الدرس في التعليق على الجواب الكافي 70، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الذنوب والمعاصي تؤدي إلى سقوط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه. التقوى هي أساس الكرامة الحقيقية.
الجاه والذكر عند الناس يمكن أن يكونا مصدرًا للغم والهم، بينما رفع الذكر عند الله والناس هو نعمة عظيمة. من يهن الله فلا جاه له ولا حرمة.
الله يرفع ذكر أنبيائه ورسله ويجعل لهم لسان صدق عند الناس، بينما يذم أئمة الضلال ويخلد ذكرهم بالذم. اتباع الرسل لهم نصيب من رفع الذكر.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام مغيب رحمه الله تعالى: ومن عقوباتها السقط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله وعند خلقه، فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم وأقربهم منه منزلة أطواعهم له، وعلى قدر طاعة العبد له تكون منزلته عنده، فإذا عصاه وخالف أمره سقط من عينه، فأسقطه من قلوب عباده. وهذه أيضا من عقوبات الذنوب والمعاصي أن العبد الذي ينهمك في هذه الذنوب والمعاصي يسقط الجاه ومنزلته وكرامته عند الله، وكذلك عند خلقه. فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. وفي حديث عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن نبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل: «أي الناس أكرم؟ فقال: أكرمهم عند الله أتقاهم». فأكرم الناس عند الله عز وجل أتقاهم. ومعنى ذلك أن كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾، الذي أهانه الله وسقط في المعاصي والذنوب، من الذي سيكرمه؟ ومن الذي سيرفعه؟ ما تكون منزلته إلا عند أمثاله. وأما أهل الصلاح وغيرهم، فتسقط عندهم كرامته. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، وقال: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾. قال: فأسقطه من قلوب عباده، وإذا لم يبق له جاه عند الخلق وهان عليهم، عاملوه على حسب ذلك. ولهذا كما جاء في حديث سهل بن سعد، في ذلك الرجل الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تعدون هذا فيكم؟» وكان رجلا متقيا لله، وذاك غنيا ولكنه بعيدا عن الله، فقال: «هذا لهو أفضل من ملء الأرض من مثل ذاك»، لأن الله عز وجل أكرمه بالتقوى. ليس الكرامة بالجاه ولا بالمال، ولا أيضا كذلك بالنسب ولا بالحسب، وإنما الكرامة عند الله عز وجل بتقوى الله سبحانه وتعالى. فتقوى الله عز وجل هي التي تكرم الإنسان عند الله، وإكرام الله عز وجل له عند خلقه كرمه. وإذا ذهبت هذه الكرامة، أسقطها بمخالفاته، فإنه تسقط أو يسقط الله عز وجل هذه الكرامة ويهينه. ومن يهن الله فما له من مكرم. قالوا: وإذا لم يبق له جاه عند الخلق وهان عليهم، عاملوه على حسب ذلك، فعاش بينهم أسوأ عيش، خامل الذكر، ساقط القدر. وخامل الذكر قد يكون لأجل عبادته وطاعته، قد يكون لأجل أنهم لم يرفعوه ولم أيضا يحترموه لأنه ساقط الحال، لا حرمة له. لا حرمة له، أي أنه لا حرمة له في الكلام عليه لأنه قد جاهر بفسقه وأظهر للناس فسقه. كما قال الحسن رحمه الله: «الفاسق لا حرمة له». وليس معنى لا حرمة له أن الإنسان يتكلم في بعض الأشياء الخاصة به، وبعضهم يتكلم في خلقه، هذا خطأ. وإنما إن تكلم مثلا في معاصيه وقد جاهر بها، فسقطت كرامته، سقطت حرمته. فإذا قال مثلا: «فلان هذا يفعل كذا»، فهذا جائز لأن حرمته قد سقطت. وغالبا إذا كان أراد أن يحذر منه، وأيضا من الجرائر خلفه. قال: ولا فرح له ولا سرور، فإنكم للذكر والسقوط القدر والجاه جالب كل غم وهم وحزن، ولا سرور معه ولا فرح، ولو كان معه أموال الدنيا. قال: وأين هذا الألم من لذة المعصية؟ لولا سكر الشهوة. ومن أعظم نعم الله على العبد أن يرفع له بين العالمين ذكره. فانظر إلى العلماء العاملين والصالحين، فذكرهم مرفوع عند الله عز وجل وعند الناس. فبعضهم قد مات له ألف سنة، بعضهم أكثر، صحابة رضي الله عنهم، قبلهم الأنبياء. فإن الله عز وجل كما سيأتي في ذكر الآيات رفع ذكره، أيضا الأئمة: إمام الشافعي، إمام مالك، إمام أحمد، سفيان الثوري، ابن مبارك، الأوزاعي وغيرهم من أئمة الإسلام، أبو حنيفة. فإن الله عز وجل رفع قدره، كذلك بعض المحدثين كالبخاري ومسلم وغيرهم من أئمة الإسلام، تجد أنهم يذكرون بالجميل ويذكرون بالرفع، فأخلد الله عز وجل ذكرهم في العالمين. وهذا كله بسبب قربهم عند الله جل وعلا. وانظر إلى أيضا ضد ذلك، فإن هناك أناس خلد الله عز وجل ذكرهم لكن بالذم، كفرعون وهامان وقارون، وكذلك أبو جهل وغيرهم من هؤلاء أئمة الضلال، كذلك من أئمة البدع كالجهم بن صفوان وابن أبي دؤاد وبشر المريسي وواصل بن عطاء وعمر بن عبيد وابن بعد هؤلاء من أئمة الضلال، فإن الله عز وجل جعل ذكرهم بالذم. قال رحمه الله: ويعلي قدره. ولهذا خص أنبياءه ورسله من ذلك بما ليس لغيرهم، كما قال الله عز وجل: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكر الدار﴾، أي أنهم يذكرون عند الناس بالخير والرفعة والكرامة. قال: أي خصصناهم بخصيصة، وهو الذكر الجميل الذي يذكرون به في هذه الدار، وهو لسان الصدق الذي سأله إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾. لسان صدق، أي أن الناس يذكرونه بصدقه والثناء عليه. وقال سبحانه وتعالى عنه وعن بنيه: ﴿ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق﴾، أي الناس يثنون عليهم ويصفونهم بالصدق. وقال عليه الصلاة والسلام لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾، أي عند الناس. قال مجاهد رحمه الله في تفسير هذه الآية: أي لا أذكر إلا وتذكر، لا أذكر إلا وتذكر. وأراد أي في أشياء مخصصة: في التشهد، في الأذان، في الصلاة، في غيرها. فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر في الصلاة، في الأذان، في التشهد، في غيرها من هذه الأمور التي رفع الله عز وجل قدر نبيه عليه الصلاة والسلام، فرفع ذكره. ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾، قال: فاتباع الرسل لهم نصيب من ذلك بحسب ميراثهم من طاعتهم ومتابعتهم. وكل من خالفهم، فإنه بعيد من ذلك بحسب مخالفتهم ومعصيتهم. وهذا من عدل الله عز وجل سبحانه جل وعلا ورحمته وكرمه، أن كل شيء عنده بميزان، وكل شيء عنده بمقدار، سبحانه جل وعلا. ويعامل العباد بالعدل والإنصاف، وكذلك بالرحمة والكرامة، سبحانه جل وعلا. فخلاصة ما ذكره المؤلف هنا أن من عقوبات هذه المعاصي أنها تسقط الجاه والمنزلة والكرامة عند الله عز وجل وعند خلقه، تسقط كرامة هذا الإنسان الذي ينهمك في هذه الذنوب والمعاصي، تسقط كرامته عند الله، وكذلك عند خلقه، مهما كان من أغنى الناس أو أنسب الناس أو أحسبهم. وكل ذلك لا ينفع ما دام أنه ليس عنده تقوى من الله سبحانه وتعالى. هذا ما يذكره الله تعالى.