشام. وهذا يدل على أنه لم يسمع؛ كما يصرح بذلك كثير من أهل العلم. فلهذا فالحديث منقطع. وجاء أيضًا من طريق آخر، من طريق عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن العلاء، عن رجل، عن معاذ. وأيضًا ذكر رجلًا مبهما. ورواية عمر بن إبراهيم، وإن كان ثقة، إلا أن روايته عن قتادة فيها مناكير؛ كما قال أبو محمد. فهو لا يصلح. لكن إن أخذناه، فهو يبين أن هناك انقطاعًا. وقد جاءت أيضًا له طريق أخرى، حسنها بعض الشيخ للباني. وهي طريق من طريق أبان بن أبي عياش، عن شهر بن حوشب، عن معاذ. وشهر مختلف في روايته عن معاذ، هل سمع منه أو لا؟ وممكن أن يكون قد سمع منه؛ لأنه كان في الشام. لكن رواية أبان ضعيفة؛ أبان بن أبي عياش ضعيف، وواهم. فالظاهر أن هذا الحديث لا يصح؛ لأن فيه انقطاعًا، وفيه أيضًا هذه الآفات. وفيه أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو قال في الحديث: أن الشيطان ذئب الإنسان، مثل ذئب الغنم، يأكل من القاصية». معناه: أن الذئب إذا وجد الشاة بعيدة عن أخواتها أخذها. وهكذا العاصي، كلما غفل، فإن الشيطان ذئبه. فإنه إذا ابتعد عن إخوانه، وابتعد عن أهل الطاعة، فإن الشيطان يتولاه. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾. ولهذا تجد الإنسان إذا كان مثلًا على التزام، أو على استقامة، فترة من الزمن، ثم يبتعد عن إخوانه لأجل الدنيا، أو لأجل غير ذلك، فتجده بعد ذلك يبتعد كثيرًا، لا يجد لذة لإخوانه، أو الجلوس معهم، بل يجد وحشة. وكذلك أيضًا في الطاعات. قال المؤلف رحمه الله: «قال الشيطان ذئب الإنسان». وكما أن الشاة التي لا حافظ لها، وهي بين الذئاب سريعة العطب؛ أنه ليس هناك لها راعي. فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله، فذئبه مفترسه لا بد. وإنما يكون عليه حافظ من الله بالتقوى؛ سيحفظ الله عز وجل عباده بتقواهم سبحانه وتعالى. فإذا كان العبد متقيًا حفظه الله. قال: فهي وقاية، وجنة حصينة بينه وبين ذئبه، كما هي وقاية بينه وبين عقوبة الدنيا والآخرة. وكلما كانت الشاة أقرب من الراعي، كانت أسلم من الذئب. وكلما بعدت عن الراعي، كانت أقرب إلى الهلاك. فأسلم ما تكون الشاة إذا قربت من الراعي؛ لأنه حافظ لها. وإنما يأخذ الذئب القاصية من الغنم، وهي أبعد من الراعي. قال: وأصل هذا كله - يعني يريد أن يلخص رحمه الله هذه العقوبة - قال: وأصل هذا كله أن القلب كلما كان أبعد من الله، كانت الآفات إليه أسرع. وكلما قرب من الله، بعدت عنه الآفات. والبعد من الله مراتب، بعضها أشد من بعض. فالغفلة تبعد القلب عن الله، وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله. فالبعد له مراتب؛ كما ذكر رحمه الله. وشيطان يستدرجه في هذه المراتب، أو يدرجه في هذه المراتب. أولًا يجعله على الغفلة، ثم يأسره بالمعصية، أو البدعة، ثم بعد ذلك قد يجعله من أهل النفاق، وأهل الشرك والعياذ بالله. فهذا - إن شاء الله - ما يذكره الله تعالى. والله أعلم.