التعليق على تقريب التدمرية 95

الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 95، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

تحريم التكيف والتمثيل في صفات الله تعالى

يناقش تحريم إثبات صفات الله تعالى مع التكيف أو التمثيل، ويبين أن ذلك يعتبر قولا بلا علم ويستلزم الفوضى والتخبط في فهم صفات الله. كما يحذر من الوقوع في هذا الخطأ العظيم الذي يعتبر من كبائر الذنوب.

عجز العقول عن إدراك كيفية صفات الله تعالى وتأثير ذلك

القول بأن العقول لا تستطيع إدراك كيفية صفات الله تعالى، لأن ذلك يؤدي إلى الفوضى والتخبط، ويعتبر محاولة لإدراك ما لا يمكن إدراكه. يجب على الإنسان أن يقف عند هذا الحد ولا يتخيل كيفية لصفات الله تعالى.

أقسام الناس في التعامل مع أسماء الله وصفاته وموقف مذهب السلف

تناول أقسام الناس في التعامل مع أسماء الله وصفاته، حيث قسمهم إلى ستة أقسام، منها ما هو صحيح وهو مذهب السلف الصالح. يرى مذهب السلف الصالح إثبات الصفات لله تعالى على ما يليق به دون تحريف أو تعطيل أو تكيف أو تمثيل.

التمهيد لرد الشبهات حول التوحيد ومناقشة أخطاء المتكلمين

يشير إلى أنه سيتم مناقشة أخطاء بعض المتكلمين في تقسيم التوحيد في دروس لاحقة. يختم بالصلاة على النبي محمد، مما يدل على التمهيد لمناقشات قادمة حول قضايا التوحيد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا يجوز إثبات اسم أو صفة لله تعالى مع التكيف، لأن ذلك قول عن الله تعالى بلا علم، يستلزم الفوضى والتخبط في صفات الله تعالى، إذ كل واحد يتخيل كيفية معينة غير ما تخيله الآخر. ولأن ذلك محاولة لإدراك ما لا يمكن إدراكه بالعقول، فإنك مهما قدرت من كيفية، فالله أعلى وأعظم. هذا فيه بيان أنه لا يجوز التمثيل والتكيف بصفات الله جل وعلا. فإثبات الأسماء والصفات لله جل وعلا لا بد أن تثبت مع نفي التكيف، بمعنى لا تكيف بكيفية معينة. وكما أنها لا تمثل، والتمثيل أن يقال: صفات الخالق كصفات المخلوق، وجه الخالق كوجه المخلوق، هذا تمثيل. والتكيف أن يكيف صفة لله جل وعلا بكيفية معينة في ذهنه، أو يسأل عنها بكيف، فهذا تكيف. وكله لا يجوز، لا يجوز التمثيل ولا يجوز التكيف بصفات الله جل وعلا بكيفيات مقدرة في الأذهان، ولا يسأل عنها بكيف. ولذلك ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع هذا الأمر، فقال: ولا يجوز إثبات اسم أو صفة لله تعالى مع التكيف، لما لا؟ لأن ذلك قول عن الله تعالى بلا علم. الإنسان إذا كيف صفات الخالق جل وعلا، وقال: كيفيتها كذا، أو صفات الخالق مثل كذا، ما هو الدليل؟ هل عنده آية في كتاب الله دلته على أن صفة وجه الخالق كذا، أو صفة وجه الخالق مثل كذا؟ أو عنده حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ إذن لا دليل معه لا على تمثيله ولا على تكيفه. إذن إذا مثل أو كيف قال على الله جل وعلا قولا بلا علم، وافترى على الله سبحانه وتعالى، وكذب على الله جل وعلا. ولذلك كما سمعتم قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فهذا من أكبر الكبائر، وهذا من كبائر الذنوب العظيمة القول على الله جل وعلا بغير علم. ولذلك ذكر بعد الشرك بالله جل وعلا لبيان عظمه، والشرك بالله جل وعلا إنما وقع بسبب القول عن الله جل وعلا بغير علم. فهذا أمر عظيم. وهكذا كذلك هذا يستلزم الفوضى والتخبط في صفات الله تعالى، هذا يتخيل كيفية معينة في ذهنه لصفات الخالق جل وعلا، والآخر يتخيل كيفية أخرى في ذهنه، والآخر يتخيل كيفية أخرى. فإذا ما هو الحق في هذا كله؟ باطل، لأن هذا التخيل لكيفيات صفات الخالق جل وعلا باطلة، لأنه جل وعلا ليس كمثله شيء. فإذا كان ليس كمثله شيء، فمهما تخيل الإنسان كيفية معينة في ذهنه، فإن الله جل وعلا ليس كذلك، لأنه ليس كمثله شيء سبحانه وتعالى. إذا لا يمكن أن يصل الإنسان إلى إدراك كيفية معينة بذهنه وفي ذهنه لصفات الخالق جل وعلا، لأن الله جل وعلا أعظم من أن تدرك العقول كيفية صفاته سبحانه وتعالى. فالذي يدرك وتدرك كيفية صفته هو الناقص، أما العظيم جل وعلا الخالق الجبار المهيمن القدوس، لا تدرك العقول كيفية صفاته جل وعلا لعظمته ولكماله سبحانه وتعالى. فإذا هذا يؤدي للتخبط والفوضى، كل واحد يتخيل كيفية لصفات الخالق جل وعلا. هذا مراد المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: "يستلزم الفوضى والتخبط في صفات الله تعالى". هذا يقول: كيفية كذا، وهذا يقول: كيفية كذا، وكله من القول على الله جل وعلا بغير علم، ومن الباطل. قال رحمه الله تعالى: "إذ كل واحد يتخيل كيفية معينة غير ما تخيله الآخر". ولأن ذلك محاولة لإدراك ما لا يمكن إدراكه بالعقول، هذا أمر لا يمكن أن يدرك بالعقول، معرفة كيفية صفات الخالق جل وعلا أمر لا يدرك بالعقول. فإذا ماذا تريد؟ إذا كان هذا الأمر لا يدرك، لا يمكن أن يدرك بالعقول، فإذا قف عن هذا التخيل الذي يدعو إليه الشيطان، ويدعوك إليه النفس الأمارة بالسوء، تريد منك أن تتخيل كيفية صفات الخالق جل وعلا، أي صفة من صفات الخالق جل وعلا، العقول لا يمكن أن تدرك هذا الأمر. وأمر لا يدرك بالعقول، إذن مهما هامت العقول، ومهما سرحت ومهما أتعبت نفسها، فإنها لن ترجع بشيء، ستدور في حلقة مفرغة، لا يمكن أن تدرك شيئا. هذا أمر لا يدرك، والأمر الذي لا يدرك، الواجب على الإنسان أن يقف، أن يقف فلا يتخيل بعقله كيفيات صفات الخالق جل وعلا. العقول عاجزة عن إدراك ذلك، مهما قدرت ومهما كيفت، فالله تعالى أعلى وأعظم. لماذا ستخيل كيفية وجه الله سبحانه وتعالى كالسماوات والأرض والأراضين والجبال؟ الله تعالى أعلى وأعظم. لماذا تتخيل كيفية صفات كذلك؟ الله جل وعلا كهذا الملكوت الموجود؟ الله تعالى أعلى وأعظم. كل ما تتخيل شيئا، نقول: الله تعالى أعلى وأعظم، أعلى وأعظم. نعم، وما تخيلت كذب، وما تخيلت وهم، نعم، وباطل ليس بحق. الحق في هذا لا يعلمه إلا الله جل وعلا، فهو وحده سبحانه وتعالى الذي يعلم كيفية صفاته جل وعلا، لا يعلم ذلك أحد غيره، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. بل هو جل وعلا وحده لا شريك له الذي يعلم كيفية صفاته. وقد قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى في الطحاوية: "لا تمثله العقول"، أو قال ابن قدامة في "اللمعة": "لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تبلغه القلوب بالتصوير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". تأمل في هذا الكلام العظيم، "لا تمثله العقول بالتفكير"، لا تستطيع العقول أن تصل إلى شيء في هذا الباب، "ولا تبلغه القلوب بالتصوير"، لا يمكن أن تصل إلى صورة لكيفية من صفات الله جل وعلا، لما لا؟ قال: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". إذن لا تمثل العقول بالتفكير، ولا تبلغه القلوب بالتصوير، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير سبحانه وتعالى. وكما قال الإمام الطحاوي رحمه الله في الطحاوية: "لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا يشبه الأنام". إذن مهما توهم الإنسان، ومهما بلغ في ذلك التوهم، فلن يصل إلى شيء. وهكذا مهما صار يكيف ويرد أن يدرك كيفية صفات الخالق جل وعلا، فلن يصل إلى شيء. ولا يشبه الأنام، فالذي لا يشبه الأنام وهو جل وعلا، بمعنى لا يشبه الخلق، فمعنى ذلك أن الخلق لا يستطيعون أن يدركوا كيفية صفاته جل وعلا، لأنه جل وعلا ليس كمثله شيء، ولا يشبه الأنام سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وهذا النوع من التوحيد هو الذي كثر فيه الخوض بين أهل القبلة. أهل القبلة المراد بهم المنتسبين، أي من ينتسب إلى قبلة المسلمين، انقسموا في هذا الباب إلى ستة أقسام. القسم الأول من أجروها على ظاهرها اللائق بالله تعالى، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكيف ولا تمثيل، وهؤلاء هم السلف، وهذا هو الصواب المقطوع به لدلالة الكتاب والسنة والعقل والإجماع السابق عليه. القسم الأول هم السلف، أجروا هذه النصوص الواردة في الكتاب والسنة على ما يليق بالله جل وعلا، كل الصفات التي ثبتت في الكتاب والسنة أثبتوها، وأجروها على ظاهرها، قالوا: على ما يليق بالله جل وعلا، فلم يحرفوا ولم يعطلوا ولم يكيفوا ولم يمثلوا. القسم الثاني من أجروها على ظاهرها، لكن جعلوها من جنس صفات المخلوقين، وهؤلاء هم الممثلة، ومذهبهم باطل بالكتاب والسنة والعقل وإنكار السلف. القسم الثالث من أجروها على خلاف ظاهرها، وعينوا لها معاني بعقولهم، وحرفوا من أجلها النصوص، وهؤلاء هم أهل التعطيل، فمنهم من عطل تعطيلا كبيرا كالجهمية والمعتزلة ونحوهم، ومنهم من عطل دون ذلك كالأشاعرة. القسم الرابع من قالوا: الله أعلم بما أراد، فوضوا علم معانيها إلى الله وحده، وهؤلاء هم أهل التجهيل، المفوضة هم أهل التجهيل. القسم الخامس من قالوا: يجوز أن يكون المراد بهذه النصوص إثبات صفة الليق بالله تعالى، وأن لا يكون المراد ذلك، وهؤلاء هم الواقفة الذين توقفوا، وقال أيضا: شاكة، لم يجزموا بشيء. القسم السادس: أسموا بقلوبهم، وأمسكوا بألسنتهم عن هذا كله، واقتصروا على قراءة النصوص، ولم يقولوا فيها بشيء. وهذه الأقسام سوى الأول باطلة، كما قد تبين في غير هذا الموضع. القسم السادس هؤلاء يقال لهم: السكوتية، هؤلاء ساكتون، يقرؤون النصوص فقط قراءة، يقرؤون النصوص في كتاب الله جل وعلا، والتي فيها ذكر الصفات، لا يقلون فيها بشيء، لا بقلوبهم ولا بألسنتهم. فكل هذه الفرق أقوالها باطلة، المذهب الحق كما سمعتم: مذهب السلف الصالح. وهذه الفرق كلها التي هي من فرق الأشاعرة وغيرهم، سواء كانت الواقفة أو الشاكة أو السكوتية، هؤلاء أصلا عطلوا العقل عن تدبر نصوص الصفات. هؤلاء جبرية، والجبرية في باب العقل مفرطة، عطلوا العقل تماما عن تدبر النصوص، وأنه لا دخل له في ذلك أبدا. ولذلك عطلوا معاني نصوص الصفات، فلم يثبتوا الصفات لله جل وعلا على ما يليق به سبحانه وتعالى. وبهذا انتهى هذا الفصل فيما يتعلق بذكر الأسماء والصفات. سيأتي معنا غلط المتكلمين في تقسيم التوحيد، والرد عليهم في دروسنا اللاحقة إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.